الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



ضعف الحركية التجارية

هل هي مرتبطة بشهر رمضان أم بارتفاع الأسعار ؟



إعداد : شكري بن منصور

رغم سمو المعاني التي يكرسها شهر رمضان الكريم من إمساك عن الأكل وعن العادات السلبية كالغش والاحتكار ورفع الأسعار.. كثرت خلال السنوات الأخيرة ظواهر استغلال هذا الشهر من قبل التجار بهدف تحقيق أقصى ما يمكن من الكسب المادي دون مراعاة لأحوال الطبقات محدودة الدخل والفقيرة.

ولعل ما يعكس هذه الظاهرة ما تمت ملاحظته خلال النصف الأول من هذا الشهر الكريم من تراجع الإقبال على محلات الملابس الجاهزة والمقاهي الفاخرة ذات الأسعار المشطة بشكل يعكس مدى تراجع المقدرة الشرائية للتونسيين من جهة وارتفاع الأسعار إلى ما فوق طاقتهم من جهة أخرى.

فبالإضافة إلى ارتفاع أسعار الملابس بمختلف ماركاتها المحلية والمستوردة يشتكي التونسيون هذا العام من صعود أسعار الحلويات التقليدية والفواكه الجافة بالرغم من تحديد وزارة التجارة هامش ربح لهذه السلع. كما أن العديد من أصحاب المقاهي يعمدون إلى رفع الأسعار في رمضان مستغلين ضعف المراقبة الاقتصادية خلال هذا الشهر مما انعكس بشكل واضح على ضعف الإقبال عليها على الأقل خلال الأيام العشرة الأولى.

فما هو تأثير تراجع المقدرة الشرائية على سلوكيات الاستهلاك خلال شهر رمضان وكيف يتفاعل التونسيون مع ظاهرة ارتفاع الأسعار خلال هذه الفترة؟

التدهور الكبير في المقدرة الشرائية للمواطن التونسي ساهم في تراجع الإقبال على المحلات التجارية منذ انطلاق شهر رمضان . هذا ما أكده رئيس الغرفة الوطنية لتجار الأقمشة والملابس الجاهزة محسن بن ساسي مشددا على أن مبيعات الملابس خلال الأيام الأولى لشهر رمضان لهذا العام في تراجع مستمر مقارنة بالأعوام الماضية كما أن الحركية تراجعت سواء في الليل أو النهار لكن المقدرة الشرائية الضعيفة لا تعتبر المتسبب الوحيد في تقديره لعزوف أغلب التونسيين عن الخروج والتسوق خلال ليالي هذا الشهر لان الوضع السياسي أدلى كذلك بدلوه والاهتمام بالتطورات السياسية طغى على عديد الأمور الأخرى إضافة إلى أن هذه الفترة هي فترة امتحانات لدى أغلب التلاميذ والطلبة.

ضعف المقدرة الشرائية وتواتر المناسبات

ولاحظ محدثنا أن العاصمة أصبحت شبه ميتة خلال ليالي شهر رمضان على غير عادتها وهذا يبرز أساسا في محلات الملابس الجاهزة التي سجلت تراجعا في نسبة المبيعات اليومية لتتراوح بين 10 و15% فيما سجّلت بعض المحلات بمناطق الشمال الغربي 0% من المبيعات يوميا بسبب ضعف المقدرة الشرائية وتواتر المناسبات. علما وأن مؤشر الأسعار انخفض من 7,6% إلى 6% بفضل التفاعل الايجابي للتجار ومساهمة منهم في خلق حركية تجارية في ليالي شهر رمضان بالرغم من عدم تفاعل وزارة التجارة في هذا الخصوص. ومن دلالات ترهل المقدرة الشرائية عدم إقبال التونسيين بشكل كبير على المنتجات المحلية للملابس الجاهزة حيث غالبا ما تبحث العائلات عن البدائل في الأسواق الموازية أو أسواق الملابس المستعملة لتأمين مشتريات عيد الفطر بسبب الارتفاع النسبي في أسعار الملابس المحلية مقارنة بما توفره الأسواق الموازية. وبحسب محدثنا من الممكن مزيد التخفيض في مؤشر أسعار الملابس الجاهزة والأحذية في صورة التنسيق الجيد مع سلطة الإشراف خاصة وأن الأسعار سجلت ارتفاعا في السنوات الأخيرة بسبب نقص الإنتاج المحلي من جهة واللجوء إلى الواردات من جهة أخرى علما وانه تم توظيف أداءات جديدة على واردات هذا القطاع بنسبة 30% و معاليم إضافية بنسبة 15%.

كما أن التخفيضات التي تقوم وزارة التجارة بتنظيمها سنويا تسببت في تغيير العادات الاستهلاكية لدى التونسيين في مجال الملابس فبعد أن كانت العائلة التونسية تقتني ملابس العيد خلال ليالي شهر رمضان ويا يعنيه ذلك من خلق حركية تجارية للمحلات والأسواق أصبحت تعول على مواسم التخفيضات وهذا الوضع تسبب في تأزم حال تجار الأقمشة والملابس الجاهزة خاصة في السنوات الأربع الأخيرة لذلك لابد من تنقيح قانون عدد 40 لسنة 1998 المنظم لعملية موسم التخفيضات. واتهم محدثنا وزارة التجارة بالتسبب في تواصل تردي وضع المحلات التجارية من خلال التمسك بهذا القانون الذي اعتبره «مجحفا» في حق التاجر والمواطن على حد سواء وغير مجد بصيغته الحالية وحوّل عملية التسوق إلى عملية مناسباتية وهذا فيه ضرب للتجار . وتبقى الانتعاشة ممكنة في نظر رئيس الغرفة الوطنية لتجار الأقمشة والملابس الجاهزة بشرط التفاعل الايجابي لوزارة التجارة مع مقترحات التجار معبرا عن ثقته بان الأمور ستتحسن شيئا فشيئا مع اقتراب الأيام الأخيرة لشهر رمضان.

حركية للضرورة

وفي نفس الإطار من الضروري أن تلعب المنظمات والجمعيات المهتمة بتوعية وإرشاد المستهلك دورها الهام خلال هذا الشهر بهدف ترشيد الإنفاق والاستهلاك في رمضان وتوعية المواطن بان غياب التصرف الرشيد وعدم التوازن بين المداخيل والمصاريف يساهم في تعميق مديونية العائلة من ذلك أن رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي اعتبر أن هذه الفترة من كل سنة هي من أصعب الفترات على العائلة التونسية من حيث حجم الإنفاق لذلك ترافقت بداية شهر رمضان لهذه السنة مع تراجع ملحوظ في الإقبال على المحلات التجارية للملابس الجاهزة وحتى المقاهي وهذا يعود بالأساس إلى تراجع المقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. فالمواسم الاستهلاكية تتتالى في ظرف خمسة أشهر من رمضان إلى العيد ثم موسم الصيف مما أرهق المقدرة الشرائية لأغلب التونسيين وحتى الحركية المتوقعة خلال الأيام الأخيرة لرمضان ستكون «حركية للضرورة» كما أطلق عليها لان المواطن مجبر على شراء ملابس العيد لأبنائه وهذا يعني أن العيد هذا العام وعلى غرار السنوات الأخيرة سيكون مكلفا على التونسيين خاصة وأن معدل أسعار الملابس يتراوح بين 90 دينار إلى 120 دينار للفرد الـواحد.

وبالنسبـة إليه سيحتاج المواطن التونسي البسيط إلى شهرين على الأقل لاسترجاع توازنه المالي ليجد نفسه مرة ثانية في مواجهة مصاريف عودة المدارس وعيد الاضحى . فرغم انتهاء السنة الدراسية وارتياح بعض الأولياء من مصاريف إضافية يحتمها التعليم إلا أن شهر رمضان زاد من الطين بلة حيث وعوض أن تتقلص المصاريف في هذا الشهر المعظّم تزداد صعودا صاروخيا بحكم تنامي الحاجيات الأسرية وارتفاع الأسعار . كما أنه بمرور النصف الأول من رمضان ينصب تفكير الأولياء على شراء ملابس العيد لصغارهم مما يدخل العائلة التونسية في دوامة من المصاريف المتواترة لا تكاد تنتهي إحداها إلا و تحل الأخرى بعدها مباشرة.

وإضافة إلى الأسعار يمكن إرجاع ضعف الإقبال على المقاهي إلى ارتفاع عدد التجاوزات في المقاهي خلال شهر رمضان وهي ظاهرة ترسخت خلال السنوات الأخيرة ويبرز ذلك في الفرق الكبير بين الأسعار في الأيام العادية وفي شهر الصيام وقد تفاقمت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ خلال السنة الحالية. ويعود ذلك أساسا وبالدرجة الأولى إلى انتشار المقاهي والتي تجاوز عددها في كافة تراب الجمهورية 24 ألفا وذلك بعد أن أصبح فتح مقهى يخضع لكراس شروط وليس لرخصة تسندها وزارة الداخلية كما كان سابقا وهذا الارتفاع الرهيب في عدد المقاهي بمختلف أصنافها ساهم في ازدياد حجم التجاوزات والمخالفات وهو ما جعل إمكانية مراقبتها وإخضاع جميعها للقانون أمرا شبه مستحيل كما أن التصدي لهذه التجاوزات الاقتصادية المرتكبة في المقاهي يزداد صعوبة مما زاد من عزوف المواطنين هذا العام خاصة عن المقاهي الراقية ذات الأسعار المشطة.

بين الرغبة والحاجة

ولتجاوز التأثيرات السلبية للوضع الاجتماعي والاقتصادي على المقدرة الشرائية خلال شهر رمضان أوضح رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك أنه من الضروري إتباع بعض النصائح للحفاظ على ميزانية الأسرة وتوفير 30% من المصاريف المعتادة. و أول هذه النصائح عدم الذهاب للتسوق وأنت جائع كي تتمكن من التمييز بين الرغبة والحاجة لان المستهلك التونسي عموما غالبا ما تحركه الرغبة لا الحاجة خلال عملية التسوق. أما النصيحة الثانية فتتمثل في عدم الذهاب للتسوّق بدون قائمة مشتريات والحرص على الالتزام بها قدر الإمكان. أما القاعدة الثالثة فهي ألا تكون عملية الشراء التي تتبعها منجرة وراء الحملات والتخفيضات حتى إن توفرت لان هذه الحملات لا تجبرك فقط على الشراء بل على الاستهلاك.

لكن وفي مقابل ذلك يرى مدير المعهد الوطني للاستهلاك طارق بن جازية أن نسق الاستهلاك خلال الأيام الأولى من شهر رمضان يعتبر عاديا وطبيعيا مقارنة بالسنوات الأخيرة بحسب المعطيات المتوفرة لدى المعهد بالرغم من أن تأثير تراجع المقدرة الشرائية و ارتفاع الأسعار موجود نوعا ما لكن ليس بالقوة التي يتصوّرها العديدون. فالاستهلاك في هذا الشهر لا تقوده الأبعاد الاقتصادية في علاقة بالقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار بقدر ما تقوده الأبعاد النفسية والسلوكيات المرتبطة بشهر رمضان.

أبعاد نفسية

وأوضح محدّثنا في ذات السياق أن النفقات مرتبطة كثيرا بالبعد النفسي لان المواطن يقوم بالشراءات في حالة جوع وبطن خاوية كما أن «المصروف» في رمضان يصبح أولوية بالنسبة إلى التونسي الذي يقوم بتأجيل نفقات أخرى في سبيل أن تكون «المائدة ممتلئة» وفق تعبيره. وعلاوة على ذلك يرى العديد من التونسيين أن الاستهلاك هو وسيلة للتموقع الاجتماعي لذلك يقبلون عليه بكثرة في رمضان كما برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة «الاستهلاك العصابي» أي أن عملية الاستهلاك والتسوّق أصبحت تمثل متنفسا للتونسيين أمام الضغوطات النفسية والاجتماعية العديدة التي يعيشونها لذلك فإن مجهودات العائلات التونسية في تقليص حجم نفقات عيد الفطر غالبا ما يكون مآلها الفشل بسبب ارتفاع الأسعار والإصرار على المحافظة على كل العادات المتعلقة بهذه المناسبة. ومن جهة أخرى شدد طارق بن جازية على أن تراجع المقدرة الشرائية لا يعتبر في تقديره سببا لتراجع الاستهلاك في رمضان لأنه تم تعويضه بنسبة تداين مفرط للعائلات زادت بحوالي 110% وكذلك بتراجع الادخار إلى النصف. كما أن ارتفاع معدل الاستهلاك للمواد الغذائية خلال هذا الشهر بنسب تراوحت بين 30 % إلى 150% جعل من شهر رمضان موسما من المواسم الكبرى للاستهلاك بامتياز خاصة وأن أرباح كافة تجار التجزئة تتضاعف خلال هذه الفترة من السنة إذ تفتح شهية المواطنين على الشراء بطريقة مبالغ فيها وتنتشر فيه مظاهر التبذير والإسراف بينما يفترض أن يكون شهراً للزهد والاقتصاد المعيشي.

تتزايد من سنة إلى أخرى مظاهر تراجع المقدرة الشرائية للمواطن التونسي حتى أن الاستهلاك الذي يعتبر محركا رئيسيا من محركات الاقتصاد الثلاثة أصبح مهددا بشدة وتعجز الأسر التونسية عن تأمينه إلا عن طريق التداين من البنوك. وإذا ما أضفنا إلى ذلك إلى الإجراءات الحكومية السابقة المتعلقة بالتضييق والحد من قروض الاستهلاك يمكن التنبؤ بأن الأسر التونسية ستشكو من صعوبات لتأمين مستلزماتها سواء في حياتها اليومية أو في المناسبات المختلفة وهو ما ظهر جليا خلال الأيام الأولى من شهر رمضان وتراجع الإقبال على الأسواق والمجلات التجارية خاصة في فترة الليل. و يفسر تراجع اللهفة الاستهلاكية لدى المستهلك التونسي هذا العام بعوامل أخرى خارجة عن منطق السوق وقانون العرض والطلب قد تعود إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن لاسيما وان شهر رمضان المبارك قد حل هذا العام مباشرة في أعقاب السنة الدراسية والجامعية المكلفة وكثيرة النفقات . ولاشك أن مناسبات الإنفاق المتلاحقة والمتسارعة قد أثرت أيضا مع مرور الوقت على سلوك المواطن التونسي وان اللهفة قد تراجعت بحيث انه يتحفظ في الإنفاق حتى في شهر رمضان المبارك الذي يتهافت خلاله عادة الكل على أقل الأشياء سواء في الأسواق الرسمية أو الموازية على أرصفة الشوارع.