الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



أزمة نقص الحليب في الأسواق:

هل يحـلّ التّـوريـد المُشـكـل أم يُعمّـقـه؟



إعداد: لطيفة بن عمارة

لا تزال أزمة نقص الحليب في السوق التونسية حاضرة بامتياز في الحياة اليومية للمواطن التونسي الذي بات عاجزا عن توفير مستلزماته من هذه المادة سواء في المساحات التجارية الكبرى أو محلات المواد الغذائية، هذا النقص يرافقه في كثير من الأحيان تجاوزات عديدة على غرار البيع المشروط والترفيع غير القانوني في الأسعار.

فقد ذاق عديد المواطنين طيلة الأيام الماضية الأمرّين للعثور على علبة حليب في الفضاءات التجارية ومحلات المواد الغذائية ولا يزال هذا الإشكال حاضرا بامتياز في معظم جهات البلاد، وفي ظل غياب شبه كلي للحليب وجد المواطن نفسه مضطرا لشراء المشتقات المختلفة حتى يلبّي حاجيات الأطفال الصغار سيما الرضع منهم باعتبار ذلك يعدّ أحد أهم الركائز الأساسية لغذائهم.

و يجد المواطن نفسه مكرها على ذلك بسبب البيع المشروط الذي يفرض شراء هذه المشتقات إلى جانب الحليب. وهذا ما كلف كثيرين نفقات إضافية باعتبار أن مشتقات الحليب في بلادنا من المنتجات باهظة الثمن وفي غير متناول الطبقات الفقيرة وحتى المتوسطة ( عكس بلدان أخرى) وأسعارها في ارتفاع متواصل. و فيما تؤكد مصادر رسمية من وزارة التجارة أن تونس حققت الاكتفاء الذاتي من مادة الحليب منذ سنة 1999 وأنه لم يتم إتلاف أي لتر من الحليب من طرف الفلاحين منذ سنتين، مع تصدير 15 مليون لتر فإنها بالمقابل تقر نفس الجهة الرسمية بوجود نقص في منظومة الحليب مما اضطر الدولة الى توريد كميات من هذه المادة تبلغ 10 مليون لتر على مراحل بهدف تعديل السوق والترفيع في نسق التزويد بما يناهز الـ250 ألف لتر يوميا ليقارب حجم الاستهلاك المليوني لتر يوميا في فترة العودة المدرسية..

هذا التضارب يؤكد أن منظومة الألبان في تونس تشكو أزمة حقيقية .فما هي الحلول المثلى لفك أزمة الحليب؟ و هل أن نقص الحليب في تونس يعود إلى أزمة في الإنتاج أم هي أزمة هيكلة وحوكمة للقطاع؟.

تراجع المخزون الوطني من الحليب إلى 21 مليون لتر اليوم مقابل 50 مليون لتر خلال هذه الفترة من السنة الماضية. ولتجاوز هذا النقص أقرت وزارة التجارة إيقاف تصدير الحليب بعد أن تم تصدير 15 مليون لتر إلى حدود شهر جويلية المنقضي، وتعتزم الوزارة توريد 3 مليون لتر عن طريق ديوان التجارة بالتوازي مع فسح المجال لثلاث مركزيات حليب عبرت عن استعدادها توريد هذه المادة، ومن المنتظر أن تبلغ كميات الحليب الموردة الـ 10 مليون لتر مع نهاية العام الجاري.و في هذا الإطار أكد كمال الرجايبي مدير عام المجمع المهني المشترك للحوم الحمراء و الألبان تزويد السوق بكميات تفوق حاجة المستهلكين اليومية من مادة الحليب. وأوضح أنه تم الترفيع في كمية الحليب في السوق بحوالي 250 ألف لتر، لتبلغ يوميا مليون و900 لتر، في حين تقدر حاجة المستهلكين بحوالي مليون و700 لتر.

وأضاف في نفس السياق أن النقص المسجل في الحليب يعود إلى لهفة المواطنين خاصة تزامنا مع العودة المدرسية، وإلى الاستعمال المهني لهذه المادة وكذلك الاحتكار، داعيا المستهلك إلى التخلي عن اللهفة، مؤكدا وجود كميات تفوق حاجة السوق.و شدد مدير عام المجمع المهني المشترك للحوم و الألبان على أن قطاع الألبان يتطلب وضع إستراتيجية واضحة تهدف إلى التصرف في المنتوج خلال فترات انخفاض الإنتاج أو وفرة الإنتاج لتجنب أي طارئ مشددة على الحرص على توفير مخزون تعديلي لضمان التوازن في السوق المحلية وفتح باب التصدير لتوفير موارد من العملة الصعبة. وحول تفكير الدولة في توريد كميات إضافية من الحليب أبرز الرجايبي أن هذا المقترح وارد معتبرا أن الكميات التي سيتم توريدها محدودة و لا تمثل سوى ٪1 من حجم الاستهلاك،وقال أنه حل ظرفي.

مكره أخاك لا بطل

الترفيع في سعر الحليب هو واحد من الإكراهات التي فرضها الوضع الكارثي الذي يعيشه المنتجون منذ فترة طويلة والذي سيؤثر سلبا على توفير هذه المادة الأساسية للمستهلكين وعلى ديمومة القطاع. هذا ما بيّنه منور الصغير مكلف بملف الألبان صلب اتحاد الفلاحين، معتبرا أن دعوة الفلاح إلى الترفيع في سعر الحليب في مستوى الإنتاج لأن ارتفاع كلفة مستلزمات الإنتاج من أعلاف ويد عاملة ومحروقات دفعته إلى العمل بالخسارة مما اضطر العديد من الفلاحين إلى التفويت في الأبقار حيث تراجع عددها في بعض الضيعات من 100 بقرة إلى 40 ومن 40 إلى 10 وتقارب كلفة لتر الحليب دينارا من المليمات بينما يبيعها الفلاح بـ890 مي وهو ما دفع بالكثيرين إلى التخلص من الأراخي بالذبح ومن الأبقار سواء بالذبح كذلك أو بتهريبها إلى الجزائر.

وذكر أن القطاع يضم 112 ألف مربّ مهددين في مصدر رزقهم ومصدر رزق عائلاتهم وفي حال عدم الزيادة في سعر الحليب سوف يتخلى المنتجون عن أبقارهم ويصبح سعر الحليب المورد بـ1800 مي للتر بينما يمكن شراؤه محليا بـ1350 بعد الزيادة.

وأشار إلى أن الدولة تدعم منظومة الألبان بما قدره 200 مليار باستثناء قطاع الإنتاج وهو الحلقة الأولى.ودعا إلى ضرورة الإسراع بضبط إستراتيجية وطنية للموارد العلفية لأنه يوجد نقص بأكثر من 30 بالمائة وأغلبها مورد بأسعار خيالية كما من الضروري إحداث صندوق للصحة الحيوانية نظرا لأن هناك إصابات بمرض السل والإجهاض المعدي.

استغلال الفرص

سيلاحظ كل من يتجول داخل المحلات التجارية الكبرى تكدس أنواع مختلفة وكثيرة من الياغورت «الفاخر» والعصائر الممزوجة بالحليب والأجبان المُعلبة المتنوعة وعلب الحليب الذي تفوق أسعاره سعر الحليب العادي (مثلا «الخالي من المواد الدسمة » أو«كامل الدسم» أو« الغني بالحديد وبالكالسيوم وبالفيتامينات وبالبروتينات» أو«المنصوح به لمرضى الكولسترول»)... كما تتكدس أيضا علب حليب عادي لكن من سعة نصف لتر يناهز ثمنها 750 مليم (ليكون سعر اللتر في حدود 1500 مليم. كلها متوفرة و بكميات كبيرة إلا حليب الشرب العادي (نصف الدسم). أكثر من مواطن وأكثر من ملاحظ اعتبر أن مصانع الحليب المختلفة سخرت كل إمكانياتها ووضعت «الكل في الكل» لصناعة أقصى ما يمكن من مشتقات الحليب المختلفة ذات الأثمان الباهظة، فتدفع بذلك المواطن لشرائها غصبا عنه، بعد أن غيبت عنه الحليب العادي وحرمته وحرمت أطفاله منه، وتحقق بذلك أقصى الأرباح التي ما كان لها أن تحققها بالحليب العادي.

مراجعة منظومة الدعم

أزمة نقص الحليب في تونس لا تنتهي رغم وفرة الإنتاج حسب ما تؤكده كل الأطراف المتداخلة في هذا القطاع، وكان هناك شبه إجماع في تشخيص أسباب هذه الأزمة وهي انحدار الدينار وغلاء الأعلاف و اليد العاملة وارتفاع كبير في كلفة الإنتاج مقابل محافظة سعر اللتر من الحليب على سعره 1120 مليم منذ سنة 2015.و قد دعت عديد الجهات إلى ضرورة مراجعة منظومة الدعم و إيجاد حلول ناجعة لمنظومة الألبان. و في هذا السياق أشار السيد لطفي الرياحي رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك إلى أن المنظمة تقف ضد الزيادة في أسعار الحليب للمستهلك ومع الزيادة في سعره بالنسبة للفلاحين. موضحا أن هذه الزيادة إذا تمت بصفة عشوائية سوف تحرم التونسي أكثر من استهلاك مادة أساسية مثل الحليب, وستساهم في تحقيق أرباح كبيرة بالنسبة للمقاهي وقاعات الشاي والمشارب والنزل ودور الضيافة ودعا الدولة إلى بعث مصانع جديدة للحليب مهمتها تصنيع حليب ووضعه في عبوات ذات سعة صغيرة توجه للمقاهي والنزل وقاعات الشاي, وبأسعار غير مدعمة حتى يتسنى لمصلحة الضرائب معرفة هوامش الربح التي يحققها أصحاب المقاهي والنزل وبالتالي احتساب الضريبة بطريقة صحيحة وعادلة والمساهمة في استيعاب العاطلين عن العمل وأشار إلى أن هذه الطريقة ليست بدعة ومتبعة في الدول الأوروبية المتقدمة. وأضاف أنه من غير المعقول أن يشتري صاحب المقهى لتر الحليب بـ1160مي ويبيعه بـ30 دينارا باعتبار أنه يبيع الحليب والرغوة بكميات قليلة جدا حيث يمكنه بيع 30 كوبا من القهوة باستعمال لتر واحد من الحليب وهذا الأمر يعتبر ظلما وحيفا في حق الفلاح الذي يبيع اللتر من الحليب بـ700 مليم. وأضاف أنهم يدعون إلى ضرورة مراقبة المواد المدعمة وتوجيهها لمستحقيها وتغريم أصحاب المقاهي الذين يستعملون الحليب نصف الدسم عوض استعمالهم للحليب الكامل.

أزمة الحليب تتكرر في مثل هذه الفترة من كل عام وتتكرر معها معاناة المواطن. وبالتالي لا يمكن تحميل طرف دون الآخر المسؤولية كاملة في ما يحصل بل هي مسؤولية مشتركة للدولة برمتها وخاصة لهياكلها ولمؤسساتها لا سيما وزارات الفلاحة والتجارة والصناعة ولبقية الأطراف المتدخلة في قطاع الحليب ( على غرار مجمع الألبان ومراكز تجميع الحليب ومركزيات التصنيع ومربيي الأبقار..) . كل هؤلاء المتدخلين أبدوا فشلا ذريعا في التعاطي مع أحد أهم الملفات ذات العلاقة الوطيدة بالأمن الغذائي وهو ملف الحليب، ولا أحد منهم اهتدى إلى الحل الأمثل الذي يجعل الحليب لا يغيب عن أسواقنا على مدار العام ويجعلنا أكثر من ذلك بلدا مصدّرا للحليب باعتبار توفر كل مقومات إنتاجه في بلادنا.