الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



تآكل الطبقة الوسطى وتفقيرها:

ما هي تداعياته على التوازن الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع التونسي؟



إعداد: صبرة الطرابلسي

لم يعد انتشار الفقر في تونس مسألة خفية على أحد فقد تجلت مظاهره في المجتمع التونسي الذي فقد جزءا هاما من طبقته الوسطى التي التحقت بدورها بالطبقات الفقيرة نتيجة اعتلال الاقتصاد الوطني وما خلفه ذلك من تضخم مالي وغلاء في المعيشة وتراجع المقدرة الشرائية. وحسب آخر الإحصاءات التي شخصت واقع الفقر في تونس فإن عدد الفقراء التونسيين بلغ مليونا و694 ألف شخص، وتم تصنيف الفقير على أنه الذي ينفق أقل من 1085 دينار سنويا بالمدن الكبرى كما بينت دراسة أنجزها البنك الدولي سنة 2015 أن تونس قد احتلت المرتبة الرابعة عربيا في انتشار الفقر حيث وصلت نسبة الفقر إلى ٪1.99 من مجموع السكان حسب إحصاء 2010.

كل هذه المؤشرات وغيرها تؤكد تفقيرا جليا للمواطن التونسي تزايدت مظاهره بعد الثورة بانتشار كل أشكال العنف وغياب البرامج التنموية والتشغيلية وتزايد المديونية وانصراف أهل السياسة لخدمة مصالحهم عوض خدمة مصلحة المواطن والوطن.

فما هو تأثير تآكل الطبقة الوسطى على التوازن الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع التونسي؟

وهل أن السلطة واعية بخطورة هذا الوضع الذي يمكن أن يفجر غضبا شعبيا قد ينذر باندلاع ثورة للجياع ؟

«الصحافة اليوم» سلطت الأضواء على موضوع تآكل الطبقة الوسطى وتزايد مظاهر الفقر في المجتمع التونسي من خلال هذا التحقيق.

أطفال ونساء ومسنون لم يجدوا مورد رزق يدر عليهم بعض الدنانير فاختاروا اقتناء كراتين من المناديل الورقية وافتراش الرصيف أو التنقل عبر مفترقات الطرقات أملا في بيعها وطمعا في كرم المشتري بمنحهم بعض المليمات الإضافية علها تساعدهم على سد الرمق وتلبية الحاجيات الأساسية وهي ظاهرة جديدة انتشرت بسرعة في العاصمة لتؤكد حالة التهميش والفقر التي يعيشها عديد المواطنين. موظفون يشتكون عجز الراتب الشهري عن تغطية النفقات الحياتية أمام الغلاء المشط للمعيشة الذي ما فتئ يتفاقم يوما بعد يوم ليجعلهم مجبرين على التداين أو التنازل عن بعض الحاجيات. أما عن انتشار العنف والإجرام ومختلف مظاهر الفساد فحدث ولا حرج وتلك رواية أخرى لاختيار بعض الفئات سلك طريق الربح غير المشروع لمقاومة الغلاء الفاحش.

السيد بشير الوسلاتي هو عامل بمصنع لا يتجاوز دخله الشهري 650 دينار وهو أب لثلاثة أبناء جميعهم يدرسون وقد حدثنا بنبرة لا تخلو من الحسرة موضحا أنه يخضع إلى ضغوطات مالية يومية تحاصره في كل اتجاه أمام ارتفاع الأسعار الذي وصفه بأنه لم يعد يطاق إلى جانب خلاص كراء المنزل ومصاريف دراسة الأبناء والفواتير مضيفا أن دخله في السابق كان يغطي نسبيا نفقات عائلته لكن في السنوات الأخيرة لم يعد مرتبه قادرا على الصمود إلى آخر الشهر بل أنه يبدأ في النفاد منذ منتصف الشهر وهو ما يضطره إلى التداين.

وحدثتنا السيدة فريدة الغربي وهي موظفة متقاعدة قائلة أن الغلاء المشط للأسعار جعل المواطن التونسي غير قادر على مجابهته فالدخل الشهري لأغلب التونسيين لا يكاد يغطي الحاجيات الأساسية حتى أن أغلب الناس حذفوا عديد المواد الغذائية من قفتهم على غرار اللحوم الحمراء وبعض أنواع الغلال والخضر مضيفة أنها قبل التقاعد أي منذ نحو 10 سنوات كان راتبها وراتب زوجها يؤمن ان مصاريف العائلة ويزيد حيث كانا يوفران مبلغا من المال إذا ما تبقى من راتبيهما للجوء إليه عند الحاجة إلى جانب تمكنهما من اقتناء مسكن وسيارة ,وبينت محدثتنا في السياق ذاته أن جيل اليوم لم يعد قادرا على توفير دينار واحد من راتبه هذا إذا لم يتداين لتلبية حاجياته مضيفة أنها تشفق على هذا الجيل الذي وجد نفسه وسط وضع اقتصادي صعب أحبط آماله وجعله دائم التفكير في الهجرة سواء بالطرق الشرعية أو غير الشرعية.

انتشار الفقر

ارتفاع مؤشرات الفقر في المجتمع التونسي لم يعد يحتاج إلى أرقام أو إحصاءات لإثباته فقد أصبح جليا في الشارع التونسي الذي أصبح يشهد عديد المظاهر التي تعكس تغييرات في الطبقات الاجتماعية فقد تآكلت الطبقة الوسطى بفعل غلاء المعيشة والتضخم المالي وهي التي كانت تمثل عنصر التوازن الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع التونسي، هذا ما أكده أستاذ علم الاجتماع سامي نصر موضحا أن سنوات ما بعد الثورة شهدت تراجعا ملحوظا للطبقة الوسطى التي كانت عماد المجتمع التونسي ذلك أن التغييرات الاجتماعية التي تطرأ على المجتمع هي مؤشر لمروره بأزمة وما انحدار الطبقة الوسطى سوى دليل واضح للوضع المتأزم الذي تعيشه تونس حيث أصبح المجتمع منقسما إلى طبقتين. وبين محدثنا أن جزءا من الطبقة الوسطى قد التحق بالطبقة الغنية في حين أن جزءا آخر وهوالأكبر أصبح ينتمي للطبقات الفقيرة .

وأبرز سامي نصر أن ما يشهده المجتمع التونسي اليوم من تغييرات هو نتيجة عملية ممنهجة تمسك بخيوطها أطراف أجنبية فرضت على بلادنا املاءات وتمشيا اقتصاديا ساهم بصفة واضحة في تغيير ملامح المجتمع التونسي الذي كان لعقود طويلة يستمد توازنه من الطبقة الوسطى والتي تم إضعافها نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع المقدرة الشرائية وضعف الدولة الذي أفرز انتشارا للأعمال الهشة والتجارة الموازية وهي عملية ممنهجة ضربت الاستقرار الاجتماعي مضيفا أن المواطن نفسه قد ساهم بدوره في هذا الوضع بسبب غياب ثقافة العمل لديه وانتشار ثقافة التواكل والتباكي التي قلصت من الإنتاجية وساهمت في ارتفاع مؤشرات البطالة والفقر إذ نجد أن عديد القطاعات تفتقر لليد العاملة وهو ما يعكس عزوفا عن تعاطي هذه الأعمال إلى جانب انتشار ثقافة الوهم والربح السهل التي ساهمت في تكريسها بعض البرامج التلفزية.

وأكد محدثنا على ضرورة اتخاذ الدولة إجراءات من شأنها المحافظة على الطبقة الوسطى من خلال تحسين قدرتها الشرائية والترفيع في مداخيلها والعمل على نشر الوعي الاجتماعي بأهمية ثقافة العمل والقطع مع ثقافة التواكل .

مؤشرات خطيرة

من أهم أسباب حفاظ المجتمع التونسي على استقراره لعقود هو وجود الطبقة الوسطى التي تساهم بصفة فاعلة في الحفاظ على التوازن الاجتماعي لكن بفعل غلاء المعيشة والتضخم المالي بدأت هذه الطبقة في التآكل شيئا فشيئا في السنوات الأخيرة وهو مؤشر خطير قد يهدد السلم الاجتماعي في تونس. هذا ما أوضحه السيد مسعود الرمضاني رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مضيفا أن تفقير المجتمع التونسي منذ الثورة نتيجة غياب سياسة تنموية ناجعة وعدم توفر برامج تشغيل جدية كانت له انعكاسات سلبية وخطيرة على المجتمع وهو ما يتجلى في ارتفاع مظاهر العنف بمختلف أشكاله وتزايد حالات الانتحار إلى جانب تفاقم هجرة الكفاءات والهجرة السرية حيث بلغ عدد الشباب الذين حاولوا الهجرة بطريقة غير شرعية خلال هذه السنة أكثر من 6700 شاب يبلغ معدل أعمارهم 21 سنة وهو ما يعكس حالة الإحباط التي يعيشها الشباب التونسي ويأسهم من إيجاد فرص عمل ملائمة ببلدهم .

وأضاف الرمضاني أن الطبقة الوسطى فقدت عديد الامتيازات التي كانت تتمتع بها والتي كانت تخول لها الحفاظ على توازن المجتمع لكن اليوم وبعدما تآكلت هذه الطبقة التي التحق جزء هام منها بالطبقة الفقيرة فإن الوضع لم يعد على ما يرام بل يشوبه كثير من التوتر وسخط هذه الفئة على الأوضاع الذي قد ينذر بثورة أخرى أو بانتشار مظاهر الانحراف على غرار السرقة والارتشاء وغيرها، بحثا عن طرق ربحية إضافية تغطي متطلبات الحياة وهو ما يحيلنا على وجود أزمة أخلاقية إلى جانب الأزمة الاقتصادية.

تغييرات اجتماعية جلية أفرزها الوضع الاقتصادي المتأزم حيث كان الموطن الضحية الأولى لخيارات سياسية واقتصادية قادت البلاد نحو المجهول وأفرزت حالة من الإحباط العام والسخط على هذا الواقع الذي تشوبه ضبابية المستقبل وغلاء المعيشة وشح فرص العمل وتزايد نسبة الفقر فهل أن الطبقة السياسية المنصرفة إلى التكالب على الكراسي واعية بما يمكن أن يشكله السخط الاجتماعي من خطر على استقرار البلاد إذا لم تستفق من تجاهلها واستخفافها بهذا الوضع القاتم.