الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الباعة المتجوّلون

مُكرهون ...لكنهم أبطال



ريبورتاج : صبرة الطرابلسي

العمل عبادة من منظور ديني وهو قيمة إنسانية تضمن للإنسان كرامته وتحقق له ذاته بقطع النظر عن طبيعة هذا العمل الذي قد يختاره البعض وقد لا يختاره كثيرون فتقودهم الصدفة إلى عمل ما دون آخر.

وأمام تفاقم أزمة التشغيل من سنة إلى أخرى وشحّ فرص العمل على مستوى التوظيف بالقطاعين العام والخاص لأسباب لم تعد تخفى عن احد أصبح البحث عن مصادر رزق جديدة خيار عديد الأشخاص سواء من الشباب أو من الكهول وحتى بعض المسنين الذين اتخذوا من عربة خشبية أو فولاذية أو حتى «كرتونة» مصدرا لكسب القوت الحلال حيث يحتلّ هؤلاء الباعة المتجولون ركنا في أحد أنهج العاصمة ليعرضوا بضائع مختلفة وفي جزء هام منها هي مواد غذائية ذات صيت شعبي على غرار «الكسكروت العياري» و«المروب» وغيرها من الأكلات التي تمثل جزءا من الموروث الغذائي .

«الصحافة اليوم »رصدت بعض نماذج هؤلاء الباعة من خلال الريبورتاج التالي.

في ركن من أركان نهج إسبانيا بالعاصمة ,اتخّذ العم مبروك مكانه وراء عربته الخشبية التي حملت ما لذّ وطاب من الحلويات التقليدية المعروفة بـ«الرفيسة» حيث قام بتصفيفها بطريقة هندسية تلفت انتباه العين وتثير نهم المارة ممن يحبذون هذا النوع من الحلويات التونسية التقليدية والشعبية والتي يصعب أن تجدها في واجهات محلات المرطبات .

العم مبروك حدثنا عن تفاصيل حكايته مع هذه العربة التي بدأت معها قصة كفاح من أجل كسب الرزق بعد أن استنفد كل وسائل إيجاد شغل فقد أخبرنا أنه عمل لدى متجر لبيع الملابس الجاهزة لكنه كان عملا مؤقتا لم يتمكن من الاستمرار فيه خاصة أن مشغله لم يكن يفيه حقه المادي فقرر بعدها ترك هذا العمل ووجد نفسه في وضع البطالة المقيت وهو رب أسرة متكونة من 4 أفراد ,فسعى إلى إيجاد مصدر رزق يؤمّن له دخلا منتظما يمكّنه من أن يعيل أسرته وقرر حينها أن يقوم بتصميم عربة لدى نجار الحي حتى يملأها ببضاعة تدر عليه بعض الدنانير التي تمكنه من كسب قوت يومه وفي نفس الوقت لا تتطلب رأس مال كبير فيكفي أن يقتني بضع كيلوغرامات من السميد والسكر والزبدة وقليل من الفواكه الجافة لتقوم زوجته بإعداد «الرفيسة» اللذيذة التي اتخذت بأشكالها الدائرية مكانا بارزا في العربة ذات اللون الأبيض وقد كساها العم مبروك بطبقة من ورق «السيلوفان» الشفاف ليمنع عنها تسرب الأتربة والأوساخ.

العم مبروك حدثنا عن علاقته بهذه العربة التي أصبحت بمرور الوقت علاقة تشبه إلى حد بعيد العلاقة الإنسانية التي تجمع شخصا بشخص آخر لكن العلاقة يمكن أن تبنى كذلك بين الشخص والمكان وبعض الأشياء التي يكون لها دور أساسي في الحياة كما هذه العربة التي يتقاسم معها العم مبروك ساعات نهاره الطويل الذي ينطلق في ساعة مبكرة لينتهي مع غروب الشمس تقريبا يعود بعدها أدراجه إلى بيته محملا بما بقي من البضاعة وغالبا ما تنفد وكل «نهار وقسمو» كما جاء على لسان محدثنا .

«كسكروت عياري»

بمكوناته البسيطة التونسية الصرفة وهي «الهريسة» والبيض و«التن» والزيت يلقى ما يسمى بـ«الكسكروت العياري» رواجا كبيرا لدى عموم التونسيين نظرا لتحقيقه معادلة السعر المناسب والطعم اللذيذ أو بالأحرى لاستجابته لذوق التونسي خاصة في فصل الشتاء حيث يحبذ المأكولات ذات الطعم اللاذع أو«المحرحرة» باللغة العامية .

وأنت تتجول وسط أبرز أنهج العاصمة تلمح عربات تصطف فوقها أكوام من الخبز إلى جانب إناء حديدي تملأه مياه ساخنة في وضع الغليان تسبح داخلها عشرات البيضات التي تمثل المكون الرئيسي لهذه الأكلة الشعبية التي تلقى رواجا منقطع النظير لدى عامة التونسيين بدءا من الطبقة الفقيرة وصولا إلى الموظفين الذين التحق أغلبهم بهذه الطبقة فلم يعد بوسعهم توفير ميزانية كبيرة للأكل خارج البيت خلال فترة الغداء ذلك أن سعر هذه الأكلة يعتبر ملائما جدا لجيب التونسي.

وفي ركن من أركان أحد أنهج العاصمة ,اتخذ عدنان العباسي مكانا له ليضع فيه عربته الخشبية المكسوة بلون طلاء أبيض ,تصطف علب الجبن بشكل عمودي إلى جانب أكوام من الخبز المصطف بطريقة مرتبة والمغطى بعناية بمنديل من القماش ليحميه بطش الأوساخ ,وتتوسط العربة علبة كبيرة من «التن» وإناء حديدي مليء بالماء الذي يغلي على مهل فوق نار هادئة وقد غمرت المياه كمية من البيض .

عدنان العباسي شاب ثلاثيني اختار مجبرا كما أخبرنا أن يخلق مورد رزق يكسب به قوته الحلال بعد أن قضى بعض سنوات في السجن نتيجة حكم وصفه بالمتشدد على هفوة قام بها في لحظة طيش وهو في سن 18 ليجد نفسه بعد أن استكمل مدة العقوبة في مهب البطالة.

ولم يفلح في إيجاد عمل يؤمن له مصدر رزق قار ليعيل أسرته الصغيرة بعد أن تزوج وأنجب طفلين فكان أن قام بإقتناء عربة وقرر أن يجعل من «الكسكروت العياري» مصدرا لكسب المال خاصة أنه ذوصيت شعبي هام نظرا لبساطة مكوناته ومحدودية كلفته وهو ما جعل أسعاره في متناول المواطن البسيط .

وهنا أشار عدنان إلى أن أغلب حرفائه هم من الموظفين الذين يستهويهم هذا النوع من الأكلات فالبيض و«الهريسة» التونسية والتن هي المكونات الأساسية للـ«كسكروت العياري» ذائع الصيت الذي لا يتجاوز سعره دينارين و400 مليم كأقصى تقدير ,إلى جانب البيض نصف المسلوق أو ما يعرف بـ«المروب» وفي هذا الإطار أوضح محدثنا أن ارتفاع أسعار المكونات الأساسية لهذه الاكلة وخاصة البيض ساهم في تقليص دخله لأن تكلفة بضاعته ارتفعت في حين أن سعر الأكلة لم يقم بالترفيع فيه بالقدر الذي يمكنه من أن يحقق له هامش ربح يذكر وقد أبدى تذمره من استفحال ظاهرة غلاء المعيشة وفقدان بعض المواد الغذائية الأساسية مثل البيض وتضاعف ثمنه مبينا أن الوضع بالبلاد ما فتئ يزداد تعقيدا وتضييقا على المواطن خاصة الطبقة الفقيرة.

عدنان وغيره آخرون من الاف الشباب والمواطنين الذين حاولوا أن يجدوا لأنفسهم مصدر رزق يوفر لهم العيش في وطن نهبه المستكرشون وهم في كفاح متواصل للكسب الحلال لتأمين قوت أبنائهم بعد أن شحّت سبل العمل والتوظيف ولكل اختياراته في نوعية التجارة البسيطة التي اختار أن يكسب منها رزقه لا يتعدى رأس مالها عربة وبضاعة بسيطة إما أن تكون في شكل مأكولات شعبية أو أشياء أخرى قد تنجح في لفت انتباه المارة أو أن يكونوا في حاجة لها على غرار بعض الإكسسوارت أوالأكياس البلاستيكية وغيرها....

وبقطع النظر عن الجانب القانوني لهؤلاء الباعة المتجولين باعتبار أن أغلبهم لا يملك ترخيصا للانتصاب بالشارع العام فإن لجوء آلاف المواطنين الى هذا الحل جعلهم مكرهين لا أبطالا بحثا عن قوتهم وقوت عائلاتهم في بلد شح فيه العمل وكثر فيه اللغو السياسي والتمويه إلى حد الكذب واستغباء هذا الشعب المسكين الذي أنهكه غلاء المعيشة الذي جعل من الوطن مكانا لم يعد يطيب فيه العيش .