الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



بسبب الارتفاع الصاروخي للأسعار

الاقتراض الأسري يتفاقم في غياب حلول للحدّ من تدهور القدرة الشرائية



إعداد: عواطف السويدي

يعيش المواطن التونسي نمطا استهلاكيا متصاعدا لا يتماشى ومستوى الأجور والمداخيل عموما وهوما جعل نسبة القروض على المستوى الوطني تنموشهريا وأدى أيضا إلى اختلال التوازن بين المنظومة الاستهلاكية والقدرة الشرائية للمستهلك التونسي، كما تغيرت وجهة استثمار التونسي، فبعد أن كان يستثمر في رأس المال المادي (منزل أوعقار)، أصبح يستثمر في رأس المال الرمزي على غرار التربية والتعليم الجيد ونمط الحياة العصري وهذا أمر مفهوم، فالطّبقة الوسطى هي منزلة ما بين المنزلتين، تقبل على الاستهلاك والعمل والتعليم بشكل متزايد .

وقد كشفت دراسة للمعهد الوطني للاستهلاك تم تحيينها مؤخرا، أن ٪36.5 من التونسيين لديهم فرد على الأقل في العائلة بصدد سداد قرض بنكي و٪10.3 لديهم اثنان في حالة سداد لقروض، فيما يلجأ ٪19.6 منهم بصفة مستمرة إلى قضاء حاجياتهم عبر الاقتراض وهم في حالة سداد دائمة للديون.

ويعتبر عدد من المراقبين الاقتصاديين ان ارتفاع قروض الاستهلاك نتيجة حتمية لتدهور القدرة الشرائية، وأنّ الأرقام التي تقدمها البنوك عن حجم تداين العائلات لا يعكس الواقع الحقيقي لديون التونسيين، ذلك أنّ الأسر تلجأ إلى الاقتراض من الشركات المالية أوالأصدقاء والأقارب وحتى من الصناديق الاجتماعية مع الاعتماد أيضَا على الشراء بالتقسيط من المحلات، وهذه الوسائل لا يتم رصدها رسميا وبالتالي قد تكون نسبة التداين الأسري اعلى من الأرقام التي أعلنها البنك المركزي .

فما هي أهم الأسباب التي تقف وراء ارتفاع التداين لدى الأسر التونسية وهل توجد حلول للتقليص من هذه الظاهرة التي تنتشر لدى الطبقة الوسطى على وجه الخصوص ؟

بحسب دراسة اهتمت بموضوع التداين الأسري أعدها سابقا المعهد الوطني للاستهلاك عن تطور القروض (إجمالي القروض المسندة من طرف البنوك للمستهلكين) المسلمة من طرف البنوك التونسية إلى الأسر التونسية، واستند فيها إلى معطيات البنك المركزي التونسي، فقد ارتفعت ديون التونسيين من 10.7 مليار دينار في شهر ديسمبر 2010 إلى 23.1 مليار دينار الى حدود شهر جوان 2018 أي بزيادة بـ117 في المائة. وتمثل هذه القروض حوالي ٪29 من إجمالي القروض المسندة من طرف البنوك للاقتصاد الوطني (مهنيين وخواص)، هذا وستقدم الدراسة الجديدة تحيينا لحجم التداين .

نمط الاستهلاك يفرض التداين

إن حوالي 20 بالمائة من الاسر تلجأ بصفة مستمرة الى القروض لقضاء حاجياتها هذا ما أوضحه السيد طارق بن جازية مدير المعهد الوطني للاستهلاك. وتتوزع هذه القروض بين قروض الاستهلاك بقيمة 3 مليار دينار وقروض لاقتناء سيارة بـ312 مليون دينار وقروض المسكن وقيمتها 10.6 مليار دينار اما قروض تحسين المسكن فقيمتها 9.3 مليار دينار وبلغت القروض الجامعية ما بين شهر جانفي إلى حدود شهر جوان 2018 أي ما يعادل 3.7 مليون دينار واجمالا يقترض التونسيون حسب احصائيات 2018 ما قيمته 765 مليون دينار وهومعدل تراجع مقارنة بسنة 2017 وهذا يفسر حسب مدير المعهد الوطني للاستهلاك بالزيادة في نسبة الفائدة المديرية في السنة الحالية .

وهناك نوع اخر من القروض وهي القروض صعبة الاستخلاص اوفي حالة نزاع بقيمة 919 مليون دينار وهورقم تضاعف منذ 2013 عندما كان في حدود 485 مليون دينار وهذا بسبب صعوبات الاستخلاص لدى الاسر التونسية.

كما قام المعهد الوطني للاستهلاك أيضا ببحث ميداني سنة 2017 اهتم بالشريحة العمرية 35-18 حول استهلاك الشباب ورد فيها أن 30 بالمائة من العينة هم في حالة تسديد دين اوقرض و35 بالمائة ممن سنهم أكثر من 50 سنة هم في حالة تسديد دين اوقرض .

فنسق الاستهلاك حافظ على نفس الوتيرة ولم يتراجع وهواستهلاك وقع تمويله أولا من الاقتراض وثانيا من الزيادات في أجور الوظيفة العمومية ومن تراجع نسبة الادخار من 11 بالمائة سنة 2012 الى 6 بالمائة سنة 2017 .

كما يفسر الخبراء في الاقتصاد ارتفاع نسبة التداين بتعدد سياسات اتصالية واستراتيجيات بنكية تورط التونسي وتشجعه على الاقتراض وتدفع الأجراء إلى ذلك بعد أن تستوفي معهم كل شروط الضمانات البنكية، فهي تتجه أساسا إلى الأجراء ذوي الدخل القار بعد أن تكبلهم بضمانات التأمين على الحياة وإجراءات توطين الأجور ممّا يجعلها ضامنة لاسترجاع رأسمالها وفوائدها المرتفعة بدون أي مخاطر ، وهذا ما خلق نوعا جديدا من التداين وهوالاقتراض من أجل خلاص الديون والقروض البنكية السابقة وهوما يزيد من حجم نسب التضخم على مستوى الاقتصاد العائلي والوطني .

كما أن غلاء الأسعار في السنوات الاخيرة وتدهور المقدرة الشرائية كانا السبب الرئيسي وراء ارتفاع التداين لدى العائلة التونسية بحسب ما أبرزه أكرم الباروني نائب رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك مبينا أن التونسي يعيش اليوم تزايد حجم المصاريف في المحروقات والتعليم والصحة هذا فضلا عن تدني الخدمات في هذه المجالات وهذا ما خلق إشكالية في ميزانية العائلات وأصبحت ارقام الاقتراض مفزعة ويبقى المستفيد الكبير في هذا السياق المؤسسات البنكية التي لا تخضع لرقابة على طريقة احتساب القروض ونسب الفائدة وذلك بسبب الانخرام في كل المنظومات.

وأشار محدثنا إلى انه لا توجد اليوم حلول عملية للتقليص من نسب التداين والدليل أن هناك عديد القضايا المرفوعة في المحاكم بين المواطنين والبنوك بسبب إشكاليات في الديون .

التونسي ضحية سياسات مالية فاشلة

ويرى الخبير الاقتصادي معز الجودي ان العائلات التونسية تلتجئ الى القروض الاستهلاكية باستمرار رغم توصية البنك المركزي بتقليص القروض الاستهلاكية بالنسبة للمواطنين بسبب مشكل في السيولة وابرز الجودي في حديث لـ «الصحافة اليوم» ان الحكومة التجأت في الفترة الماضية إلى اقتراض سندات خزينة بقيمة 500 مليون دينار من قبل البنوك التونسية وهي عبارة عن اقتراض لتمويل عجز ميزانية الدولة ومن اجل خلاص سندات الخزينة السابقة .

وأشار الجودي إلى أن البنك المركزي لازال يعمل على تقليص التضخم عبر الحد من الطلب، وأفاد بأن السبب المباشر لتزايد الاقتراض الاسري هوتدهور المقدرة الشرائية وعدم قدرة الأجور على تغطية حاجيات الأسر التونسية، فضلا عن الاستمرار في إقرار الزيادة في الأجور في ظل غياب خلق الثروة بسبب غياب الإنتاج والإنتاجية والمديونية، وهذا ما سيعمّق نسبة التضخم المالي لان هناك عدم توازن بين الكتلة النقدية المتداولة وبين البضاعة المتوفرة والنجاعة في خلق الإنتاج، وبالتالي الزيادات في الأجور يجب ان ترتبط ضرورة بالنموالاقتصادي وتحسن الإنتاج والإنتاجية وبقدرة الدولة على تمويل هذه الزيادات .

واستغرب معز الجودي من إقرار تونس هذه الزيادات في ظل ارتفاع المديونية مع البنوك العالمية وتعهدها بتقليص كتلة الأجور ولكن العنصر الأهم حسب رأيه هوتحسين القدرة الشرائية بالضغط على الأسعار ومراقبة السوق والاحتكار ومسالك التوزيع والمضاربة وشدد الجودي على انه يجب الحد من تدهور الدينار التونسي الذي عمق التضخم المالي وبالتالي اعتبر أن كل ما تقوم به الحكومة قرارات عشوائية وإجراءات لا تنم عن نظرة إجمالية لتحسين الوضع الاقتصادي والمالي إذ اعتبر أن كل الحكومات تقوم بنفس الإجراءات وتعتمد نفس التمشي في التعاطي مع الازمة الاقتصادية منذ الثورة الى اليوم وهذا ما ينعكس مباشرة على نمط عيش التونسيين وقدرتهم الشرائية.

وإجمالا يعدّ من الضروري التفكير في إيجاد حلول للتخفيف من عبء مديونية التونسيين ينطلق بالضّرورة من انجاز دراسات دقيقة لتشخيص الوضع وقياس درجة المخاطر المترتبة عنه والحلول الممكنة للحد من هذه الظاهرة.