الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



تفاقم هجرة الكفاءات التونسية

قسوة من الوطن الأم .....أم عقوق من الأبناء ؟



اعداد :سميحة الهلالي

أصبح تصاعد وتيرة هجرة الكفاءات يمثل إشكالا حقيقيا خاصة وان الارقام المقدمة لهجرة الكفاءات في بعض القطاعات المهمة في البلاد على غرار الطب والهندسة والتعليم مفزعة. اذ تبرز المؤشرات والأرقام الرسمية أن بلادنا شهدت هجرة حوالي 94 ألفا من الكفاءات العالية إلى الخارج.

فهجرة الأدمغة باتت تمثل كابوسا حقيقيا لا يمكن السكوت عنه بل أصبح من الضروري البحث في الأسباب الكامنة وراء تفاقم هذه الظاهرة ،خاصة وانه من البديهي أن ينعكس إفراغ البلاد من كفاءاتها، سلبا على كل المجالات ويؤدي إلى انحدار جودة الخدمات في كل الخدمات ذات الصلة ،باعتبار الشغورات التي ستحدث في كل القطاعات والتي يصعب تعويضها.

فهذه الكفاءات تم التفريط فيها بسهولة إما بالإقصاء أو بالتهميش، في حين لقيت الحظوة والتبجيل والترحيب في دول أخرى وهذه الظاهرة تنبئ بوجود خلل وفشل لم يعد خفي على حكومات متعاقبة فشلت في الاستفادة من نخبتها وساهمت في خلق مناخ متعفن يصعب العمل فيه بأريحية مما نفر الجميع وجعل هاجس الهجرة للدول الأوروبية أو الخليجية ليس حكرا على المعطلين عن العمل والفقراء ولكنه شمل الأدمغة من كل القطاعات والاختصاصات.

فتواصل نزيف الهجرة سيجعل تونس بلا كفاءات في جل الاختصاصات وبالتالي سينهار الاقتصاد والتعليم والصحة والمجتمع بصفة عامة . وهي لعمري ظاهرة في غاية الخطورة وعلى الدولة ان تعي ذلك وتعمل على إيجاد حلول عملية للحفاظ على ثروتها البشرية وإيقاف هذا النّزيف الذي سيؤدّي إلى تصحّر السّاحة العلميّة من نخبها ليحلّ محلّها أشباه العلماء

فما هي الأسباب الحقيقية وراء هجرة الكفاءات؟ وهل هناك حلول لتطويق الظاهرة؟

 

حسب تقرير التنمية البشرية في العالم العربي لسنة 2016 فان بلادنا تحتل المرتبة الثانية عربيّا في تصدير الكفاءات العلمية إلى الخارج. وقد تنامت هذه الظاهرة منذ سنة 2011 وازداد عدد الكفاءات من ذوي الاختصاصات المهمّة كالطبّ والصيدلة والهندسة الذين يفضّلون العمل بالخارج بعد أن تكوّنوا ببلادنا . ومنهم من يهاجر نهائيا رغم أّنّه يتوفّر على عمل في بلاده، يضاف إليهم الطلبة وعددهم حوالي 60 ألفا الذين لا يرغب عدد منهم في العودة إلى الوطن بعد إتمام الدراسة الجامعية في أوروبا ليستقطبهم سوق الشغل في البلدان المضيّفة.

الهروب من التهميش....

لقد ارتفع عدد الكفاءات العلميّة التونسية في الخارج في كلّ الاختصاصات التي تجد رواجا في الخارج على غرار الهندسة والطبّ والبحث العلمي والتعليم الجامعي والقضاء. وعرفت هجرة المهندسين وبخاصّة في مجال الإعلامية تزايدا في السنوات القليلة الماضية بسبب عروض أوروبية مغرية.حيث يذكر السيد أسامة الخريجي عميد المهندسين ان ارقام هجرة الكفاءات تعتبر صادمة وفي مايخص هجرة المهندسين فقد اكد انها تزايدت خلال الاربع سنوات الاخيرة بشكل ملفت للانتباه ذلك انه في سنة 2014 - 2015 غادر البلاد 2500 مهندس وكذلك سنة 2018-2017 غادر البلاد 3000 مهندس.

ويقدر عدد المهندسين الذين غادروا البلاد على حد تعبير محدثنا بأكثر من 10الاف مهندس . وهو ما يعكس حجم النزيف التي تعاني منه البلاد من حيث خسارة كفاءاتها .كما افاد محدثنا ان هجرة المهندسين تمس الاختصاصات الهندسية بمختلف انواعها وخاصة اختصاص (الاعلامية والاتصالات) وعروض العمل متأتية خاصة من فرنسا والمانيا واوروبا التي تحتاج في السنوات القليلة المقبلة الى حوالي 900 الف مهندس وهذا الطلب بالنسبة للسوق الاوروبية ينعكس على البلدان المصدرة للكفاءات بما في ذلك تونس .ويبين محدثنا انه ونظرا للتكوين الجيد للتونسي فانه يندمج بسهولة في هذه السوق بهدف تحقيق الحد الادنى من طموحاته التي حرم منها في بلاده

اقتصادنا لا يراهن على المعرفة والتجديد

ويبين محدثنا ان ارتفاع هذه الظاهرة في مجال الهندسة يعود للتأجير الزهيد للمهندسين اضافة الى ان اقتصاد بلادنا لا يراهن على المعرفة والتجديد كما انه اقتصاد ضعيف غير قادر على استيعاب الكم الهائل من المهندسين فحوالي 9000 مهندس يتخرجون من الجامعات سنويا في حين ان الاقتصاد يمر بوضع كارثي مما ينجر عنه اختلال ميزان العرض و الطلب وايضا تشغيل بعض المهندسين بأجور زهيدة في القطاع العام و الخاص ايضا.

ويعتبر محدثنا ان من الاسباب العميقة التي تدفع بالمهندسين للسفر هي ظروف العمل وايضا دوافع مادية فالهوة سحيقة بين الاجور المتوفرة وبين الاجور التي يتلقاها اثناء العمل في الخارج و التي تضاهي 10 مرات ما يتحصل عليه ببلادنا .

كما ان المهندس في البلدان الأوروبية له حظوة وتراهن عليه في النهضة بالاقتصاد في حين انه في بلادنا يعتبر مهمشا والدولة لاتعطيه الاهمية اللازمة وقطاع المهندسين هو الوحيد الذي استثني من الزيادات الخصوصية مما فاقم الهوة مع نظرائه من القطاعات الاخرى.

تهميش الكفاءات

لقد عرفت هجرة الأساتذة الجامعيين، تطوّرا كبيرا ايضا في السنوات الأخيرة حيث بلغت حسب الإحصائيات الرسمية 8 آلاف إطار من التعليم الجامعي من بينهم 1464 أستاذ جامعي منهم 136 أستاذا من صنف «أ».

ومن بين اسباب هجرة الكفاءات التونسية على حد تعبير عديد الاطراف ( اساتذة جامعيين، مهندسين...) الإغراءات المادية المعروضة من المؤسسات المنتدِبة في ظلّ تدنّي الرواتب ببلادنا . وتهاوي الدينار وتدهور المقدرة الشرائيةحيث يبين تقرير لعمادة المهندسين أنّ معدّل أجور المهندسين في المغرب يساوي 4 أضعاف متوسط أجور المهندسين ببلادنا وفي الأردن يساوي الضعف.

أجور مغرية وظروف عمل مريحة

وفي بلدان الاستقطاب مثل فرنسا وبلجيكا وكندا والمانيا و امريكيا و دول الخليج العربي يساوي الأجر ما يفوق 6 أضعاف الأجر في تونس.. وتؤكّد دراسة أجراها مركز تونس للبحوث الاستراتيجية أنّ 55بالمائة من عينّة الدراسة تعتبر ان السبب الرئيسي للهجرة هو السبب المادي ومن الاسباب ايضا المناخ العلمي المريح والمتطوّر الذي تتيحه بلدان الإقامة للباحثين وما يتوفّر فيه من وسائل البحث العلمي، هذا إضافة إلى البطالة التي تمسّ أصحاب الشهادات العليا من بينهم 4740 مهندس و1500 طبيب وفق إحصائيات سنة 2016 وكذلك البيئة العلمية والثقافية والاجتماعيّة التي لا تولي في تونس قيمة للمتميّزين من الخرّيجين ولا تثمّن تألّقهم في العمل وغياب مخابر بحث تستقطب الباحثين برواتب مغرية وتوفّر لهم مستوى عيش مناسب و إن وُجدت المخابر فهي تفتقر إلى الإمكانيات المادية والأكاديمية التي تضمن بيئة علمية ملائمة ومناخ عمل مريح يساهم في نجاح البحوث وتثمينها و الاستفادة منها .

ويرى عميد الاطباء السيد منير يوسف مقني ان ظاهرة هجرة الكفاءات تفشت بصفة كبيرة ومخيفة خلال الخمس سنوات الاخيرة ففي سنة 2013 هاجر 58 طبيبا وسنة 2014 هاجر 95 طبيبا وسنة 2015 هاجر 200 طبيب وسنة 2016 هاجر300 طبيب وسنة 2017 هاجر 450 طبيبا وسنة 2018 من المتوقع هجرة 630 طبيب أي ان هناك زيادة بنسبة 45 بالمائة في نسبة المهاجرين من سنة الى اخرى كما ان هناك مابين900و950 طبيب يتخرج سنويا .ويبرز محدثنا انه من المنتظر ان تسجل سنة 2019 هجرة 930 طبيب وسيرتفع نسق هجرة الاطباء الى 2700 سنة 2022.

هجرة مهيكلة ومنظمة

واعتبر محدثنا ن ظاهرة هجرة الأطباء أصبحت منظمة و مهيكلة وتتولى تأطيرها شركات أجنبية تنتدب الكفاءات التونسية. وابرز محدثنا انه عندما نتحدث عن هجرة بالآلاف للأطباء فان الوضع يعتبر خطيرا لأنه سيؤثر في اختلال توازن العمل بالمستشفيات و يمس من الجودة في المستشفيات العمومية والقطاع الخاص .ويمكن القول انه بعد 10 سنوات سيهاجر المترفين الى الخارج وستضطر الدولة الى استقطاب اطباء من الهند والصين ....وغيرها من الدول الاخرى.

ويضيف محدثنا ان اسباب هجرة الكفاءات تعود بالأساس الى مناخ العمل (ظاهرة العنف وقلة الادوية والمعدات وحالة التسيب...في مقابل التشهير بالأطباء ) فالطبيب بعد الثورة لم يعد مؤمنا في عمله اليومي . اضافة الى اهتراء المقدرة الشرائية.

وأكد محدثنا ان ظاهرة هجرة الاطباء شملت القطاع الخاص والعمومي لأسباب قاهرة فالقطاع يعاني فهناك بعض الاطباء يصنفون ضمن الحالات الاجتماعية كما ان الاجور التي يتحصل عليها الطبيب في بعض دول الخليج العربي تقدر بـ10و20 مرة الجراية التي يتحصل عليها في بلادنا .

واعتبر محدثنا ان ظاهرة هجرة الادمغة اصبحت ظاهرة عالمية فالأطباء بألمانيا يهاجرون الى كندا وامريكيا والبلدان الاسكندنافية والمانيا تستقطب الاطباء من تونس وغيرها من الدول الاخرى .

تجربة ايجابية .....

ان الوضع المتردي للبلاد على مختلف الاصعدة وتدهور المقدرة الشرائية من ابرز الاسباب التي ادت الى تفاقم هجرة الكفاءات ذلك ما عبرت عنه القاضية روضة العبيدي رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص معتبرة في الان ذاته ان هجرة القضاة لا تعتبر بمثابة الظاهرة لان عدد القضاة المهاجرين يعد بالعشرات وهاجروا في نطاق التعاون الفني وفي نطاق المهام نفسها.

وبالنسبة للقاضي على حد تعبير محدثتنا فان الهجرة تعتبر مصدر اثراء ذلك انه ليس له الحق في ان يقوم بأنشطة موازية واغلب القضاة لهم دخل واحد لذلك يهاجر بعض القضاة ومن جهة اخرى بينت العبيدي ان الدولة رفعت في عدد المنتدبين في المجال القضائي في المناظرات الداخلية التي كانت في حدود 50 فقط لسنوات لترتفع الى ما يفوق 250 خطة في السنوات الاخيرة .