الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



أزمة السّكن الجامعي:

هل من مراقبة للمستثمرين الخواصّ ؟



اعداد :سميحة الهلالي

يمثّل السكن الجامعي مشكلة حقيقية يعاني منها الأولياء والطلبة على حد سواء، إذ يصطدم الطالب مع كل عودة جامعية بمشاكل عديدة على غرار عدم توفر السكن الجامعي بالمبيتات العمومية، وتدني مستوى الخدمات المقدمة ، مما يجعله يكابد ارتفاع أسعار تسويغ المحلات الخاصة للسكن.

مشاكل بالجملة ومعاناة كبيرة على جميع المستويات تجعل عديد العائلات عن مجابهتها هذا فضلا عن السكن الخاص الذي لا يستجيب للمقاييس القانونية المطلوبة داخل مبان تصنّف على أساس أنها مبيتات جامعية خاصّة لكن العديد منها ينشط خارج الأطر القانونية ودون تراخيص، فضلا عن «تفنّن» أصحابها في تقسيمها إلى غرف ضيقة لتسويغها للطلبة بأسعار خيالية.

في مقابل ذلك يرى عدد من المتدخلين أنه أمام أعداد الناجحين والوافدين على الجامعات كل سنة ، ونظرا لتخلّي الدولة عن أحد أهم مهامها والمتمثلة أساسا في إيلاء هؤلاء ما يستحقونه من رعاية واهتمام بتوفير الحد الأدنى الضامن لاستكمال دراستهم في ظروف مريحة، فإنها لم تترك لهم من خيارات أخرى غير مجابهة جملة المصاعب والمشاكل بأنفسهم.

فما هي تفاصيل المصاعب التي يواجهها الطلبة ؟ وأي إجراءات اعتمدتها سلطة الإشراف لحل أزمة السكن ؟ والى أي مدى تتم مراقبة السكن الجامعي الخاص؟ وهل يخضع تسويغ السكن الخاص لضوابط معينة أم أن تسعيرته حرة تستند إلى قاعدة العرض والطلب ؟

رحلة البحث عن السكن الجامعي تشكّل معضلة كبيرة لعدد كبير من الطلبة والطالبات خاصة ممّن استوفوا حقّ الإيواء في المبيتات العمومية... هؤلاء يجدون أنفسهم مع مطلع كلّ سنة جامعية في مفترقات كثيرة، إمّا اللجوء إلى المبيتات الخاصة وتحمّل أعبائها ومشاكلها وإمّا البحث عن شقّة أو محلّ للكراء وتحمّل تبعات العيش المشترك وسلبياته أو الهروب إلى منفذ آخر ترى فيه عديد العائلات ممّن تعوزها المادة للكراء طريق نجاة لتأمين السكن لبناتهم خاصة والمتمثّل في السكن عند إحدى العائلات من الأصدقاء أو المقرّبين من الأهل دون التفكير في راحة الطالبة وما يمكن أن تواجهه من سوء معاملة قد يؤثر سلبا على تحصيلها العلمي.

عدد كبير من الطلبة مازال لم يلتحق بعد بركب الدراسة فقط لأنه لم يتمكن من الحصول على سكن والذي يمثل بالنسبة إليهم مؤشر «استقرار» رغم الهنات والمشاكل التي باتت السمة المميزة له كـ « الانتهازية» و«الجشع» الذي عرف به أصحاب المحلات السكنية والمبيتات الخاصة . حيث أصبحنا نتحدث عن أسعار خيالية للغرفة الواحدة تفوق الـ 180 دينار. يمكن الجزم إذن أنه في الوقت الذي يفترض أن يكرّس فيه الطالب كل جهده للكد والاجتهاد ،أصبح عرضة لعديد الصعوبات والعراقيل التي تهدد مستقبله الدراسي فهو يعاني الأمرين من حيث إيجاد السكن وسوء الخدمات المقدمة في عديد المبيتات الخاصة والعمومية بالإضافة إلى المعاناة اليومية مع وسائل النقل مما سيؤثر بالضرورة سلبا على نتائجه .

كما ان مصاريف السكن تثقل كاهل العائلة خاصة وان الوضع الاجتماعي لأغلب العائلات صعب باعتبار ما تمر به البلاد من أزمة اقتصادية أثرت بصفة مباشرة على المقدرة الشرائية للعائلات مما جعلها في أزمة حقيقية مع كل سنة دراسية خاصة بالنسبة إلى العائلات التي تضم عددا كبيرا من الأبناء المزاولين للتعليم بمختلف مستوياته الابتدائي والثانوي والجامعي. وأمام ارتفاع الطلب على السكن في العاصمة خاصّة فإن ذلك مثّل فرصة ذهبية لتحقيق الأرباح نظرا لجشع البعض وطمعهم وهو ما يفسر ارتفاع الأسعار.

مراقبة المبيتات الخاصة

اغلب مؤسسات الإيواء موجودة في تونس الكبرى باعتبار أنها تستقطب أكثر عدد من الطلبة ذلك ما أبرزه السيد شكري العكرمي مدير الخدمات الجامعية بديوان الخدمات الجامعية بالشمال مضيفا ان هناك قرابة 80 مبيتا خاصا لديها رخص استغلال تتماشى وكراس الشروط التي تنظم القطاع .كما ان هناك مبيتات لديها امتيازات مالية تتمثل في منحة تقدر بـ25 بالمائة من مجموع قيمة الاستثمار وامتيازات عقارية حيث يتمتع المستثمر بأرض تضعها الدولة على ذمته لبناء مبيت جامعي خاص ويمكن للمستثمر ان يجمع بينهما و كل مبيت يتمتع بهذه الامتيازات لديه تسعيرة خاصة من 45 دينارا الى 65 دينارا وهو ملزم بتطبيقها لمدة 10 سنوات.

وأفاد محدثنا ان هناك نوعية اخرى من المساكن الجامعية الخاصة التي يشيدها المستثمرون بإمكانياتهم الذاتية وتخضع تسعيرتها لقاعدة العرض والطلب وتكون حرة.كما ان ديوان الخدمات الجامعية للشمال لديه قاعدة بيانات تتضمن أسماء كل المبيتات الخاصة التي لديها رخص وهي موضوعة على ذمة الطلبة حتى لا يقعوا ضحية للتلاعب ممن لديهم محلات يدّعون أنها «مبيتات خاصة».

أما بالنسبة إلى الرقابة فإنها تتم بصفة دورية على مؤسسات الإيواء ثلاث مرات في السنة وبعض المؤسسات التي تكون بها بعض الاخلالات (تدني مستوى الخدمات ) يتم الترفيع في مستوى الرقابة إلى 5 مرات في السنة ويتم تنبيهها و إذا لم تستجب يتم سحب الترخيص وإعلام السلط الجهوية لغلقها.

اما في ما يخص مقاييس الإسعاف في السكن فان الأولوية تكون للطلبة الذين ينحدرون من عائلات مفقرة وكذلك ذوو الاحتياجات الخصوصية . أما في ما يخص فاقدي السند فان الدولة تتكفل بهم طيلة فترة الدراسة.

ولا تمنح الدولة السكن الجامعي إلا سنة واحدة للذكور وسنتين للإناث في ظل عدم وجود العدد الكافي من الأحياء الجامعية لمواكبة تطوّر عدد الطلبة الذي يتزايد من سنة إلى أخرى ويتم إسعاف البعض بالسكن الاستثنائي لسنة إضافية فقط بالنسبة إلى الطلبة الذين شاركوا طوال إقامتهم بالأنشطة الثقافية والنوادي التي نظمتها المبيتات التي ينتمون إليها.

ورغم العدد الكبير من الطلبة الذين تم قبولهم في السكن الجامعي العمومي لهذه السنة الدراسية من قبل ديوان الخدمات الجامعية إلا أن عدد الطلبة الذين لم يتحصلوا على سكن جامعي مازال مرتفعا وأغلبهم ينتمون لعائلات محدودة الدخل . ومازال أملهم قائما من أجل ان يتم إيوائهم في السكن الجامعي العمومي . لان بعضهم مازال لم يلتحق بعد بمقاعد الدراسة لأنه ليست له الإمكانيات المادية للكراء.

فشل الحكومات ...

دعا السيد أكرم الباروني ممثل عن منظمة الدفاع عن المستهلكا لطلبة إلى ضرورة الانتباه عند كراء محلات للسكن وعدم ترك الفرصة للانتهازيين لاستغلالهم.ويضيف محدثنا ان أزمة السكن تتزامن عادة مع بداية كل سنة جامعية ومن الطبيعي أن تكون أسعار الكراء خاضعة لقاعدة العرض والطلب. والمستفيد الوحيد منها هم أصحاب المبيتات الخاصة ومنازل الكراء حيث يستغل مالكو العقارات هذه الأزمة ويجدونها فرصة للاستثمار والربح، مما حدا ببعضهم إلى تحويل منازلهم إلى مبيتات خاصة عشوائية و قاموا بتأثيثها وعرضها للكراء بالسرير دون منح أو ايلاء أي اعتبار لراحة الطالب مقابل خدمات دون المستوى. وعادة ما تفتقر هذه المبيتات للأمن والظروف المناسبة للدراسة والتركيز وهو تحد آخر يوضع أمام الطلبة والطالبات من أجل إتمام دراستهم والنجاح فيها.

ويعتبر محدثنا انه لا وجود على مستوى التشريع لإجراءات خاصة بالطلبة مثلما ما هو معمول به في الدول المتقدمة التي ترصد منحا خاصة بالسكن بالنسبة إلى الطلبة مما يجعل هؤلاء يمثلون الحلقة الأضعف ويتعرضون إلى اشكال عدة من المعاناة في رحلة البحث عن سكن ..... واكد ان ارتفاع اسعار الكراء يعود خاصة الى ضعف الرقابة التي جعلت جزءا كبيرا من المنشآت الخاصة يرتكب عديد التجاوزات على غرار بعض المبيتات الخاصة.

وبين في الان ذاته ان الطالب بصفة خاصة و المواطن بصفة عامة فقد ثقته في كل اجهزة الدولة واصبح يبحث عن حلول بديلة للهروب من الواقع المرير والصعب على غرار الهجرة نحو الدول الاوروبية.

واعتبر محدثنا ان ارتفاع اسعار السكن يبرز فشل المنظومة السكنية لأنه مقارنة بالدول المتقدمة فانه عادة ما تتدخل الدولة عند ارتفاع الاسعار مثلما هو الشأن بالنسبة إلى فرنسا التي وفرت احياء كاملة من المساكن الاجتماعية التي تكون في متناول ميزانية العائلة وباسعار معتدلة .و اعتبر محدثنا ان كل الحكومات فشلت ولم تستطع ان تحقق جملة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لأفراد الشعب .

تظل معاناة الطلبة مع السكن متواصلة ما لم يتم الترفيع في عدد المساكن الجامعية العمومية واتخاذ إجراءات ثورية وتقدّمية عاجلة كتمتيع الطالب بمنحة سكن مثلما هو معمول به في الدول المتقدمة وسن قوانين زجرية ورادعة واتخاذ عقوبات صارمة ضد كل مستثمر عقاري يعمد إلى استغلال الطلبة.