الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



المؤسّسات المصادرة

لماذا تعطّل مسارها... وأين هي أموالها ؟



إعداد: عواطف السويدي

بعد 7 سنوات من الثورة تعاني الممتلكات والمؤسسات المصادرة صعوبات عديدة و إهمالا وسوء تصرف ،واليوم عاد موضوع المؤسسات المصادرة إلى الواجهة بسبب الحديث عن التفويت في بعض المؤسسات الإعلامية المصادرة من بينها شمس أف أم التي خاض صحفيوها و أعوانها إضرابا الأسبوع الفارط ، و دار الصباح فضلا عن المؤسسات التي لازالت قيد الدرس و عددها 19 مؤسسة.

وتعدّ المصادرة آلية من ضمن الآليات المخوّلة للدولة لاسترجاع الأموال والممتلكات المكتسبة بصفة غير شرعية. وهي تندرج ضمن متطلبات المحاسبة ومقاومة الفساد وذلك وفق ما نصّت عليه اتّفاقية الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد ، و بعد ثورة 14 جانفي تمّ اتخاذ جملة من التدابير بهدف تركيز منظومة لمصادرة الأملاك المكتسبة دون وجه حقّ من قبل قائمة تتضمّن 114 شخص شملت أساسا الرئيس السّابق زين العابدين بن علي وزوجته وأصهاره وأقاربه ، كما تعلّقت المصادرة بمن ثبت حصولهم على أملاك أو حقوق جراء علاقتهم بالأشخاص المدرجة أسماؤهم بالقائمة .وتجسّم ذلك في إحداث لجنة المصادرة و مهمتها مصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقاريّة لفائدة الدّولة استنادا إلى قرارات المصادرة التي بلغ مجموعها إلى موفّى سنة 2015 ما عدده 1864 قرار، كما تمّ إحداث اللّجنة الوطنيّة للتصرّف في الأموال والممتلكات المعنيّة بالمصادرة أو الاسترجاع لفائدة الدّولة لدى وزارة الماليّة. كما عهد لشركة الكرامة القابضة التصرّف في 62 مساهمة مباشرة وغير مباشرة للدولة منها مساهمات في 22 شركة تمت إحالتها من قبل الدولة بمقتضى الاتفاقية المبرمة بينهما بتاريخ 13 ديسمبر 2012. وقد بلغت مداخيل صندوق الأموال والممتلكات المصادرة خلال الفترة من 2011 إلى 2015 ما قيمته 978,123 م.د وارتفع مجموع المبالغ التي تمّ تحويلها إلى ميزانية الدولة الى 917 م.د إلى موفى سنة 2015.

فما هي أهم الصعوبات التي لازالت تعترض عملية التفويت في هذه المؤسسات و ما هي مقاييس و إجراءات التفويت و مدى نجاعتها في تحقيق الأهداف المرجوة منها ؟

 

تعهدت في 2011 بعض المجمّعات المدرجة بقائمة الأملاك المصادرة بصيانة أملاك ترجع الى بلحسن الطرابلسي، وأخرى الى صخر الماطري. لذلك تم إنشاء «مجمع الكرامة» المكلّف بتبنّي مؤسسات كانت تابعة في الأصل لمجموعة («برانسيس» الماطري)، قبل أن تلحق بمجموعة الطرابلسي ، بهدف العناية بهذه المؤسسات والتمهيدِ للتفويت فيها. فكان المسار صعبا وما أمكن إنجازه إلى حد الآن لا يتعدّى مجرد مساهمات ذات أغلبية في ستّ شركات.

وأكد الرئيس المدير العام لشركة الكرامة القابضة عادل قرار، انطلاق عملية التفويت في 19 شركة مصادرة في قطاعات مختلفة في سنة 2018، وأشار في هذا الخصوص إلى أن أهم العوائق التي تعرقل عمليات التفويت في الشركات المصادرة عدم اتفاق كافة الأطراف المساهمة في الشركة على عملية التفويت .

تجدر الإشارة إلى أن عمليات التفويت تشمل مساهمات الدولة المباشرة وغير المباشرة في هذه الشركات، التي تنشط في قطاعات مختلفة كالقطاع البنكي وشركات التأمين والصناعة والسياحة والإعلام.

عوائق بالجملة

وقد جاء تقرير دائرة المحاسبات الصادر في 2017 اثر مهمة رقابية ميدانية للفترة الممتدة بين جانفي 2011 و فيفري 2016 ، والتّي شملت بالأساس أعمال لجنتي المصادرة والتصرّف وشركة الكرامة ، وجاءت ملاحظات الفريق الرقابيّ حول عدد من الإخلالات والإشكاليات المتعلّقة بإصدار قرارات المصادرة وتنفيذها وحفظ الممتلكات المصادرة واستغلالها إضافة إلى عمليات التفويت فيه . وتمحورت ابرز الملاحظات حول : عدم مصادرة بعض الأملاك المشمولة بمرسوم المصادرة ، عدم القيام بإجراءات استرجاع الممتلكات المصادرة المفوت فيها دون وجه حق ، عدم حفظ واستغلال العقارات والمنقولات المصادرة ، التقصير في متابعة الشركات المصادرة وقد نجمت عن ذلك خسارة ، تحميل صندوق المصادرة خسارة بما قدره 500 ألف دينار، تعيين مكاتب خبرة دون مراعاة لقواعد الشفافية والمنافسة.

هذا وقد خلصت الدائرة إلى أن النقائص التي شابت التصرف في الأملاك المصادرة نجم عنها عدم تحصيل قسط وافر من المداخيل المقدرة ضمن قوانين المالية ، و رغم رد لجنة التصرف في الأملاك المصادرة و شركة الكرامة القابضة على جملة هذه الملاحظات فان بقاءها يبقى دليلا على ان هذا المسار لم يكن مقنعا حسب تقدير الخبير الجبائي ورئيس المعهد التونسي للمستشارين الجبائيين لسعد الذوادي و الذي لاحظ في حديث لـ«الصحافة اليوم» انه تم التعامل مع الممتلكات المصادرة على أساس أنها جسم غريب عن الدولة ، زيادة على الأملاك التي تركت دون حارس لتلحق بها أضرار جسيمة، كما اعتبر انه تم تنصيب أشخاص على شركات مصادرة فاقدين لأية أهلية في مجال تسيير المؤسسات وبالأخص تلك التي تمر بصعوبات ، و قد كبّد سوء التصرف هذا الدولة عشرات حتى لا نقول مئات المليارات.

كما تم تعيين بعض الموظفين العموميين من فاقدي الأهلية للتمعش من بعض الشركات المصادرة التي ليس لها أي نشاط ويقبضون من خلالها أجورا خيالية مقارنة بأجور الوزراء (7000 و8000 دينار شهريا).

غياب الشفافية و المحاسبة

و قال أيضا إن بعض مكاتب الدراسات التي تم التعاقد معها بصفة مشبوهة وغير شفافة وبالمراكنة تمعشت من المال العام ، كما أن ملف الأملاك المصادرة اشرف عليه أشخاص في وضعية تضارب مصالح لهم مؤسسات تنشط في المجال المالي وقد تزامن ذلك مع التفويت في بعض الشركات والمساهمات المصادرة وهذا الملف الخطير لم يتم التحقيق فيه إلى حد الآن.

و أضاف الذوادي بان هناك ممتلكات مشمولة بالمصادرة موجودة بالخارج تقدر قيمتها بعشرات آلاف المليارات لم يتم بذل أي جهد للتعرف عليها من خلال تفعيل اتفاقية المساعدة الإدارية المتبادلة وتبادل المعلومات الموضوعة من قبل مجلس اوروبا ومنظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي او من خلال التعاقد مع مكاتب خاصة للاستعلام والاستخبار دون الحديث عن الممتلكات المشمولة بالمصادرة الموجودة بتونس والتي تم الاستحواذ عليها من قبل شركاء الأشخاص المصادرة أملاكهم. وللدلالة على الإصرار على عدم إنجاح عملية المصادرة ومساعدة الأشخاص الذين نهبوا موارد الشعب على الإفلات من المحاسبة لم تبادر الحكومة أو مجلس النواب بسد الثغرات الموجودة بالنصوص المتعلقة بالمصادرة وبالإجراءات المعمول بها والتي هي غير متلائمة مع المعايير الدولية ، و بين الذوادي أن هذه الثغرات من شأنها إسقاط قرارات المصادرة في الداخل والقضايا المرفوعة بالخارج مشيرا إلى أن ملف الأملاك المصادرة يعد من اخطر ملفات الفساد التي لم يفتح بشأنها تحقيق قضائي إلى جانب ملف الخوصصة الذي كلف الخزينة العامة آلاف المليارات والذي تم التستر عليه من قبل الجميع.

و تساءل لسعد الذوادي عن عدم تفعيل الفرع الثاني من مرسوم المصادرة وبالتالي يفلت من نهبوا موارد الشعب من المحاسبة ؟

ملف الإعلام

و تعمل شركة الكرامة القابضة على التفويت في المؤسسات الإعلامية المصادرة وهي تحديدا إذاعة «شمس أف أم» و دار «الصباح» و إذاعة «الزيتونة» التي من المفروض أن يتم إلحاقها بالإذاعة التونسية و لكن لم يفعّل القرار إلى حد الآن ، و في هذا السياق أفادنا كاتب عام نقابة الثقافة و الإعلام محمد السعيدي أن الحكومة تتعامل بكل تجاهل مع ملف «شمس أف أم» خاصة وانه تم الاتفاق معها على تشريك الطرف النقابي في عملية التفويت وضرورة إمضاء اتفاقية المؤسسة التي تضمن حقوق الصحفيين و العاملين قبل عملية التفويت وكذلك تسوية وضعية بعض المتعاقدين ولكن تواصل الحكومة والكرامة القابضة تجاهل الأمر وهو ما أدى إلى تنفيذ إضراب عام بـثلاثة أيام .

وبالنسبة لدار الصباح ذكر السعيدي أن المؤسسة مازالت تعاني صعوبات مالية كبيرة وهناك متخلّدات مالية لفائدة الصحفيين وهناك صعوبات في خلاص الأجور ومساهمات الضمان الاجتماعي .

ويرى محدثنا أن المؤسسات الإعلامية لها خسائر مالية اليوم بسبب سوء تسيير الكرامة القابضة منذ 2011 والفساد المالي للمسيرين الذين تداولوا عليها ،ففي إذاعة شمس مثلا المدير العام السابق هو الان على ذمة القضاء والقضية جارية ، و بالنسبة لدار الصباح كان لابد من القيام بإصلاحات لم تتم لسنوات والمؤسسة تملك عقارات كانت تحت تصرف الدولة دون أن تدفع أي مليم ولم يقع استغلالها، كما أن برنامج التسريح الاختياري تأخر لسنوات.

و دعا محمد السعيدي إلى ضرورة تنفيذ برنامج الإصلاح في المؤسسات الإعلامية المصادرة لتتحول إلى مؤسسات ربحية على حد قوله .

و في ملف المؤسسات الإعلامية وبعد أن نفذ صحفيو وأعوان إذاعة شمس أف أم إضرابا عاما لمدة ثلاثة أيام بسبب عدم تشريكهم في عملية التفويت ، أوضح عادل قرار أن الإذاعة خاسرة ماليا و لا تتجاوز مداخيلها 20 بالمائة من مصاريفها مما أثقل كاهل المؤسسة و لكن حرصت الكرامة القابضة بحسب ما صرح به محدثنا، على ضمان حقوق العمال و الصحفيين و تم تشريكهم في الجلسات الأولى لتلقي مطالبهم و تمت الاستجابة من قبل الكرامة القابضة و وقع الرد عليها و بعث مكتوب إلى الإدارة العامة و لكن نقابة الإذاعة تقدمت مؤخرا بمطالب جديدة في حين أن عملية التفويت في مراحلها الأخيرة مشيرا إلى أن اتفاقية المؤسسة لا تتم إلا على مستوى قطاعي و ليس على مستوى المؤسسة نفسها.

و قال عادل قرار أن الكرامة القابضة ستوافق على أحسن عرض مالي لتختار المستثمر المناسب مشيرا إلى أن الهايكا ستتولى فيما بعد مراقبة مدى الحفاظ على الخط التحريري و تراقب مدى التزام المستثمر بالخط التحريري.

و فيما يتعلق بدار الصباح أفاد عادل قرار أنها شركة خاصة و ليس لها هيكل قطاعي و سيتم التفويت فيها بداية من جويلية حيث تتم العملية على مرحلتين الأولى هي إعلان طلب العروض و تقديم الترشحات و يتم فيما بعد البت في ذلك ونشر قيمة العروض و هوية المستثمرين على الموقع .

مسار التفويت متعطّل

وقال الرئيس المدير العام لشركة الكرامة القابضة، عادل قرار، أن 19 شركة مصادرة في قطاعات مختلفة سيتم التفويت فيها خلال سنة 2018 وبين قرار أن الأمر يتعلق بالتفويت في مساهمات الدولة المباشرة وغير المباشرة في هذه الشركات ، وقال أن الحكومة تتطلع إلى تعبئة 500 مليون دينار متوقعا أن يتم تجاوز هذا الرقم المدرج ضمن ميزانية الدولة لسنة 2018، حيث ستشمل عمليات التفويت 70 بالمائة من بنك الزيتونة والزيتونة تكافل و50,5 بالمائة من أسهم اسمنت قرطاج المدرجة في البورصة و35 بالمائة من شركة أدوية بنسبة تصل إلى ٪37 من رأس المال (كانت على ملك والد صخر الماطري، منصف الماطري)، ألفا فورد (وكيل فورد في تونس) ، ألفا هيونداي (وكيل هيونداي في تونس) إلى جانب شركات أخرى ليست معروفة.

و أكد محدثنا أن هناك 19 شركة تمت برمجتها للتفويت منذ2017 و انطلقت العملية في 2018 لتبرز نتائجها في شهر جويلية المقبل، و أشار إلى انه يوجد 11 شركة دخلت في عملية التفويت إلى حد الآن أهمها نزل البالاص و اسمنت قرطاج و بنك الزيتونة و الزيتونة تكافل، و المؤسسات الإعلامية المصادرة .

و إجمالا قال الرئيس المدير العام لشركة الكرامة القابضة عادل قرار أن الشركات المصادرة وقعت مصادرتها منذ 2011 و لازالت اليوم في 2018 تعرف صعوبات مالية لان الدولة غير قادرة على المصاريف وكان من المفروض ان تتم عملية التفويت في 2012 او 2013 على أقصى تقدير ، و ذكر انه تم وضع متصرفين قضائيين ثم متصرفين عاديين و هناك عدة عوامل تسببت في التعطيل ، و قال انه في 2011 كانت هناك 450 شركة مصادرة و اليوم هناك 60 شركة على ذمة الكرامة القابضة و 250 شركة لدى لجنة التصرف في الأملاك المصادرة . وأكد انه تم التفويت في شركتين إلى حد الآن هما المدرسة الدولية بقرطاج بقيمة 66 مليون دينار و أيضا الشركة الفلاحية الزيتونة 1 بقيمة 29 مليون دينار سنتي 2016 و 2017 ، و أكد انه بعد التعطيل وضعت الحكومة برنامج عمل لإجراءات التفويت تكون فيه المنهجية واضحة و عن طريق طلب عروض.

و تجدر الإشارة إلى أننا حاولنا الاتصال بوزارة المالية التي تتكون صلبها لجنة التصرف في الأملاك المصادرة لكن دون جدوى.

و بصفة عامة لا تحجب المصاعب اللوجستية والبشرية لعملية التفويت في المؤسسات المصادرة تواصل الارتجالية في التعاطي مع هذا الملف الذي يحتاج إلى منهجية صارمة و واضحة لإتمامه في أفضل الظروف .