الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



البنك المركزي والحكومة

شريكان في الفشل أم خصمان على السلطة؟



إعداد: شكري بن منصور

يسلط تعثر أغلب المحاولات الهادفة لوضع حد لتهاوي قيمة الدينار وتراجع مخزون البلاد من العملة الصعبة، الضوء على الأسباب التي تقف وراء هذا الوضع والجهة المسؤولة عنه خصوصا بعد مرور سنتين على انطلاق العمل بقانون استقلالية البنك المركزي الذي كان الهدف من إحداثه ،الاستجابة للحوكمة العصرية والنأي بالبنك المركزي عن أي تجاذبات سياسية محتملة أوإملاءات سياسات نقدية معينة.

وأمام تدهور الوضع المالي مثّل منح البنك مزيدا من الاستقلالية لتعزيز أدائه خيارا ملحا خاصة بعد فشل جميع الحكومات في وضع حد للنزيف الاقتصادي رغم أن العديد من معارضي هذا القانون يعتبرونه تكريسا للتبعية لصندوق النقد الدولي. لكن المراسلة التي بعثها محافظ البنك المركزي إلى رئيس الحكومة للتنبيه من مخاطر تواصل انزلاق احتياطي العملة الصعبة وتواصل الوضع على ما هو عليه، طرح من جديد مسألة مدى تجانس القرارات بين الحكومة والبنك المركزي ومدى استقلالية البنك فعليا وقدرته على اتخاذ إجراءات حاسمة في هذا الخصوص يتيحها له القانون بالنظر كذلك إلى حاجة الإجراءات التي يقوم باتخاذها إلى دعم الحكومة بوصفها جهازا تنفيذيا ممثلا في أعوان الأمن والديوانة.

فما هي مدى استقلالية البنك المركزي في تونس ومن يتحمل مسؤولية إخفاق السياسات المالية بعد الثورة؟ ومن يحدّد أهداف السياسة النقدية؟ هل هو البنك المركزي وحده أم بالتنسيق مع الحكومة؟ ومن يساءل في حال الفشل؟

تساؤلات عديدة يطرحها الجدل حول دور البنك المركزي ومدى استقلاليته عن الحكومة والسلطة التنفيذية وهي مرتبطة بصلاحيات محافظ البنك وحدود هذه الاستقلالية. فهناك شبه اتفاق على ضرورة أن يتمتع البنك المركزي بدرجة عالية من الاستقلالية في إدارة الشؤون النقدية من الناحية الفنية ولكن القضايا النقدية ليست كلها أمورا فنية فأهداف السياسة النقدية لها طابع سياسي. ويعتبر منجي بوغزالة، أستاذ العلوم الاقتصادية بالجامعة التونسية أنه يمكن للبنك المركزي اتخاذ إجراءات فعالة من خلال الآليات التي يمتلكها وهي سعر الصرف وسعر الفائدة بهدف المحافظة على نسبة التضخم عند مستوى مقبول وكذلك مخزون العملة الصعبة. ووفقا للقانون الجديد ليس بمقدور الحكومة إصدار أي تعليمات للبنك المركزي لكن من حق رئيس الحكومة تشكيل لجنة للتدقيق في حال وجود شبهات فساد. فالقانون يعطي للبنك المركزي السلطة المطلقة في ضبط السياسة النقدية وسياسة الصرف والتحكم في الاحتياطي والتصرف في الذهب. لذلك كان من المفترض أن يتصرف محافظ البنك المركزي على هذا الأساس ويفعل صلاحياته التي أسندت له بمقتضى القانون لأنه في صورة وجود طلب كبير على العملة الصعبة لا يمكن للبنك أن يبقى متفرّجا وهو يرى مخزون البلاد يتهاوى لان الحفاظ عليه هومن صلب مسؤولياته. وأوضح محدثنا أن الحكومة في هذه الحال لا يمكنها التحرك بنفس هامش السرعة والمرونة المتوفران للبنك المركزي مما يفترض من حيث المنطق أن يبادر هذا الأخير بالتحرك.

واعتبر في ذات السياق أن عدم تفاعل البنك مع الأحداث الهامة التي تعيشها البلاد لا يمكن تبريره خاصة مع ما يتم تداوله حول إرسال محافظ البنك المركزي برسالة إلى رئيس الحكومة ينبه فيها من خطر تراجع مخزون البلاد من العملة الصعبة إلى ما يعدل 75 يوم توريد وكان من المفروض أن يبادر عوض ذلك إلى اتخاذ إجراء عملي هو من صلب صلاحيته واختصاصه الذي هوالحفاظ على المقدرة الشرائية للعملة الوطنية من خلال مرونة الصرف وحجم السيولة.

استقلالية أم تنسيق ؟

وعند الحديث عن استقلالية البنك المركزي عن السلطة التنفيذية أوالحكومة يرى منجي بوغزالة أنه من الصعب أن تكون هناك استقلالية مطلقة وهذا غير معمول به حتى في أكبر الاقتصاديات المتقدمة في العالم لكن بالأحرى يجب أن يكون هناك تنسيق بين البنك المركزي ووزارة المالية لذلك من الضروري أن تكون العلاقة بينهما قائمة على المرونة حتى ولوأدت إلى بعض السلبيات كالتضخم.

وعموما يمكن القول أن الاستقلالية في هذا الخصوص هي استقلالية نسبية ترتكز على التساؤل الهام: ماذا نريد من البنك المركزي ؟ التركيز على التضخم فقط أم على السياسة النقدية في المطلق ؟ وهذا الأمر غير واضح في تونس ومرتبط بالمشهد السياسي الذي اصبح معقدا جدا بعد تعليق العمل بوثيقة قرطاج 2. كما دعا محدثنا إلى أهمية التفريق بين سياسة المالية العمومية التي هي من مشمولات الحكومة والسياسة النقدية التي هي من مشمولات البنك المركزي.

وعلاوة على ذلك تفترض الاستقلالية أن يكون محافظ البنك المركزي ذا شخصية قوية يفرض نفسه ويفرض الاحترام وذا مصداقية لان ذلك شرط هام لنجاح السياسة المالية.

تقصير حكومي

أما بالنسبة إلى الأستاذ الجامعي والخبير لدى الاتحاد العام التونسي للشغل منجي السماعلي فإن هناك تقصيرا حكوميا في كيفية التعامل مع ملفي مخزون العملة الصعبة والتهريب. فالتذرع بان استقلالية البنك المركزي تمكنه من التعامل لوحده ودون الرجوع إلى الحكومة هي حجة واهية في تقدير محدثنا الذي أوضح من جهته أن النص القانوني ينص صراحة على استقلالية البنك المركزي مقارنة بالسلطة التنفيذية بداية من طريقة تعيين محافظ البنك المركزي التي لم تعد من مشمولات رئيس الجمهورية كما كان في السابق بل يقترحه رئيس الحكومة ويصادق عليه مجلس نواب الشعب لضمان أكبر قدر ممكن من الاستقلالية لكن ذلك لا يعني أن الحكومة لا تتحمل مسؤولياتها كجهاز تنفيذي. فبهدف تعديل السوق والحفاظ على استقرار الأسعار يستعمل البنك المركزي عند الحاجة آلية سعر الفائدة لكن الانحدار الأخير في مخزون العملة الصعبة جعل من محافظ البنك يراسل الحكومة لتتخذ الإجراءات الحمائية اللازمة التي هي من صلاحيات وزارة المالية للحد من التوريد وهذا الأمر تتيحه قوانين المنظمة العالمية للتجارة في صورة وجود مخاطر على الاقتصاد الوطني أي أن المحافظ قام بدوره على أكمل وجه واتخذ الإجراءات التي هي من صلاحياته وطلب من أجهزة الدولة الأخرى أن تتخذ ما هومناسب لوضع حدّ للنزيف الحاصل لان الإجراءات الحمائية ليست من مشمولات البنك المركزي .

وتطلب عملية المحافظة على قيمة الدينار تجانس في الإجراءات المتخذة بين جميع الأطراف ولا يمكن إلقاء اللوم على البنك المركزي واتهامه بعدم التحرك لأنه يقوم بدوره على أحسن وجه.

كما أن البنك المركزي ليست له سلطة للمراقبة المباشرة وظاهرة انتشار حجم العملة الصعبة في السوق السوداء التي لا يمكن للبنك مراقبتها بل ذلك من مهام الحكومة ممثلة في الديوانة والأمن وكذلك ظاهرة تبييض الأموال لان مهمة مكافحة التجاوزات المالية هي من مشمولات الحكومة لان البنك المركزي يراقب فقط الأموال التي تمرّ عبر حساباته وليس الأموال التي تكون في السوق الموازية فهذا دور وزارة المالية وأجهزة الأمن التي تراقب مسالك التوزيع والتهريب .

غموض في التعريف

قبل تحديد المسؤوليات للحكومة أوللبنك المركزي يجب تحديد مفهوم هذه الاستقلالية . هذا ما أكده علي الشابي المستشار الاقتصادي لدى منظمة الأمام المتحدة مشيرا إلى أنه بالنسبة لقانون 2016 فإن مشروع هذا القانون يعطي صلوحيات أكثر بكثير من قانون 2006 الخاص بالسياسة النقدية ومحافظ البنك المركزي وذلك يعني أنه لابد من تحديد الوسائل لتحقيق هذه الأهداف لأنه في بنوك من العالم هناك أنواع عديدة من الاستقلالية، فمثلا البنك بأنقلترا مستقل فقط بالأهداف أما الوسائل فبيد السلطة التنفيذية بينما البنك بألمانيا مستقل بالأهداف والوسائل .

كذلك من الأفضل أن يخص البنك المركزي بالاهتمام لا استقرار الأسعار فقط بل كذلك في تحديد السياسة المالية والتنمية الاقتصادية للبلاد كما أنه من واجب محافظ البنك المركزي خلق مواطن شغل وقنوات للسياسة النقدية واثبات مدى تأثيرها على السياسة الجبائية لأنه في استمرارية هذا الغموض بمشروع القانون يمكن أن يولّد تضارب المصالح بين هدف السياسة الجبائية وهدف السياسة النقدية المتمثل في السيطرة على الأسعار وعدم وجود تنسيق يتسبب ذلك في التضخم. وعموما فإن استقلالية البنك المركزي ليست هدفا في حد ذاتها بل هي إطار معين للوصول بها إلى نجاعة السياسة النقدية وتكون متناسقة مع الأهداف الإستراتيجية للتنمية الاقتصادية بالبلاد.

كما دعا علي الشابي في ذات السياق إلى ضرورة تقنين وهيكلة جهاز للتنسيق بين البنك المركزي من جهة ووزارة المالية من جهة أخرى لضمان أفضل ما يمكن من النتائج في ما يتعلق بمعالجة الإشكاليات المالية للبلاد. ووفق النظام الحالي ليس لمحافظ البنك الهامش اللازم للتحرك رغم صدور القانون الجديد الذي يكرس استقلالية البنك المركزي. فالآليات المتاحة أمامه تكاد تكون مقتصرة على زيادة سعر الفائدة وليس بمقدوره لوحده معالجة تراجع مخزون العملة الصعبة الذي استفحل بسبب تحول العجز التجاري من عجز ظرفي إلى عجز هيكلي بفعل تنامي الواردات وتراجع الصادرات بشدة. وبالنسبة إليه تبقى للحكومة السلطة والمسؤولية الكاملة للتقرير في سياسة ميزانية الدولة وكذلك مجلس نواب الشعب بإمكانه مساءلة محافظ البنك المركزي والرقابة على أعماله وليس لرئيس الحكومة أي سلطة عليه. وأشار إلى أن الربط بين الاستقرار المالي واستقرار الأسعار ليس دائما صحيحا على اعتبار أن هناك أزمات مالية عديدة اندلعت رغم استقرار الأسعار وان الوضع في الأزمات يتبدل ويصبح كل شيء غير ثابت فيمكن للبنوك المركزية أن تتدخل بكل ثقلها لإنقاذ الاقتصاد ومن ذلك أن نسبة الفائدة الحقيقية تصبح سلبية أي أن سعر الفائدة اقل من نسبة التضخم.

وعلى اعتبار أن القانون الذي جرى إعداده بالتعاون مع صندوق النقد الدولي سيمكن من تطوير النظام المصرفي وتحديثه لكي يتلاءم مع المنظومة العالمية شرط أن تلتزم به الحكومة فان استقلالية البنك المركزي أمر ضروري ويجب التمييز بين الاستقلالية حسب الأهداف والاستقلالية حسب الوسائل. فالقانون الجديد الذي ينظم عمل البنك المركزي جعل الوسائل والأهداف تحت يد المحافظ لكن الدستور يقول أن المسؤول عن السياسة الاقتصادية للدولة في آخر المطاف هي الحكومة. فالاستقلالية في تقديره تعني أن البنك المركزي مستقل في اختيار الأهداف والوسائل كما ان الاستقلالية تكون نسبية لأن أهداف الحكومة وأهداف البنك المركزي قد تتعارض والفرق بينهما أن الحكومة تعمل تحت ضغوطات في حين أن البنك المركزي يعمل خارج الضغوطات والأهداف الآنية.

رغم محورية دور البنك المركزي يبقى للحكومة التأثير الأقوى في مجال مكافحة تبييض الأموال من خلال تحكمها في الأجهزة التنفيذية من أمن وديوانة . كما أن التجانس في القرارات بين الطرفين ضروري لان كلاهما مسؤول عن السياسة الاقتصادية العامة للبلاد خاصة وأن استقلالية هذا البنك هي نسبية إلى غاية الآن لان الاستقلالية المطلقة غير ممكنة لذلك لا يمكن للحكومة التنصّل من واجباتها بذريعة استقلالية البنك المركزي. في المقابل على البنك المركزي وفق القانون الجديد أن يعلن عن برنامج واضح كي ينال مصادقة مجلس نواب الشعب وهو الأمر الذي لم يحصل عند تعيين المحافظ الحالي مروان العباسي.