الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



ما حقيقة الوفيات المتكررة بالأزمة القلبية؟

الموت المستراب بعد الثورة



إعداد: عواطف السويدي

انتشرت بعد الثورة ظاهرة الموت المستراب على إثر وفاة بعض الشخصيات العامة و السياسية.

ففي سنة 2013 وفي غضون 15 شهرا، أعلن عن وفاة ما لا يقل عن خمسة أشخاص بسكتة قلبية، ثلاثة منهم تم تشريح جثثهم في نفس المستشفى و هم عبد الفتاح عمر وطارق المكي والمحامي المعروف فوزي بن مراد الذي كان أحد أعضاء فريق الدفاع عن ملف استشهاد شكري بلعيد، وبمجرد الإعلان عن ذلك، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بسؤال واحد: «لماذا تتكرر الوفيات بالسكتة القلبية في صفوف «المزعجين» أو الذين يكشفون خبايا الأمور والملفات المسكوت عنها علنا؟

وفي يوم 2 جانفي2012، فوجئ التونسيون بخبر وفاة رئيس لجنة التحقيق في قضايا الفساد والرشوة عبد الفتاح عمر، لكن ما أثار حزنا أكثر لدى التونسيين هو تزامن نهاية 2012 بإعلان وفاة مؤسس حركة «الجمهورية الثانية» طارق المكي بسكتة قلبية، وكان المكي من أشد المعارضين لبـن علي ، ولتحالف الترويكا بعد الثورة.

و في نهاية 2012 أيضا أعلن عن وفاة المنسق الجهوي للنداء في تطاوين بسكتة قلبية وهو الذي توفي في مواجهات دامية وهجوم عنيف طال الاتحاد الجهوي للفلاحين آنذاك، ثم قرر القضاء النظر في قضيته التي اعتبرت جريمة قتل.

فما هو تعريف الموت المستراب و ما هي طرق التعامل معه من الأجهزة الأمنية و الأجهزة الطبية و هل أن إغلاق ملفات الموت المستراب ينهي الضجة المصاحبة له أم أنه يجعلها تشتدّ بفقدان الثقة بنتائج عمل الأجهزة المختصة؟

يعرّف أستاذ القانون «المنصف زغاب» الموت المستراب من الناحية القانونية بأنه الموت الذي يكون في منزلة بين المنزلتين أي ما بين الموت الطبيعي و ما بين القتل العمد و هي افضع جريمة ضد العنصر البشري لأنه اعتداء على الحق في الحياة.

و تعاين الهيئة الوطنية للوقاية من التّعذيب باستمرار ، العديد من شبهات الانتهاك في السّجون كالموت المستراب و الاغتصاب و الموت تحت التّعذيب ، و تشير التقارير السنوية الأخيرة (2016-2015) التي نشرتها المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، إلى أن العشرات من شكاوى سوء المعاملة أو التعذيب التي يرفعها مواطنون ضد عاملين في الأجهزة الأمنية لم تصل إلى طور المحاكمة، رغم أن الكثير منها يتعلق بحالات موت مستراب في السجون أو في مراكز الإيقاف.

اتهامات بالجملة

فقد أعاد تواتر قضايا الموت المستراب في صفوف الشخصيات العامة والسياسية إلى الأذهان أحداثا أخرى بدأ شق من التونسيين يطرح الأسئلة بشأنها، من ضمنها وفاة بعض الشخصيات المعروفة على غرار كاتب عام جمعية «توانسة ضد الفساد» كريم بن علي وذلك بسكتة قلبية أيضا في ماي المنقضي»، وكذلك «انتحار» مسؤولين أمنيين بعد الثورة على غرار «لسمر الطرابلسي».

و كانت هناك شكوك كثيرة حول مصداقيّة تقارير الطبّ الشرعيّ وخاصّة حول رئيس قسم الطب الشرعي بشارل نيكول الذي لم ينكر في تصريحات سابقة أنّ قسم الطبّ الشرعيّ بشارل نيكول كان يتعرّض أثناء فترة حكم بن علي إلى ضغوطات بالتلميح أو التصريح لتزوير التقارير، مهاجما رئيسة المنظّمة التونسيّة لمناهضة التعذيب راضية النصراوي والنائبة سامية عبّو على خلفيّة تصريحات لهما سنة 2015 حول شبهة تواطؤ أطبّاء الطبّ الشرعيّ مع مصالح وزارة الداخليّة في قضايا قتل تحت التعذيب بهدف تبرئة رجال الشرطة.

و قد تقدمت إدارة مستشفى شارل نيكول بشكاية ضد المحاميتين راضية النصراوي وسامية عبو على خلفية تصريحات إعلامية بقناة الحوار التونسي مطالبة بتتبعهما عدليا من أجل الثلب ، حيث اعتبرت إدارة المستشفى هذه الاتهامات مسّا من كرامة إطاراتها و من المؤسسة الصحية عامة.

قضايا يلفّها الغموض

و في هذا السياق أفادنا الناشط النقابي و رئيس المنظمة التونسية للأمن و المواطن «عصام الدردوري» بان هناك شخصيات عامة توفيت و كانت محل تهديد و كيفية البحث عن حقيقة في كل هذا تبقى صعبة لان التساؤل عن وجود جرائم منظمة مثلما يحدث في الدول المتقدمة أم هي اغتيالات متطورة يبقى تساؤلا مشروعا إلى حد ما.

و في هذا السياق تساءل محدثنا عن دور الطب الشرعي في هذا الموضوع حيث ذكر أن بعض الشخصيات كانت تحوم حولها شبهة موت مستراب مثل لسمر الطرابلسي و غيرهم من الشخصيات ليبقى كل شيء قابلا للتأويل.

أما النقابي الأمني الحبيب الراشدي فابرز أن هناك عديد الأحداث المتواترة بسرعة كبيرة بعد الثورة، خلقت الشك و الريبة حيث بقيت عديد الملفات الغامضة في علاقة بالموت المستراب مثل ملف القناصة الذين أعلن وزير الداخلية السابق عن وجودهم في حين نفت الدولة ذلك.

و اعتبر الراشدي أن قضايا الموت المستراب ستبقى مرتبطة بالأنظمة السياسية التي تسعى دائما إلى إخفاء الأدلة.

و أوضح المحامي و قاضي التحقيق السابق «المنصف زغاب» في حديث لـ «الصحافة اليوم» أن كيفية نزع عنصر الريبة و الشك في قضية موت مستراب تتم عبر مراحل حيث بمجرد إعلان وفاة شخص لا توجد قرائن على انه توفي وفاة طبيعية فانه يتم إعلام السلط الأمنية التي تعلم مباشرة وكيل الجمهورية و هو بدوره يفتح تحقيقا في الموضوع و يعاهد احد قضاة التحقيق المختصين ترابيا للمعاينة التي تتم على عين المكان في مسرح الجريمة ، ثم يمنح إذنا بتشريح الجثة في إحدى مخابر الطب الشرعي و هو الذي يحكم فعليا في هذه الملفات و ليس القضاء.

و اعتبر الأستاذ «زغاب» أن التشكيك في مصداقية تقارير الطب الشرعي خاصة لدى الشخصيات العامة مثل لطفي نقض وضعت الطب الشرعي في خانة الريبة لأننا شاهدنا اعتداءات حادة من المحتجين ضد الضحية و التقرير تحدث عن وفاة ناتجة عن أزمة قلبية ، و من هنا برزت الحاجة إلى إعادة النظر في مناهج عمل ومخابر الطب الشرعي و استحداث آليات جديدة لاسترجاع الثقة العامة في تلك التقارير وتعالت الأصوات للمطالبة بتكوين لجان مشتركة تقوم بالتشريح عوض الاقتصار على طبيب واحد خاصة في حوادث الوفيات للشخصيات العامة.

عمل أمني دقيق

و ذكر رئيس الإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية «عبد القادر فرحات» أن الإدارة تعمل حول القضايا المعقدة و التي تكون ضد مجهول و من بينها جرائم الموت المستراب و بالنسبة للعمل الأمني ينطلق بالمعاينة لمسرح الجريمة عند وقوعها و التنسيق مع الشرطة الفنية و تجميع كل الدلائل و العينات في الجريمة مثل البصمات والسمات الجينية مثلما حصل في قضية إحدى المجرمات التي تدعى «حربية» والتي قتلت زوجها و وزعت أعضاء جسده بعد قصها على عدة مناطق من الجمهورية.

وفيما يتعلق بجرائم الموت المستراب أوضح محدثنا أن باحث البداية يرفع الجثة إلى الطب الشرعي للتشريح ليقدم تقريره بعد إجراء الفحوصات اللازمة وذلك بعد التركيز على مسرح الجريمة ، و أكد «فرحات» اعتماد الإدارة لتجهيزات متطورة جدا في عملها و تحديدا إدارة الشرطة الفنية و العلمية مشيرا إلى أن كل حالات الموت المستراب سواء انتحارا أو تسمما أو أزمة قلبية أو غيرها يتم فيها التشريح بطريقة أوتوماتيكية وفي قضايا الرأي العام و منها قضايا التعذيب يتم حضور قاضي التحقيق أثناء عملية التشريح وفي حال تم إثبات العنف يتم تعقب المجرمين سواء كانوا أعوان امن أو مواطنين عاديين.

وبالنسبة لقضية الأمني «لسمر الطرابلسي» الذي قيل أنه انتحر أكد عبد القادر فرحات انه تم التثبت من وقوع الانتحار بالأدلة وبتقرير الطب الشرعي بعد معاينة مسرح الجريمة بحضور قاضي التحقيق وبالتالي كل ما يشاع ليس صحيحا بالضرورة .

وأوضح رئيس الإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية «عبد القادر فرحات» أن دور الأمن ينطلق في قضايا الموت المستراب بالتنقل إلى مكان الواقعة وإجراء معاينة وتحديد الجهة التي ستقوم بالأبحاث و هذا من اختصاص النيابة العمومية أو قاضي التحقيق .

وأضاف «عبد القادر فرحات» في حوار جمعنا به في مكتبه أن المعاينة تشمل تصوير الجثة في مكان الواقعة ثم تصويرها في بيت الأموات ثم يتم تسخير الطب الشرعي للقيام بأعمال التشريح و الذي يقيم أن كانت الجثة تحمل آثار عنف من عدمه و هل أن العنف أدى إلى الوفاة أم لا و ذلك عبر اخذ عينات من الجثة سواء من الدم أو الأعضاء و يتم توجيهها إلى مخابر مختصة لإجراء التحليل المتعلقة بالتسمم بمادة مخدرة أم لا ثم يقوم الطبيب الشرعي بإعداد التقرير النهائي و الذي يدوم ما بين شهر و 3 أشهر.

لغز وفاة لطفي نقض

وتعد قضية المنسق الجهوي لنداء تونس لطفي نقض من ابرز قضايا الموت المستراب الشائكة التي تعود أطوارها إلى تاريخ 18 أكتوبر 2012 أين تحولت مسيرة سلمية بتطاوين إلى فوضى وتراشق بالمولوتوف أسفرت عن مقتل لطفي نقض وفي الوقت الذي راجت أخبار حول أسباب وفاته تفيد بأنه تعرض إلى السحل والضرب حتى الموت ، فإن تقرير الطب الشرعي بقابس فند ذلك واختصر كل ما حدث بأن سكتة قلبية تعرض لها نقض أدت إلى وفاته ، تقرير أسال الكثير من الحبر الأمر الذي استوجب عرض الجثة على طبيب شرعي آخر في صفاقس فكانت المفاجأة في التقرير الثاني الذي جاء متناقضا مع الأول حيث اقرّ بأنه توجد رضوض بكامل البدن مع كسور حصلت قبل وفاته، بالإضافة إلى وجود علامات اختناق لينتهي فريق الطب الشرعي بصفاقس إلى أن الموت ناتج عن رضوض عنيفة بالصدر تسببت في اختناق أدى إلى الوفاة.

وذكر مساعد رئيس الإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية الذي رفض الكشف عن اسمه بان لطفي نقض توفي بسبب أزمة قلبية أثناء مداهمة مكتبه و أن عملية التشريح الأولى تمت من قسم الطب الشرعي في ولاية قابس بحضور الامنيين كضباط تسخير ووكيل الجمهورية ، وأما تقرير الطب الشرعي الثاني الذي تم في ولاية صفاقس فأقر بان هناك آثار عنف قد أدت إلى الوفاة ويبقى دور النيابة العمومية في إصدار الحكم النهائي.

وأبرز الدكتور منصف حمدون رئيس قسم الطب الشرعي بشارل نيكول في تصريح لـ «الصحافة اليوم» أن المرحوم لطفي نقض كان في السابق مريضا بالقلب لكن هذا لا ينفي انه كانت هناك كسور جراء العنف ولذلك لازالت أسباب الوفاة غير واضحة لان تقرير قابس كان متسرعا وأن تقرير صفاقس الأرجح بان يكون اقرب إلى الحقيقة ولكن هي حالة تحتاج إلى نقاش وكان من المفروض التريث وعدم التسرع بسبب الضغط .

وفي انتظار أن يقول القضاء كلمته في هذا الملف الذي مرّ على نشره أكثر من أربع سنوات وقريبا الذكرى الخامسة لوفاة لطفي نقض تبقى تساؤلات عديدة قيد الطرح وتبقى معها الحقيقة مخفية.

واجب الطب الشرعي

ويعد الطب الشرعي الفيصل الرئيسي في قضايا الموت المستراب وكشف حيثياتها.. فكيف يتعامل الأطباء مع هذا الضغط ؟

يعرف رئيس قسم الطب الشرعي بتونس الدكتور «منصف حمدون» الموت المستراب على انه موت غير طبيعي ناتج عن عنف متعمد أو غير متعمد أو جريمة قتل أو حادث شغل أو تسمم أو انتحار أو موت طبيعي مشبوه فيه مثل وفاة عبد الفتاح عمر المفاجئ.

وفي هذا السياق يقول د. حمدون «الطب الشرعي هو اختصاص طبي مثل باقي الاختصاصات الطبية الأخرى و يتميز بأنه اختصاص يهدف لإنارة سبيل العدالة في كل القضايا التي تهم جسم الإنسان سواء كان حيا أو ميتا».

والطبيب الشرعي يباشر بالمعاينة من خلال الفحص الطبي بالنسبة للأحياء أو تشريح الجثة بالنسبة للأموات كل حالات الموت المستراب أو الاعتداءات الجسدية كالعنف المادي وكذلك الاعتداءات الجنسية كالاغتصاب والاعتداء بالفاحشة على الأشخاص وكذلك معاينة نسب السقوط بعد الحوادث خاصّة ، فالقضاء يلتجئ إلى الطب الشرعي للتثبّت من حقيقة الاعتداء وهي قضايا صعبة ومتشعّبة والطب الشرعي هو المختصّ الوحيد في إعطاء التشخيص المناسب لطبيعة الاعتداء سواء كان المعتدى عليه من الأحياء أو الأموات.

وبين المنصف حمدون أن قسم الطب الشرعي بشارل نيكول لديه تقنياته ومؤشرات وعلامات معينة دقيقة يأخذها من الجثة للمساعدة في كشف أسرار عملية القتل.

ومع أهمية هيكل الطب الشرعي باعتباره حلقة من حلقات العدالة وكشف الجرائم، لا يزال هذا الاختصاص فقيرا من حيث العدد حيث لا يتجاوز عدد الأطباء الشرعيين على صعيد وطني 40 طبيبا و ذلك نظرا إلى أن هذا الاختصاص غير محبذ من الأطباء ، ولكن حمدون شدد على كفاءة و مهنية الأطباء الممارسين لهذا الاختصاص.

وفي ردّه على كل حملات التشكيك في مصداقية و نزاهة عمل الطب الشرعي أكد المنصف حمدون أن الطب الشرعي محلف أمام عمادة الأطباء و أمام محكمة الاستئناف و لا مجال لتزوير التقارير وفي حال وجود شكوك يتم إعادة التشريح و لكن عادة ما تكون نفس النتيجة الأولى وعادة نتيجة التقرير يوافق عليها فريق الطب الشرعي بتونس المتكون من 6 أطباء أساتذة وبالتالي يكون القرار مشتركا في جميع الحالات.