الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



المدارس الأجنبية الخاصة في تونس:

هل يمكن أن تكون بديلا للمدرسة العمومية و الخاصة؟



إعداد: صبرة الطرابلسي

خيار التونسي في الاستثمار في أبنائه و تكريس كل إمكانياته خاصة المادية في سبيل نجاحهم و تفوّقهم الدراسي بات أمرا معلوما و مؤكدا اليوم و هو ما يعكسه إقبال عدد هام من المواطنين على تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة التي يرون أنها توفر لأطفالهم تكوينا دراسيا أفضل مما توفره المؤسسة التربوية العمومية خاصة على مستوى اللغات.

و بظهور بعض المدارس الأجنبية الخاصة على غرار المدرسة الإنقليزية و المدرسة الكندية والمدرسة الأمريكية، خيرت فئة لابأس بها من الأولياء تسجيل أبنائها فيها رغم تكاليفها الباهظة التي تفوق 11 ألف دينار في السنة و مع ذلك فإن هذه النوعية من المؤسسات التربوية الخاصة أصبحت تجد إقبالا هاما من قبل التونسيين في سبيل ضمان أوفر حظوظ التميز و فتح آفاق مستقبلية لأبنائهم .

«الصحافة اليوم» سلّطت الأضواء على موضوع المدارس الأجنبية الخاصة في تونس لمعرفة أسباب الإقبال المتزايد عليها رغم تكلفتها الباهظة و مدى أهمية التكوين الأكاديمي الذي تقدمه.

أكثر من 400 مدرسة أساسية خاصة و ما يزيد عن 600 مدرسة ثانوية و إعدادية خاصة يعرفها المشهد التربوي اليوم فبين مساند لمبدإ التحاق التلاميذ بالمدارس الخاصة و رافض لها من منطلق الحفاظ على مكسب التعليم العمومي ظهرت نوعية جديدة من المدارس الخاصة و هي المدارس الأجنبية التي تقدم تكوينا أكاديميا معتمدا على غرار المدرسة الكندية و المدرسة الأنقليزية و غيرهما ذلك أن التونسي اليوم أصبح يبحث لأبنائه عن أجود تعليم ليضمن لهم أوفر حظوظ فرص التشغيل سواء في تونس أو خارجها .

السيدة حنان الرزقي و هي إطار سام بشركة قامت بتسجيل ابنتها بمدرسة تونسية خاصة كاختيار منها ومن زوجها حيث أوضحت لنا أن التعليم العمومي بالنسبة إليها لم يعد يوفّر التكوين الجيّد للتلميذ إلى جانب الغيابات المتكررة للمعلمين و نقص الحماية مضيفة أن التونسي اليوم أصبح على استعداد للتضحية المادية مقابل توفير أوفر حظوظ النجاح لأبنائه .

وأكدت محدثتنا في السياق ذاته أنها أرادت تسجيل ابنتها في مدرسة أجنبية خاصة بتونس لكن إمكانياتها المالية لم تسعفها نظرا لتكلفتها الباهظة التي تتجاوز بكثير إمكانياتها المالية مشيرة أنها تؤيد فكرة وجود مدارس أجنبية خاصة بتونس باعتبارها توفر إمكانية أكبر للولي لاختيار المؤسسة التربوية التي توفر لابنه التكوين الأفضل و الإطار الأمثل للدراسة إلى جانب إمكانية تأهيله و إعداده مستقبلا للدراسة بالخارج.

أما السيد حسام السافي و هو صاحب مشروع تجاري فيرى أنه من الأجدى أن تهتم الدولة بإصلاح البرامج الدراسية و المنظومة التربوية للحفاظ على أهم المكاسب الوطنية و هي المدرسة العمومية مضيفا أن التعليم الخاص غير متاح لكل التونسيين خاصة على ضوء ما يشهده الوضع الاقتصادي للبلاد من تأزم يوما بعد يوم و انعكاس ذلك على القدرة الشرائية للمواطن الذي لم يعد قادرا على تغطية نفقات عائلته .

و بين محدثنا أن تدريس التلاميذ بالمدارس الأجنبية الخاصة يبقى حكرا على فئة معينة من التونسيين المترفين مشيرا الى أن هناك بعض الفئات خاصة من الموظفين يقومون باقتناء قروض من البنك و يخصصونها لنفقات الدراسة بهذه المدارس الأجنبية الخاصة وفق ما عاينه من حالات لبعض أقاربه.

الإدماج في الفضاء المعولم

لعلّنا نحتاج بداية إلى تحديد صفة «أجنبيّة» التي نسندها إلى بعض المدارس في تونس: فهل هي أجنبيّة بحكم جنسيّة البرامج التي تطبّقها،أم الأموال المستثمرة فيها، أم التّلاميذ المنتمين إليها، أم التّسميات التي تحملها؟ذلك أن هناك في تونس مدارس أمريكيّة وكنديّة وفنلنديّة وبريطانيّة وفرنسية وإيطاليّة وتركيّة وعربيّة مختلفة، ولكلّ منها خصوصيّاتها،

هذا ما أوضحه السيد سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم مضيفا أن هناك قاسما مشتركا بينها، وهو رفعها لشعار الجودة والقدرة على إعداد التلاميذ للاندماج بنجاح في الفضاء المعولم، مقابل معاليم سنويّة مرتفعة لا يقدر على توفيرها إلاّ أبناء الفئات الاجتماعيّة الأكثر رفاها.

وبيّن محدثنا أنّ هذا التّنوّع الكبير يجعل من غير المنطقيّ وضع كلّ المدارس الأجنبيّة في سلّة واحدة. وإذا ما استثنينا المدارس التي تستعمل هذه الصّفة لغايات تجاريّة بحتة، فإنّنا أمام ظاهرة محدودة من حيث العدد، ولكنّها ذات أهميّة بالغة من حيث الأثر فجزء من النّخب الاقتصاديّة والفكريّة التّونسيّة في المستقبل سوف يتخرّج من هذه المدارس مضيفا أنّ سلطة الإشراف التّربويّ مدعوّة إلى فرض قواعد الحوكمة الرّشيدة عند التّعامل معها، وخاصّة قاعدة الشّفافيّة.لأنّ وجود مدارس أجنبيّة هو إثراء للمشهد التّربويّ التّونسي، ويمكن أن يكون حافزا على مزيد تطوير منظومة التّعليم العموميّ متى أحسنّا التّعامل مع هذه الظّاهرة.

و أوضح في السياق ذاته أن عديد الدّول بما في ذلك دول الخليج العربيّ قد نجحت في إدماج المدارس الأجنبيّة واستيعابها، وذلك لأنّها استطاعت بناء نظم فاعلة للتّقييم والجودة تطبَّق على كافّة المدارس دون استثناء،وهي ليست أدوات رقابيّة بل نظم ترسي مبدأ الشّفافيّة وتدعم الجودة وتشجّع على المنافسة النّزيهة، حيث تمنح المواطن حقّه في الاختيار الواعي بأن توفّر له جميع ما يحتاجه من معلومات حول كلّ مدرسة، من حيث الرّؤية والأهداف والبرامج المطبّقة والكلفة وسياسة القبول والملكيّة والحوكمة والإطار الإداريّ والتّربويّ والنّتائج. أمّا في تونس، فإنّ وزارة التّربية لا تعتمد معيارا وطنيّا للجودة حتّى على مستوى مؤسّساتها التّربويّة، مبينا أن الجمعيّة التّونسيّة لجودة التّعليم قد اقترحت وضع معيار متكامل يستجيب لمتطلّبات أرقى النّظم التّعليميّة وقد عرضتها الجمعية منذ أشهر عديدة على وزير التّربية الذي رحب بالفكرة وأحالها على مساعديه، ولكنّهم دخلوا به للأسف إلى غياهب الجمود الإداريّ والبيروقراطيّة المقيتة.

وقال محدثنا أنّ ملفّ المدارس الأجنبيّة في تونس، بقطع النّظر عمّا توفّره هذه المدارس من فرص وما تفرضه من تحدّيات، يكشف إحدى عورات منظومتنا التّربويّة، وهو افتقارها إلى معيار وطنيّ للجودة في المؤسّسات التّربويّة و رفضها الانفتاح، دون أسباب منطقيّة واضحة، على مثل ما أشرنا إليه من مبادرات، وهو ما يفقدها أحد أهمّ أدوارها، وهو دور السّلطة الضّامنة للجودة والمسؤولة على سلامة أداء كافّة المؤسّسات التّربويّة على أرضها.

ضرورة تنظيم القطاع

يتزايد إقبال فئة من التونسيين على المدارس الأجنبية الخاصة من سنة إلى أخرى و يعود ذلك إلى توفيرها إلى جانب التكوين الأكاديمي المعتمد في بلدانهم إمكانية مواصلة الدراسة مستقبلا بالخارج و هي من أكثر العوامل التي تدفع بالتونسي اليوم إلى تكريس كل إمكانياته في سبيل أن يوفر لابنه إمكانية التعليم الجيّد الذي يؤهله مستقبلا للاندماج في سوق الشغل بحظوظ أوفر.

هذا ما أوضحته السيدة رملة الشملي و هي رئيسة الغرفة الجهوية للتعليم الخاص مضيفة أن المدارس الأجنبية الخاصة في تونس توفر نوعية تدريس أخرى ملائمة أكثر لنمط عيش تلك البلدان و التي تختلف كثيرا عن نمط و نظم العيش في تونس ذلك أن البرامج الدراسية التي تعتمدها هذه المدارس مختلفة تماما عن البرامج الدراسية الوطنية سواء من حيث المحتوى أو الوسائل المعتمدة مبينة أن هذه المدارس خاصة في المرحلة الثانوية تعتمد نظام إعداد المشاريع ذلك أن كل تلميذ يستعمل في دراسته جهاز الحاسوب و يقدم آخر السنة الدراسية مشروعا حول موضوع معين يكون ضمن محتوى البرنامج الدراسي المعتمد في هذه المؤسسات التربوية.

وأضافت في السياق ذاته أن الدراسة بهذه المدارس توفر لتلاميذها مستقبلا حظوظا أوفر لمواصلة دراستهم الجامعية بالخارج أو الحصول على إمكانية التوجيه لبعض الاختصاصات الجامعية على غرار الطب حيث يقع تخصيص حصص معينة (كوتا) لخريجي هذه المدارس و لعل ذلك من أكثر الأسباب التي تدفع بالتونسي اليوم لتسخير كل إمكانياته لإلحاق أبنائه بهذه المدارس .

وأشارت السيدة الشملي في سياق متّصل أن التعليم الخاص في تونس اليوم أصبح يشهد فوضى كبيرة و يجب على وزارة التربية أن تكون أكثر صرامة في منح رخص بعث هذه المؤسسات التي أصبح يديرها ويتحكم بها لوبيات تقوم بتبييض أموالها في قطاع من أدق القطاعات و أهمها مبينة أن الوزارة تضطلع بالدور الرقابي لكن من الأجدى عدم منح الرخص بسهولة منذ البداية لتفادي أي إشكالات قد تقع مؤكدة على ضرورة تنظيم قطاع التعليم الخاص في تونس سواء الوطني أو الأجنبي.

ولمعرفة موقف وزارة التربية من وجود مدارس خاصة أجنبية في تونس حاولنا أكثر من مرة الاتصال بالوزارة لكن لم نتمكن من الحصول على رد من المسؤول على هذا الملف.

و لئن يجمع كثيرون بما في ذلك أهل الاختصاص على أهمية مساهمة المدارس الأجنبية الخاصة في ثراء المشهد التربوي فإن الاهتمام بإصلاح المنظومة التربوية الوطنية و اقتباس التجارب الناجحة في هذا المجال يظل الخيار الأفضل للارتقاء بجودة التعليم في تونس وبمستوى التلاميذ.