الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



بسبب السياقة أم لحالة الطرقات

أرقام صادمة عن حوادث الطرقات في رمضان



إعداد: صبرة الطرابلسي

57 حادث مرور شهدتها طرقاتنا في أول أسبوع من شهر رمضان المعظم لتحصد أرواح 16 شخصا توفوا إثرها ولتخلف 91 جريحا من بينهم 6 قتلى في اليوم الأول من رمضان.

أرقام صادمة تطرح من جديد معضلة ارتفاع وتيرة حوادث الطرقات في تونس التي تحتل المرتبة 14 عالميا على مستوى عدد حوادث المرور حيث لم يفلح الجانب الردعي من مخالفات وعقوبات ولا الحملات التحسيسية في التقليص من معدلات ضحايا هذه الحوادث وقد بينت آخر أرقام المرصد الوطني لسلامة المرور أن حوادث الطرقات تخلف يوميا 4 قتلى لينخفض هذا الرقم إلى 3 قتلى في اليوم خلال سنة 2018 ويرجع الخبراء هذا الانخفاض الطفيف إلى دخول قانون إجبارية وضع حزام الأمان داخل مناطق العمران حيز التنفيذ إلا أن ذلك لا يمنع أن عدد الحوادث ما يزال مرتفعا وكأنها ظاهرة مستعصية لم تتمكن لا المخالفات المالية أوالعقوبات الجزائية ولا الحملات التوعوية من تغيير سلوك عدد كبير من السواق الذين يستخفون بقانون الطرقات ويقومون يوميا بخرقه ليتسبب ذلك في وقوع مآس لآلاف العائلات التونسية التي تفقد فردا من أفرادها وأحيانا العائلة بأسرها تكون الضحية إلى جانب العدد الهام للجرحى الناجم عن حوادث المرور والخسائر البدنية والمادية التي يخلفها إذ تبين الأرقام أن حوادث المرور تكلف تونس سنويا خسائر مادية تقدر بـ800 مليون دينار.

فلماذا بقيت معدلات حوادث الطرقات في بلادنا مرتفعة ؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك ؟ وأي حلول متاحة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة ؟

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا الصورة المأساوية للدراجة الهوائية المدهوسة التي كان يمتطيها معلم بإحدى المدارس الابتدائية بمنطقة حاسي الفريد من ولاية القصرين حيث كان محملا بكراسات تلاميذه التي تناثرت على الطريق مختلطة بدمائه بعد أن دهسته سيارة تهريب وتسببت في قتله على عين المكان لتقصف أحلامه وهوفي ربيع العمر, وآلاف الصور المأساوية والصادمة الأخرى تعترض طريقنا أونسمع عنها لتصيبنا بالخوف من تهور بعض السواق الذين يستخفون بالأرواح البشرية فيقصفون أعمار شباب في عمر الورود أويتسببون في يتم أطفال في أمسّ الحاجة لوالديهم وما يمكن أن ينجر عن ذلك من مشاكل نفسية واجتماعية ومادية ,لحظة فارقة بين الحياة والموت تلك التي يرتكب فيها مستعملوالطريق هفوة في لحظة سرعة أواستعجال فتكون نتيجتها كارثية عليه وعلى الضحية التي لا ذنب له سوى أن القدر ساق له شخصا متهورا تسبب له في الموت أوفي أضرار بدنية قد تصل إلى الإعاقة الجسدية .

لا تكاد تخلوعائلة تونسية تقريبا من حكاية مأساوية لحادث مرور أليم أوقاتل نسج تفاصيله القضاء والقدر لكن وراء ذلك تتخفى أسباب موضوعية أدت إلى وقوع الكارثة وتتعلق في مجملها بعدم الانتباه أو الإفراط في السرعة وفي فقدان السيطرة على السيارة.

السيدة عائشة هي واحدة من آلاف الأمهات اللاتي فجعن بموت فلذات أكبادهن بعد أن قصفت سيارة مجنونة حياة ابنها الذي توفي عن سن يناهز 15 سنة إثر دهس سيارة له ولمرافقه عندما كانا عائدين من المعهد على متن دراجة هوائية ورغم مرور نحو عشرين سنة على هذه الحادثة الأليمة إلا أن السيدة عائشة التي حدثتنا ونبرة الحزن والحسرة واضحة على ملامحها أخبرتنا أن حزنها على ابنها البكر لم يفارقها طوال هذه السنوات رغم أنها أنجبت بنتا بعد وفاته لكن فجيعتها كبيرة في فقدانه فلم تفلح كل هذه السنوات في التقليص من ألمها على فراقها له. حكاية أخرى حدثتنا عنها السيدة نورة التي عاشت تجربة مريرة إثر تعرضها رفقة زوجها إلى حادث مرور خطير أودى بحياة زوجها وخلف لها أضرارا بدنية ونفسية جسيمة بعد أن أصيبت بكسور كبيرة استوجبت خضوعها لعدة عمليات جراحية وقد استعرضت محدثتنا تفاصيل هذه الحادثة بمرارة كبيرة حيث أخبرتنا أن الحادث وقع ذات ليلة صيفية عندما كانا في طريق العودة من سهرة بجهة الحمامات على مستوى الطريق السيارة حيث فقد سائق مخمور السيطرة على سيارته واصطدم بقوة مع سيارتهما لتفقد السيدة نورة إثرها الوعي ولم تستفق إلا بعد عدة أيام قضتها في غرفة الإنعاش وعندها كانت صدمتها كبيرة بعد أن أخبروها بموت زوجها الذي أصيب بنزيف حاد فلم يفلح الأطباء في إنقاذ حياته.

وأوضحت محدثتنا أن الآثار البدنية والنفسية لهذه الحادثة الأليمة ما تزال داخلها فكلما ركبت سيارة للتنقل خاصة في مسافة بعيدة تصاب بالهلع وتعود بها الذاكرة لتفاصيل الحادثة التي مر على وقوعها نحو3 سنوات والتي تسببت في ترملها وهي التي لم يمض على زواجها سوى بضعة أشهر.

السرعة أهم الأسباب

تزداد وتيرة حوادث المرور خلال شهر رمضان المعظم نظرا لتراجع مستوى التركيز وقد سجل الأسبوع الأول من شهر الصيام وقوع 57 حادث مرور خلّفت 16 قتيلا و91 جريحا علما أنه تم خلال اليوم الأول من رمضان تسجيل 6 قتلى إثر حادث وقع على مستوى الطريق السيارة تونس صفاقس.

هذا ما أوضحه النقيب أسامة مبروك المكلف بالإعلام بالمرصد الوطني لسلامة المرور مضيفا أن عدد حوادث المرور عادة يشهد ارتفاعا خلال النصف الثاني من رمضان بسبب الإجهاد والإعياء ونقص التركيز الناجم عن السهر لساعات متأخرة من الليل ثم الاستيقاظ باكرا للعمل ,وبين محدثنا أن معدلات حوادث الطرقات ما تزال مرتفعة مع تسجيل تراجع طفيف من 4 قتلى يوميا جراء هذه الحوادث في السنوات السابقة إلى 3 قتلى في اليوم سنة 2018.

وأبرز النقيب أسامة المبروك أن السرعة عند السياقة هي أهم الأسباب التي تقف وراء جل حوادث المرور التي تشهدها طرقاتنا وهي العامل الذي ينجر عنه ارتكاب عديد المخالفات الأخرى منها عدم احترام مسافة الأمان والمجاوزة الممنوعة وعدم احترام إشارات المرور مضيفا أن عدد القتلى الذين خلفتهم حوادث المرور من 1 جانفي 2018 إلى حدود 22 ماي 2018 قد بلغ 45 قتيلا و146 جريحا مبينا أن دخول قانون إجبارية وضع حزام الأمان بالنسبة للمقاعد الأمامية والخلفية حيز التنفيذ قد ساهم نسبيا في التقليص من مخلفات حوادث الطريق فقد بلغ عدد الحوادث المسجلة خلال شهر رمضان 2017 , 503 حادث مرور خلفت 110 قتيل و743 جريح وهورقم مرتفع بالنظر إلى عدد الحوادث المسجلة في أسبوع من شهر رمضان لكن تبقى في كل الحالات معدلات الحوادث مرتفعة في تونس رغم القوانين الردعية وارتفاع قيمة الخطايا المالية لعديد المخالفات.

وأوضح محدثنا في السياق ذاته أن تواصل وقوع حوادث الطرقات بنفس المعدلات تقريبا كل سنة مرتبط أساسا بعقلية التونسي التي للأسف لا تحترم في أغلب الأحيان قانون الطرقات فأن يقوم المواطن بخرق علامة الوقوف أويتجاوز السرعة القانونية فهي أمور عادية بالنسبة له لكنها للأسف تؤدي في عديد الأحيان إلى ما لا يحمد عقباه لذلك يحتاج التونسي دائما إلى التوعية والتحسيس بضرورة احترام قانون الطرقات وبأن أي هفوة أوتسرع يمكن أن تؤدي إلى وقوع كارثة مشيرا أن للمجتمع المدني دورا هاما على مستوى التوعية والتحسيس لكن هذا الدور بدأ يتراجع ويجب العمل على تجديد العمل التوعوي المشترك بين الجمعيات والمرصد.

وبين النقيب أسامة مبروك أن المرصد الوطني لسلامة المرور قام في اليوم الأول من شهر رمضان وبعد مرور نحو أسبوع بحملتين تحسيسيتين على مستوى كل من محطة الاستخلاص بمرناق ومحطة الاستخلاص الفجة الواقعة بالطريق الرئيسية الرابطة بين تونس وباجة وذلك بالتعاون مع الكشافة التونسية حيث تم توزيع عديد المحامل التي تتضمن نصائح لمستعملي الطريق على غرار علب مناديل ورقية أوحاملة مفاتيح مبينا أن المرصد الوطني لسلامة المرور سعى إلى تطوير الوسائل التوعوية والقطع مع الأساليب القديمة التي تعتمد على المطويات التي يقوم المواطن عادة بإتلافها ولا يكترث لها كثيرا,إلى جانب العمل المشترك مع مختلف وسائل الإعلام للتحسيس بضرورة احترام قانون الطرقات والتزام الحذر والابتعاد عن السرعة عند السياقة لتفادي وقوع الحوادث مشيرا أن التوعية والتحسيس تبقى ضرورية لبث ثقافة مرورية سليمة والقطع مع السلوك المتهور عند السياقة ذلك أن مختلف بلدان العالم تعتمد التوعية والتحسيس للحد من وتيرة حوادث المرور .

وأشار محدثنا على صعيد آخر أن التقارير الدولية من بينها تقرير منظمة الصحة العالمية أكدت أن الخسائر المادية والبشرية التي تسببها حوادث الطرقات تكلف الدولة بين 1,6 و2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للدول ذات الدخل المتوسط والضعيف .

وبين محدثنا في سياق متّصل أن المرصد الوطني لسلامة المرور يستعد حاليا لبرنامج العطلة الآمنة الذي ينطلق مع بداية شهر جويلية ويمتد إلى يوم 15 سبتمبر حيث يتم خلاله الترفيع في درجة اليقظة الأمنية بالطرقات خاصة على مستوى النقاط السوداء التي تشهد تكرار حوادث المرور الخطيرة ,والعمل على التوعية والتحسيس بضرورة الانتباه واحترام قانون الطرقات .

أسباب الحوادث

هناك أربعة أسباب رئيسية تقف وراء ارتفاع معدلات وقوع حوادث الطرقات في تونس وهي الإفراط في السرعة وعبور الطريق دون احترام علامات المرور وعدم وضع حزام الأمان والسياقة في حالة تعب الأمر الذي يؤثر على السلوك المروري للمترجل والسائق على حد سواء .

هذا ما أكده السيد شمس الدين النقاز المكلف بالإعلام بالجمعية التونسية للوقاية من حوادث الطرقات مبينا أنه خلال شهر رمضان يرتفع عدد حوادث الطرقات نظرا لحالة الإعياء التي يكون عليها المترجل أو سائق السيارة بسبب نقص النوم نتيجة السهر إلى جانب الإفراط في السرعة عند السياق خاصة مع اقتراب موعد الإفطار حيث تتزايد معدلات الحوادث في تلك الفترة ,وأضاف محدثنا أن الجمعية التونسية للوقاية من حوادث الطرقات تقوم بحملات تحسيسية عبر فروعها المنتشرة بكامل ولايات الجمهورية وتعمل من خلالها على توعية المواطن بضرورة احترام قانون الطرقات والانتباه عند السياقة أوعند عبور الطريق بالنسبة الى المترجل خلال شهر رمضان مبيّنا أنه تم اعتماد طريقة توعوية جديدة تتمثل في حملة تحسيسية إلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي يتم من خلالها استهداف مستعملي هذه المواقع الذين يمثلون مختلف الفئات الاجتماعية لتحسيسهم بأهمية الالتزام بقوانين الطريق لتفادي وقوع مزيد من الحوادث القاتلة إلى جانب بث فيديوهات تخص السلامة المرورية وتركيز صور في الفضاء الإلكتروني تتضمن نصائح لمستعملي الطريق,وبين محدّثنا في سياق متصل أن جل الحوادث التي يتم تسجيلها بالولايات الكبرى بالجمهورية وخاصة منها تونس العاصمة وأريانة ومنوبة وبن عروس وسوسة وصفاقس مشيرا الى أن الإشكال لا يكمن في القوانين ومدى تضمنها لإحكام ردعية بقدر ما يتعلق الإشكال بعدم تطبيق هذه القوانين وعدم احترامها من قبل مستعملي الطريق .

تغيير الأسلوب الاتصالي

هناك عدة أسباب عميقة تتعلق بتفاقم عدد حوادث المرور ومحافظتها على نفس المعدلات تقريبا طوال سنوات رغم الحملات التحسيسية والقوانين الردعية ذلك أنه يوجد إشكال على مستوى طرق الحصول على رخص السياقة حيث يتحصل عليها البعض دون جدارة وبطرق غير قانونية ليتولد عنها فيما بعد إشكالات أخرى نراها في سلوك مستعملي الطريق .

هذا ما بيّنه الأستاذ سامي نصر المختص في علم الاجتماع مضيفا أن هناك ظاهرة خطيرة متفشية في المجتمع التونسي تتمثل في الاستهتار والاستخفاف بقواعد المرور وهوما يجعل سلوك مستعملي الطريق يسوده كثير من الهمجية التي تؤدي في أحيان كثيرة إلى وقوع حوادث مرور خطيرة وقاتلة ,مبينا أن مظاهر الاستهتار في تونس أصبحت منتشرة في كل المجالات وهذا الأمر يكشف عن أزمة القيم التي يعيشها التونسي وهوما انعكس على سلوكه في الطريق كامتناعه عن منح الأولوية أوخرق الإشارات الضوئية.

وأشار الأستاذ سامي نصر إلى أن هناك دراسة سوسيولوجية تم إنجازها حول حوادث المرور في تونس بينت أن عددا كبيرا من المخالفين لقوانين المرور يرفض الوضع الذي يسوده القمع آنذاك وهوما انعكس على سلوكه في الطريق وكأن ارتكابه للمخالفات هو نوع من التعويض على خضوعه للآلة القمعية التي كان يمارسها النظام حينها على الشعب , وبين في السياق ذاته أن هناك عوامل أخرى تساهم في تفاقم حوادث الطرقات لا يتحمل مسؤوليتها المواطن من ذلك مثلا الحالة السيئة التي عليها كثير من الطرقات حتى أن البعض منها تمت تسميتها بطريق الموت نظرا لتكرر الحوادث فيها,مضيفا أن المواطن هوالمذنب والضحية في نفس الوقت وهويحتاج إلى مزيد التوعية والتحسيس بطرق أكثر نجاعة وإقناع ذلك أن الأساليب الاتصالية المعتمدة لم تعد تعطي أكلها والدليل على ذلك أنها لم تساهم في التقليص في وقوع الحوادث لذلك بات من الضروري تحسين المضامين والأساليب الاتصالية لتكون أكثر قدرة على الإقناع.

رغم وجود عقوبات ردعية لمخالفي قانون الطرقات ورغم الحملات التوعوية إلا أن منسوب حوادث الطرقات ما يزال مرتفعا الأمر الذي يستوجب مراجعة جدية للأساليب التوعوية والقوانين الموجودة حاليا من أجل التقليص من ضحايا الطريق.