الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الفيضانات ومخزون المياه

هل أنهت الأمطار الأخيرة أزمة المياه ؟



إعداد: صبرة الطرابلسي

حالة الفقر المائي التي تعيشها تونس منذ سنوات لم تعد تخفى على أحد بعد تكرر إنقطاعات الماء الصالح للشراب بعديد الجهات في السنوات الأخيرة وبصفة خاصة خلال الفترة الصيفية وهذا ما تؤكده الأرقام التي تقدر معدل نصيب التونسي من الماء سنويا بـ450 متر مكعب في حين أن خط ندرة المياه عالميا محدد بـ500 متر مكعب و هذا يعني أن تونس تعيش تحت خط الفقر المائي.

ولعل تتالي سنوات الجفاف التي عاشتها بلادنا لفترة طويلة إلى جانب عوامل أخرى عمّق هذه المعضلة فقد سجلت المخزونات المائية نقصا ملحوظا بتراجع إيرادات السدود بنسبة 35 بالمائة من المعدلات السنوية في الفترة الفاصلة بين سنتي 2015 و2017.

وبتسجيل عديد مناطق البلاد في الفترة الأخيرة نزول كميات هامة من الأمطار إن لم نقل أمطارا قياسية واستثنائية خاصة بجهة الوطن القبلي ارتفع معدل إيرادات عدد من السدود وهوما يوحي بتحسن نسبي لمخزون المياه.

فما مدى مساهمة هذه الكميات الهامة من الأمطار في تحسين مستوى المخزونات المائية في تونس ؟ وهل يمكن أن يساهم ذلك في إخراج تونس من أزمة المياه التي تعيشها مما يمكن أن يحسن من مستوى تزود المناطق التي تشكو شحا في المياه الصالحة للشراب ؟

انقطاعات متكررة للمياه الصالحة للشرب في مناطق مختلفة من البلاد ونقص حاد في التزود بها في مناطق أخرى خاصة الريفية منها سرعان ما شمل مدنا كثيرة بتتالي انقطاع الماء بها خاصة خلال الفترة الصيفية ,هي أبرز ملامح الوضع الراهن التي يعيش على وقعه عدد هام من التونسيين اليوم وهوما دق ناقوس خطر دخول البلاد في مرحلة العطش وما لها من تأثيرات سلبية لا على الاحتياجات اليومية للمواطن من الماء فحسب بل على القطاع الفلاحي الذي يعتبر من أكثر القطاعات تضررا من النقص في المياه الأمر الذي أصبح يهدد ديمومته وأدى إلى تراجع مستوى إنتاج الزراعات السقوية وما لها من تداعيات على مستوى الأسعار ومردودية الفلاح وغيرها .

وبنزول أولى الأمطار التي تعتبر هامة والتي استبقت موسم الأمطار في أواخر فصل الصيف بدت بوادر انفراج نسبي لحالة شح المياه التي بدت مثيرة للقلق والتخوفات حيث أكد أهل الذكر أنه رغم أهمية هذه التساقطات خاصة بجهات الشمال والوسط خلال شهر أوت إلا أنها تظل غير كافية باعتبار تواضع انعكاساتها على مخزون السدود حيث تبين الأرقام أن مخزون المياه المتوفرة بالسدود إلى حدود الأسبوع الأول من شهر أوت 2018 لم يتجاوز 848 مليون متر مكعب أي أقل بـ 69 مليون متر مكعب من المعدل المسجل خلال السنوات الثلاث الأخيرة والتي تعد سنوات جفاف كما بلغ حجم عجز السدود التونسية منذ بداية موسم الأمطار لسنة 2017, بـ 627 مليون متر مكعب .

مياه ضائعة

رغم أهمية الأمطار الأخيرة من حيث الكميات والتي تسببت في كارثة الفيضانات بجهة الوطن القبلي إلا أن مردوديتها على المخزونات المائية تبقى محدودة ذلك أن السدود الثلاثة الموجودة بالوطن القبلي تعتبر سدودا صغيرة أي أن طاقة استيعابها تظل محدودة .

هذا ما أكده السيد علاء مرزوقي منسق المرصد التونسي للمياه مبينا أن مياه هذه السدود موجهة أساسا إلى النشاط الفلاحي وبالتالي سوف تساهم في تعزيز احتياطي مخزونات المياه الموجهة للري التي عرفت نقصا حادا بتتالي 3 سنوات من الجفاف مضيفا أن النصيب الأكبر لمياه السدود الموجهة للري توجد بالشمال الغربي وقد سجلت بدورها ارتفاعا في إيراداتها المائية إثر الأمطار الغزيرة الأخيرة ليبلغ حجم المياه بها 22 مليون متر مكعب وهوما يمثل نصف إيرادات السدود الموجودة بمختلف مناطق الجمهورية ,مشيرا إلى أن الأمطار القياسية التي سجلها الوطن القبلي قد تجاوزت طاقة استيعاب سدودها وهوما جعل تنفيس هذه السدود حلا اضطراريا كي لا تكون الكارثة أكبر على هذه المناطق ,

وبيّن محدثنا في سياق متّصل أن نزول الأمطار بكميات كبيرة لن يعزز وحده مخزونات المياه ما لم يكن مصحوبا بإجراءات من شأنها أن تساهم في تثمينها والتصدي للتجاوزات التي تساهم في ضياع المياه من ذلك البناء الفوضوي المتاخم لمجاري الأودية ونقص الرقابة على هذا المستوى إلى جانب الخروقات التي تقوم بها بعض هياكل الدولة من ذلك البلديات التي تمنح رخص بناء لبعض المواطنين في أماكن تهدد سلامة المباني ,مضيفا أن أزمة العطش التي تعرفها بلادنا سوف تستفحل أكثر فأكثر ما لم تقم السلطات المعنية بحسن التصرف في الموارد المائية ذلك أن نسبة ضياع المياه بمختلف شبكات الشركة الوطنية للاستغلال وتوزيع المياه تبلغ 30 بالمائة كمعدل وطني وتصل إلى 50 بالمائة في بعض المناطق وذلك نتيجة عدم صيانة هذه الشبكات وتقادمها وعدم تجديدها .

وبين علاء مرزوق أن نحو80 بالمائة من الموارد المائية للسدود موجهة للقطاع الفلاحي وأن نسبة ضياع مياه الأمطار تبلغ نحو50 بالمائة إلى جانب إشكال الحفر العشوائي للآبار ونقص الرقابة على هذا المستوى وسرقة مياه السدود وغيرها من الإشكالات المساهمة في ضياع الموارد المائية وهوما أدى إلى دخول بلادنا في أزمة مياه وستكون تداعياتها أكثر سوءا في المستقبل ما لم يقع التعامل بجدية مع هذا الملف الحساس ,

وأكد محدثنا أن المرصد التونسي للمياه قد أصدر بيانا قدم من خلاله جملة من المقترحات العلمية والعملية لترشيد استعمال وتوظيف الموارد المائية إلى جانب إعداد دراسة لثمين مياه منطقة الحوض المنجمي ساهمت أطراف متخصصة في إعدادها من ذلك «الصوناد» لكن ظلت هذه المقترحات حبيسة مكاتب المسؤولين وفي غياب نية لتوفير موارد مالية لتجسيم هذه المقترحات التي يرون أنها ليست ضمن قائمة الأولويات الراهنة مشيرا أن تواب الشعب يجب أن يكونوا أكثر تمكنا من ملف الماء كي يمثلوا قوة ضغط على أصحاب القرار للتعامل بأكثر حزم مع هذا الملف.

مشاريع سدود جديدة

وضعت وزارة الفلاحة والموارد المائية خطة خماسية للتحكم في مياه السيلان وتجميعها في أفق 2030 تقوم أساسا على بناء 4 سدود جديد بطاقة استيعاب هامة وهي سد ملاق العلوي بولاية الكاف وسد وادي الدوميس من ولاية بنزرت الذي سيوفر حجما منتظما من المياه يبلغ 12,6 مليون متر مكعب سنويا سيقع تحويلها إلى منظومة مياه الشمال عبر أنبوب سجنان جومين إلى جانب مشروع إنجاز سد السعيدة بولاية منوبة وسد القلعة بسوسة وإنشاء قنوات تحويل المياه بينهما .

هذا ما أوضحه السيد فائز مسلم المدير العام للسدود بالإدارة العامة للسدود والأشغال المائية الكبرى مبينا أن أمطار «أوسو» التي استبقت الموسم الهيدرولوجي الذي ينطلق في 1 سبتمبر تعتبر جيّدة لكنها غير كافية أما الأمطار الأخيرة فقد كانت مردوديتها على السدود متفاوتة فقد امتلأت بعض السدود من ذلك سد لبنى الذي وصلت كميات المياه فيه إلى 20 مليون متر مكعب وسد وادي ملاق وسد سيدي سعد إلى جانب امتلاء السدود الخمس لمنطقة الوطن القبلي وهي موجهة أساسا للري الفلاحي في حين نجد سدودا أخرى لم تمتلئ بعد وتعمل المصالح المختصة في وزارة الفلاحة على تحويل المياه إلى السدود التي تشكو نقصا في المياه مشيرا إلى أن منظومة ربط السدود وتحويل المياه مكلفة جدا.

وأبرز محدثنا أن مشاريع السدود التي ستنطلق أشغال جزء منها قريبا في انتظار استكمال أشغال الجزء الأخر ومنها سد السعيدة الذي سيكون جاهزا قريبا ستساهم في تذليل حدة العجز المائي خاصة في أوقات ذروة الطلب , إلى جانب إنجاز مشاريع لتحويل المياه بين السدود .

رغم أهمية الأمطار الأخيرة التي وصفت بالقياسية وتوزيع مردوديتها المتفاوت بين مختلف السدود إلا أنها لم تكن كافية لإخراج البلاد من أزمة المياه التي تحتاج برامج قادرة على معالجة أصل الداء أي الأسباب التي أدت لهذا الوضع وبإمكانها حسن استثمار الموارد المائية المتاحة وتحقيق توزيع عادل للمياه الصالحة للشرب بين مناطق البلاد.