الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



خسائر الفلاحين بسبب الفيضانات

التعويضات لم تتجاوز الـ 6 بالمائة بينما الخسائر قاربت 440 مليون دينار



إعداد: لطيفة بن عمارة

يعتبر القطاع الفلاحي قطاعا استراتيجيا وحيويا، لا في تونس فقط، بل في العالم ككل، إذ أن أهم معركة اليوم هي معركة الأمن الغذائي وتأمين قوت الشعوب بعد أن أثبتت عديد التجارب أنّ الاستقرار الاجتماعي والسياسي مرتبط دائما بالاستقرار والنمو الاقتصادي. وبالنسبة لتونس، فان الفلاحة هي أحد القطاعات الحيوية في النسيج الاقتصادي الوطني على صعيد القدرة التشغيلية والمساهمة في الناتج المحلي الخام.

وقد أثبت قطاع الفلاحة و الصيد البحري خلال سنة 2018 أحقيته بأن يكون الركيزة الأولى لاقتصاد البلاد و العنوان الأبرز للتنمية الوطنية بفضل ما حققه من مردودية و أرقام قياسية و على مستوى التصدير حيث بلغت قيمة المواد الغذائية خلال الثمانية أشهر الأولى لسنة 2018 ما يعادل 3434.6 مليون دينار مسجلة بذلك نموا قياسيا يقدر بـ68.6 % مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية.

كما تطورت نسبة نمو القطاع الفلاحي في سنة 2018 إلى مستوى 9.8% ووفرت الفلاحة عائدات بنسبة 13% من إجمالي صادرات البلاد وساهمت في تحسين الميزان التجاري الغذائي بقيمة 138 مليون دينار. هذه النسب المختلفة، ووفقا لطبيعة الاقتصاد التونسي الذي يعتمد على الفلاحة والخدمات كأهم قطاعين، تبرز بوضوح أهميّة القطاع الفلاحي ودوره في الجهود التنمويّة والإيرادات الوطنيّة.

ورغم الثراء المناخي للمجال الترابي التونسي، ورغم الأرقام المذكورة سابقا، وما تعكسه من أهميّة الفلاحة، إلاّ أنّها في الآن ذاته تبرز الوضعيّة الصعبة للقطاع الفلاحي الذي عرف تراجعا كبيرا خلال السنوات الأخيرة. ولعل التغيرات المناخية الأخيرة و الفيضانات التي شهدتها عدة مناطق من الجمهورية عمّقت أزمة الفلاحة نظرا للخسائر الفادحة التي تعرض لها الفلاحون مقابل حجم التعويضات التي لم تستجب لانتظارات الفلاحين.

فما هي تداعيات الأمطار الأخيرة على القطاع وما هي تأثيراتها على أمننا الغذائي؟

أسهم التنوع الكبير في المجال المناخي التونسيّ وامتداد الأراضي الفلاحية على مساحة 10 مليون هكتار( 5 مليون هكتار أراض زراعية والباقي مراعي وغابات) أي ما يقارب 65 % من مساحة البلاد في أن يلعب القطاع الفلاحي دورا حيويا على الصعيد الاقتصادي. فهو يؤمن 8.15 % من الناتج الداخلي الخام ويساهم في تشغيل حوالي 16.3% من اليد العاملة.ولكن رغم هذا الدور البارز الذي يلعبه قطاع الفلاحة في الدورة الاقتصادية إلا أنه لازال يعرف تهميشا ممنهجا حسب ما أكده أهل الاختصاص. حيث تؤكد الإحصائيّات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء أنّ أزمة القطاع الفلاحي ليست أزمة عابرة أو ظرفيّة مرتبطة بظرف سياسيّ أو مناخي بعينه. إذ اتخذت مؤشّرات الإنتاج الفلاحي خلال السنوات المنصرمة منحى تنازليّا يعكس عمق الخلل الهيكليّ الذي يعاني منه هذا القطاع. حيث تطورت الواردات الغذائية بين سنوات 2013 و2017 بنسبة 23.9% لتبلغ 57866 مليون دينار بالتزامن مع تواصل تدنّي سعر صرف الدينار التونسي ليبلغ العجز المالي في الميزان التجاري الغذائي 1354.6 مليون دينار مقابل 1075.7 مليون دينار خلال سنة 2016، بما يمثل 8.77% من إجمالي عجز الميزان التجاري. وقد شمل تطوّر الواردات بالخصوص المنتجات الفلاحية الأساسيّة على غرار القمح الصلب بنسبة 15% والقمح اللين بنسبة 27% ومشتقات الحليب بنسبة 70%، تزامنا مع تراجع إنتاج مشتقات الحليب على الصعيد الوطني بنسبة 155% سنة 2017 مقارنة بسنة 2014. هذا بالإضافة إلى تطوّر استيراد السكّر بنسبة 211% مقارنة بسنة 2016.

خسائر كبيرة والتعويضات لم تتجاوز

6 بالمائة

قدرت الأضرار التي لحقت بالقطاع الفلاحي خلال موسم 2017-2018 بحوالي 182 مليون دينار قبل الفيضانات الأخيرة التي شهدتها ولايتا نابل والقصرين ،حيث حصرت قيمة الأضرار بولاية نابل بـ 100 مليون دينار وتجاوزت الأرقام الـ150 مليون دينار بولاية القصرين لتقارب الخسائر الجملية 440 مليون دينار هذا ما صرح به عبد المجيد الزار رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري مشيرا الى أنه رغم فداحة الأضرار وحجمها الكبير إلا أن التعويضات لم تصل إلى المطلوب بل كانت متدنية وضعيفة جدا حيث لم تتجاوز الـ 6 % أي ما يقارب الـ11 مليون دينار.وانتقد الزار التعامل الحكومي مع الملف الفلاحي عموما وجانب التعويضات بشكل خاص حيث اعتبر أن سياسة الحكومة لا تزال تحكمها التناقضات بين الاقتناع بأهمية الفلاحة والتي تترجمها الوعود والخطابات الرسمية من جهة وبين غياب القوانين والإجراءات الملموسة من جانب آخر. وأضاف رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري أن مشاكل القطاع الفلاحي تعود إلى سلسلة من التراكمات والسياسات الارتجاليّة التي أنتجت مشاكل هيكلية تتطلب ما يمكن أن نسمّيه ثورة فلاحية حسب تعبيره تغير الملامح الأساسية للفلاحة التونسية.وقال أن الحكومة تتغافل عن دعم القطاع الفلاحي عمدا واعتبار الدعم صدقة ولكنه استثمار مربح للدولة التي وجدت في الفلاحة المنفذ لاقتصاد ولرصيد البلاد من العملة الصعبة عند الأزمات ،كما يمكن أن تجد في هذا القطاع الحل لمشاكل التنمية والتشغيل في الأرياف والمناطق الداخلية وتضمن الاستقرار الاجتماعي.وأبرز الزار في السياق ذاته أن السياسات المعتمدة في التعامل مع القطاع الفلاحي أحادية الجانب تتخذها كل من وزارة الفلاحة ووزارة التجارة دون العودة والتشاور مع أهل القطاع الذين لهم دراية أكبر بواقع القطاع ومشاكله.وعبّر محدثنا عن رفض اتحاد الفلاحة والصيد البحري لسياسات وزارتي الفلاحة والتجارة رفضا تاما باعتبارها لا تتعامل في أغلب الأحيان بالجدية المطلوبة مع مقترحات المنظمة الفلاحية وشدد أنه من الممكن مقاطعة الجلسات والمفاوضات مع الوزارتين المعنيتين في حال مواصلتهما لسياسة التجاهل للمطالب الشرعية للفلاحين والبحارة.

أزمة خانقة

خسائر بمئات المليارات تكبدها الفلاحون نتيجة للعوامل الطبيعية شملت كل المنتوجات وستكون تبعاتها وخيمة على الفلاح وعلى المستهلك خاصة مع تراخي الدولة في معالجة الأزمة وهنا دعا الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة إلى ضرورة الإسراع في تفعيل صندوق الجوائح الطبيعية وفق رؤية تقوم على التضامن الوطني لا على حساب الفلاح فقط كمصدر تمويل . ولا يمكن الحديث عن وضع القطاع الفلاحي دون التطرق إلى أزمة الحليب التي تشهدها تونس منذ أشهر. وفي هذا السياق اعتبر عبد المجيد الزار أن هذه الأزمة غير مسبوقة مبينا أن منظومة الألبان في تونس تعرضت إلى عملية ضرب وتدمير بسبب السياسات الخاطئة للدولة محملا المسؤولية إلى وزارة التجارة التي لا زالت تتعامل مع الفلاح كصندوق دعم وفق قوله.وأوضح أن من نتائج أزمة الحليب كذلك أنه تم التفريط في حوالي ثلث القطيع أي بين 20 و25 ألف بقرة وإلى تراجع الإنتاج بحوالي 15 %.والدولة تتوجه للتوريد على حساب دعم جهاز الإنتاج الوطني.الأزمة رمت بظلالها كذلك على منظومة البيض نتيجة تدخل وزارة التجارة لتحديد الأسعار وتوقيف التصدير. كذلك قطاع البطاطا والبصل الذي سجل خسائر كبرى في صفوف منتجي البطاطا والبصل بسبب فوائض الإنتاج وانهيار الأسعار.حيث يؤكد الزار في هذا الإطار أن وزارة الفلاحة لم تتحمل مسؤوليتها في توفير مخازن التبريد وفي المقابل قامت بترويج ادعاءات مغلوطة تتهم فيها الفلاحين بعدم درايتهم بالخزن التقليدي.

تهميش مقصود

ينتظر أهل القطاع الفلاحي سنويا أن يتم دعم القطاع والفلاحين ومنحهم حوافز تنقذهم من شبه الإفلاس وتكون في حجم مساهمة هذا القطاع الحيوي في اقتصاد البلاد وفي خزينة الدولة وذلك من خلال رصد ميزانية مهمة في قانون المالية 2019، ولكن وعكس انتظارات أهل القطاع لم يحظ القطاع بالدعم المنشود.وفي هذا السياق اعتبر رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري أن الفلاحة وكالعادة لم تكن من أولويات هذه الحكومة داعيا إياها إلى ضرورة مراجعة سياستها في التعامل مع قطاع الفلاحة وأولوية الأولويات هي معالجة مديونية القطاع الفلاحي بصفة جذرية والتخلي عن كامل الديون المتخلدة والتي لا يتجاوز مبلغها من حيث الأصل 10 آلاف دينار.

تواصل الأزمة الفلاحية وتفاقم العجز الغذائي ومواصلة الحكومة في خيارات الشراكة الأوروبية ورفع يدها عن حماية هذا القطاع الاستراتيجي، يضع مستقبل الأمن الغذائي للتونسيين على المحك، خصوصا مع شمولية الأزمة الاقتصادية التي لم تستثن أيّ قطاع. لا بد من تقييم شامل للمرحلة الماضية ووضع خطط مستقبلية تقوم على التجديد والمعالجة الجذرية للمشاكل الهيكلية التي تعيق تطور القطاع الفلاحي، بل وتهدد أمن التونسيين على صعيد غذائهم وقوتهم وهو رهان لا يقلّ عن الرهانات الأمنية والسياسية، فالجوع كافر وعواقبه وخيمة.