الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



جحافل الناموس تجتاح البلاد

لمـــاذا تهاونــــت البلديــــات والهياكل البيئيـــة في التصــــدي لهــــذا الظاهــرة ؟



إعداد: صبرة الطرابلسي

تزايدت في الفترة الأخيرة تشكيات متساكني أحياء العاصمة و ضواحيها من هجوم جحافل الناموس، فرغم الوسائل الذاتية المستعملة للقضاء عليه من مبيدات الحشرات وغيرها إلا أن هذا الإشكال بقي مستعصيا في الوقت الذي تؤكد فيه السلط المعنية وبخاصة البلديات أنها استعدت لمقاومة “الناموس” بصفة مبكرة و اتخذت التدابير اللازمة للحد من تداعياته المزعجة على المتساكنين خاصة أولئك الذين يقطنون بأحياء متاخمة للسباخ و الأودية التي تحتوي على أوكار كثيرة للباعوض.

و قد أعلنت وزارة الشؤون المحلية والبيئة مؤخرا، أنها تولت تنسيق عملها مع الهياكل المعنية لتكثيف تدخلاتها للقضاء على مسببات الحشرات وذلك في إطار الخطة الوطنية لمقاومة الحشرات التي تم الشروع في إنجازها منذ بداية سنة 2018 و ذلك من خلال اتخاذ الإجراءات الإستباقية لمنع انتشارها، لكن التشكيات من تكاثر الناموس ووجوده بصفة مكثفة في عديد الأحياء يطرح أكثر من سؤال حول أسباب انتشاره المكثف رغم الحديث عن الإجراءات التي نسمع عنها سنويا و لا نرى نتائجها في مثل هذه الفترة من كل سنة ومع بداية ارتفاع درجات الحرارة.

فلماذا عجزت الهياكل المعنية بالبيئة عن مقاومة انتشار الناموس؟ و هل يمكن أن يشكل ذلك خطرا على صحة المواطنين ؟

ارتفاع درجات الحرارة و نزول الأمطار في الفترة الأخيرة هما عاملان أساسيان لتكاثر الناموس و انتشاره وكان لتوفر العاملين معا في الفترة الأخيرة دور كبير في انطلاق موسم “ الناموس” الذي ينتشر في كل الأحياء السكنية وخاصة تلك التي تكون على مقربة من السباخ أو الأودية أو مستنقعات المياه التي تمثل بيئة ملائمة لتكاثر الناموس خاصة بفعل ارتفاع الحرارة حيث أصبح القضاء على إشكال الناموس بالنسبة لمتساكني هذه المناطق من ذلك أحياء رواد و الملاسين و باردو و سيدي حسين و سكرة و أريانة و غيرها أمرا مستعصيا نظرا لفشل كل المحاولات المتاحة خاصة مضادات الحشرات للقضاء على هذه الآفة أو حتى التقليل منها.

السيدة منجية الحامي و هي ربة بيت تقطن بجهة السيجومي وواحدة من آلاف الأشخاص المتضررين من انتشار الناموس الذي قد يراه البعض أمرا هينا على حد تعبيرها إلا أن التعايش مع هذه الحشرة التي أصبحت أمرا واقعا و صعبا يتسبب في اضطراب نوم عائلتها و حتى جيرانها بالمنطقة التي تسكن بها إلى جانب تضرر الأطفال بسبب وخز الناموس و ما يخلفه على بشرتهم من بثور و حكة إضافة إلى إصابة بعض الأطفال بوخز الناموس على مستوى العين و هو ما يتسبب لهم في تورم شديد يستوجب خضوعهم للعلاج ,وقد تساءلت محدثتنا عن أسباب عجز الجهات المعنية خاصة البلديات على معالجة هذه الظاهرة المزعجة مشيرة الى أن من أبرز تداعياتها هو التوتر الشديد الذي أصاب متساكني المناطق المتضررة نظرا لتسبب الناموس في اضطراب نومهم إلى جانب الصوت المزعج الذي يحدثه, و طالبت السيدة منجية السلط المعنية بإيجاد وسائل ناجعة قادرة على مقاومة هذه الآفة مبرزة أن الوسائل المعتمدة حاليا لا تحقق نتائج تذكر ذلك أنه يتم سنويا تقريبا رش سبخة السيجومي بالمبيدات بالطائرة و يتحمل سكان الأحياء المتاخمة لها روائح المبيدات الخانقة التي تتسبب أحيانا في تضرر المصابين بأمراض تنفسية و رغم ذلك ما يزال الحال كما هو عليه.

و أوضح السيد محمد حرباوي و هو من متساكني وسط العاصمة حيث يقطن بشقة بـ”لافيات” أن إزعاجا شديدا يسببه الناموس بالنسبة لمتساكني هذه المنطقة مع بداية ارتفاع درجات الحرارة ليتواصل على امتداد الصائفة فيكون مصدر قلق شديد باعتبار أنه يسبب لكل المتساكنين اضطرابات في النوم و هو ما يؤثر على حالتهم النفسية و يجعلهم في حالة توتر عصبي مشيرا أن مشكل الناموس يعود لسنوات طويلة و رغم التشكيات المتواصلة للمواطنين إلا أن الوضع بقي على حاله إن لم نقل قد ازداد سوءا فقد لاحظنا أن حجم الناموس المنتشر أصبح أكبر و بالتالي فإن وخزه أصبح أشد مبينا أن الوسائل الذاتية التي يستخدمها على غرار مبيد الحشرات أو مضادات الناموس المروجة في السوق لم تعد تجدي نفعا لأن المسألة تستوجب تدخل السلط المعنية .

إجراءات استباقية

إن تدخل بلدية تونس لمنع تكاثر الناموس و القضاء على أوكاره قد انطلق منذ بداية السنة الجارية حيث تم اتخاذ جملة من الإجراءات للحد من انتشاره لكن الأمطار الأخيرة التي شهدتها بلادنا وارتفاع درجات الحرارة ساهما في تكاثره هذا ما أوضحته السيدة حفيظة بلخير مديمغ الكاتبة العامة لبلدية تونس مضيفة أن مستوى المياه بسبخة السيجومي هذه السنة يعتبر منخفضا لذلك لن تكون هناك إزعاجات تذكر في هذه الصائفة جراء الناموس موضحة أن بلدية تونس تقوم بمقاومة الباعوض الريفي و الباعوض الحضري وفق وسائل معينة تتماشى و طبيعة المكان الذي تتم مداواته فمثلا سبخة السيجومي يتم اعتماد الطائرة في رشها بالمبيدات للقضاء على الناموس إلى جانب القيام بعمليات ضخ المياه للتخفيض من منسوبها و بالتالي التقليل من إمكانية تكاثره وانتشاره بالأحياء المجاورة .

و أضافت محدثتنا في السياق ذاته أن بلدية تونس تقوم بتنسيق عملها في هذا الإطار مع مختلف الجهات المعنية من ذلك وزارة الشؤون المحلية والبيئة مشيرة الى ان أكبر معضلة تواجهها بلدية تونس هي المياه الراكدة بدهاليز العمارات خاصة منها تلك البنايات القديمة التي تنقصها الصيانة حيث تشكل أوكارا كبيرة لتوالد الناموس لذلك تعمل بلدية تونس حاليا على تنفيذ برنامج تفريغ المياه الراكدة بالطابق تحت الأرضي لعدد من العمارات بوسط العاصمة وحي الخضراء وغيرها ثم القيام بالمداواة الكيميائية والعضوية إلى جانب القيام بما يسمى بالتضبيب الحراري وهي تقنية يتم اعتمادها لمقاومة الناموس الحضري الذي يختلف عن الناموس الريفي و بالتالي تختلف طرق مقاومته.

و أشارت محدثتنا أن بلدية تونس قد جندت ثلاث فرق مختصة لتتدخل على مستوى حزام سبخة السيجومي لمنع تسرب و انتشار الناموس إلى المناطق السكنية المتاخمة لها و ذلك بالاعتماد على تقنية التضبيب الحراري مضيفة أن تدخل بلدية تونس لمقاومة الناموس يشمل فقط المناطق التي تعود لها بالنظر و عددها 15 دائرة بلدية أما بقية المناطق فتتولى البلديات المعنية القيام بعمليات مقاومة الناموس و اعتماد التقنيات الملائمة لذلك .

خطة وطنية لمقاومة الحشرات

في إطار تنفيذ محاور الخطّة الوطنية لمقاومة الحشرات والتي تمّ الانطلاق في إنجازها منذ شهر جانفي 2018 واتخاذ الإجراءات الاستباقية لمقاومة انتشارها قامت وزارة البيئة و الشؤون المحلية بدعوة الهياكل المعنية بالخطّة و هي وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية، وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري والديوان الوطني للتطهير لتكثيف المقاومة العضوية المتمثلة في أشغال الجهر والتنظيف وشفط المياه والردم للمستنقعات و الأودية و برك المياه و الدهاليز.. للقضاء على مختلف مآوى توالد الحشرات.

هذا ما أكدته السيدة سميرة العبيدي المديرة العامة للتراتيب و النظافة بوزارة البيئة والشؤون المحلية مبينة أنه اعتبارا إلى تسجيل ارتفاع في نسبة الإزعاج الناجم عن الحشرات في الفترة الأخيرة التي تميزت بتقلبات مناخية (أمطار، ارتفاع درجات الحرارة) والتي تشكل أرضية خصبة لتوالد الحشرات بمختلف أنواعها (ناموس- حشرات نباتية Puceron) قامت وزارة الشؤون المحلية والبيئة بتأمين التنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة في مقاومة الحشرات لتكثيف التدخلات العضوية للقضاء على مسببات الحشرات مضيفة أنه بالتوازي مع ذلك تعمل البلديات جاهدة على تنفيذ تدخلات كيميائية على غرار التضبيب الحراري أو البارد بناء على نتائج الاستكشاف المجرات .

و دعت محدثتنا المتساكنين للإبلاغ عن الإزعاج باعتبار أهمية الدور الذي يلعبه الإبلاغ عن التشكيات في اكتشاف أوكار الحشرات بمختلف أنواعها داخل المنازل وخارجها ويتم حاليا تكثيف التدخلات بمنطقة رواد ، تونس ، سيدي حسين ... .

و في السياق ذاته بينت محدثتنا أنه في ما يخصّ سبخة السيجومي فقد تمّ التدخل بالمداواة الجوية خلال شهر أفريل 2018 لمقاومة الوشواشة وحاليا تؤمن ثلاثة فرق عمل المداواة البرية صباحا ومساء بمحيط سبخة السيجومي وستتمّ برمجة تدخلات جوية أخرى للسبخة عند الاقتضاء لتجنب اكتساب الحشرات للمناعة واحتراما لمتطلبات الحفاظ على البيئة وسلامة المحيط مضيفة أنه حسب المؤشرات المتوفرة حاليا لن تشكل سبخة السيجومي هذه السنة مصدرا للناموس نظرا لانخفاض مستوى المياه بها و الذي لم يتعد 7 سنتميترات الأمر الذي لن يسمح بتكاثر الباعوض مشيرة أنه تم الى حد اليوم في مجال مقاومة البعوض الريفي مداواة حوالي 8509 هك من خلال القيام بـ 96 طلعة جوية خلال الفترة الفاصلة بين شهري جانفي و ماي 2018 وسوف تتضاعف مجهودات مختلف المتدخلين في خطة مقاومة الحشرات للتقليص من نسبة الإزعاج من خلال اعتماد طريقة علمية تعتمد المعاينة والاستكشاف وإعطاء الأولوية للتدخلات العضوية لتفادي اللجوء للمبيدات نظرا لخطورتها على الصحة العامة والطبيعة.

و أشارت السيدة سميرة العبيدي أن المواطن يساهم بدوره في انتشار الناموس دون وعي بذلك من خلال ممارسته لبعض السلوكيات التي توفر بيئة ملائمة لتكاثر الناموس في غياب تنظيف الآبار أو المواجل التي يستعملها بعض المتساكنين في بيوتهم إلى جانب عوامل أخرى تتعلق بالبنية التحتية المتردية التي توفر أرضية خصبة لوجود أوكار الباعوض و تساعد على تكاثره من ذلك الأقبية أو المساحات تحت الأرضية للعمارات خاصة بالعاصمة و التي يبلغ عددها 426 قبو وبرك المياه الموجودة على مستوى حظائر البناء و التي تتواجد خاصة بعد نزول الأمطار مضيفة أن بعض النزل المقفلة ببعض المناطق السياحية و التي توجد بها مسابح تكون بدورها مصدرا لتكاثر الناموس في غياب تنظيفها و صيانتها و بينت محدثتنا في السياق ذاته أنه يتم اعتماد الطرق البيولوجية لمقاومة الناموس و لا يتم اعتماد المداواة الكيميائية إلا في الحالات القصوى نظرا للخطر الذي تشكله على البيئة و على المائدة المائية و بالتالي فهي تشكل خطرا على صحة الإنسان لذلك يجري العمل على إيجاد طرق بديلة للمداواة الكيميائية التي يتم اعتمادها أساسا في رش المبيدات عبر الطائرة فقد تم لأول مرة إعداد طلب عروض لاقتناء ما يسمى بالزلاقة التي توظف لمداواة الناموس بالسباخ فتتوجه مباشرة إلى الهدف الذي سيتم رشه بالمبيد فتكون تداعيات المواد الكيميائية أقل ضررا .

إحصاء الأوكار

تعمل إدارة حماية المحيط و حفظ صحة الوسط على إحصاء عدد الأوكار المحتملة لتوالد الحشرات و البحث عن اليرقات و هذه العملية تتم في اخر شهر مارس بالتعاون مع اللجنة الوطنية لمقاومة الحشرات التي تتكون من ممثلين عن الهياكل المعنية على غرار وزارة الداخلية و وزارة البيئة و الشؤون المحلية ليقع بعد ذلك اقتراح الحلول الملائمة للقضاء على هذه الأوكار و منع تكاثر الحشرات و الناموس هذا ما أوضحه السيد محمد الرابحي مدير عام إدارة حفظ صحة الوسط وحماية المحيط مضيفا أنه يتم إعطاء أشغال النظافة الأولوية حيث تتولى هذه المهمة البلديات و اللجنة الوطنية لمقاومة الحشرات التي تقوم بجهر الأودية و تنظيف المستنقعات لتجنب قدر المستطاع استعمال المداواة الكيميائية و اعتماد الأدوية البيولوجية التي تحترم البيئة و ليست لديها تأثيرات سلبية عليها , وأشار محدثنا أن دور وزارة الصحة يقتصر على إحصاء أوكار الناموس وإعداد بطاقة تعريف لكل واحدة منها و اقتراح الحلول الملائمة للقضاء عليها مبينا أن مشكل الناموس الذي يتجدد مع كل صائفة رغم الجهود التي يتم القيام بها يعود إلى الوضع الذي عاشته الجماعات المحلية من عدم الاستقرار في السنوات الأخيرة و التي جعلت من العمل البلدي لا يستجيب لما تفترضه متطلبات مقاومة الحشرات و الناموس.

و أكد الرابحي في السياق ذاته أنه من الصعب القضاء نهائيا على الناموس من وجهة نظر علمية و اعتبارا إلى التغيرات المناخية التي تشهدها بلادنا فإن تواجد الناموس أصبح على مدار السنة وليس فقط بفصل الصيف.

و في ما يخص إمكانية وجود خطر يشكله الناموس على صحة المواطنين أوضح محدثنا أن الخطر الوحيد يتمثل في إمكانية تسرب ناموس ناقل للأمراض وافد من الخارج وقد تم اتخاذ كل الاحتياطات على هذا المستوى بوضع خلية رصد خاصة بالموانئ و المطارات لكن الناموس المحلي لا يشكل خطرا صحيا باعتبار تعايشه معنا و في بعض المناطق في تونس يوجد نوع من الباعوض أو ما يسمى بذبابة الرمل التي تقوم بنقل جرثومة من الفئران و تتسبب في الإصابة باللاشمانيا الجلدية التي تصيب جلد المصاب بتشوهات مضيفا أن إحداث هيكل خاص لمقاومة الناموس وهو من البرامج التي يجري العمل عليها ومن شأنها أن يكون الوقع أفضل للتقليص أو القضاء على هذه الظاهرة.

و لئن تعمل السلط المعنية على مقاومة الحشرات والناموس الذي يتزايد انتشاره مع بداية كل صائفة إلا أن تشكيات المواطن من هذه الظاهرة المزعجة ما تزال متواصلة و هو ما يعكس عدم نجاعة الوسائل المعتمدة.