الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



قانون جديد لتدعيم الأسس المالية للبنوك العمومية

إلى أي مدى قد يساهم في استرجاع الديون؟



اعداد: سميحة الهلالي

ان الوضعية الصعبة للبنوك العمومية تعتبر محور اهتمام المتابعين للشأن الاقتصادي نظرا لحساسية وأهمية القطاع البنكي العمومي في الدورة الاقتصادية المحلية إذ تمثل البنوك العمومية الثلاثة وهي بنك الاسكان والبنك الوطني الفلاحي والشركة التونسية للبنك عصب القطاع المصرفي في تونس كما أن دور البنوك العمومية لا يقتصر على تمويل الاقتصاد بل تحول إلى أداة لتعديله من حيث التكفل بالمشاريع الاستراتيجية على غرار السياحة والفلاحة والمؤسسات الكبرى لذلك تنوعت المقترحات في مشكل إعادة تأهيل البنوك بعد الثورة .وفي اطار مواصلة تدعيم الاسس المالية للبنوك العمومية صادق مجلس نواب الشعب مؤخرا على مشروع قانون جديد يتعلق بتنقيح واتمام القانون عدد 31 لسنة 2015 المؤرخ في 31 اوت 2015 والمتعلق بتدعيم الاسس المالية للبنوك العمومية. فهل يساهم هذ القانون الجديد في استعادة البنوك العمومية عافيتها من خلال استرجاع ديونها؟ وماهي الاضافة التي قدمها هذا المشروع؟ واي وضع تمر به المؤسسات البنكية العمومية حاليا؟

ينص مشروع القانون الذي تمت المصادقة عليه ان مجلس الادارة او مجالس مراقبة البنوك تضبط سياسة استخلاص الديون والمصادقة عليها وتحديد اختصاص مختلف هياكل البنك المفوض لها البت في اتفاقيات الصلح والاجراءات الواجب اتباعها وتقوم كذلك بضبط سياسات التحكيم وتصادق على اتفاقيات الصلح المتعلق بهذه الديون مع الحرفاء بخصوص التخلي الجزئي اوالكلي عن ديونها من حيث الفوائض التعاقدية وفوائد التاخير ويستثنى من هذا الصلح القروض التي تم منحها دون ضمانات والتي كانت محل تتبعات قضائية بسبب شبهات فساد .وتقدر ديون البنوك العمومية بحوالي 5.8 مليار دينار وهوما يمثل 50 بالمائة من ديون البنوك التونسية. وكان مجلس نواب الشعب قد صادق في6اوت سنة 2015 على مشروع لرسملة البنوك العمومية، ورصد مبلغ 757 مليون دينار لفائدة الشركة التونسية للبنك، وحوالي 110 مليون دينار لفائدة بنك الإسكان، في حين قرر أن يطرح للبيع مخصصات المحفظة المالية للبنك الوطني الفلاحي بعد خضوعه لعملية تدقيق مالي.واستقرت عملية ضخ السيولة في البنوك العمومية الثلاثة في حدود 900 مليون دينار في محاولة لإنقاذها وإعادتها إلى سالف نشاطها ومساهماتها في تمويل الاقتصاد التونسي.

خطوة ايجابية

يعتبر الخبير الاقتصادي صادق جبنون ان المصادقة على مشروع قانون جديد يتعلق بتنقيح واتمام القانون عدد 31 لسنة 2015 والمتعلق بدعم الاسس القانونية للبنوك العمومية يعتبر خطوة ايجابية للنهوض بالقطاع البنكي العمومي وتدعيم مساره واعتبر انه قانون مهم وضروري حتى تتجاوز البنوك العمومية معضلتها وطبعا سيكون ذا فاعلية كبرى عندما يرفق بتعديل الفصل 96 من المجلة الجزائية التي تلزم البنوك العمومية بالتصرف حسب قواعد المحاسبة العمومية والقيود التي على الموظف العمومي بمعنى استحالة عملية الصلح اوالاتفاق الصلحي في مادة القروض علىغرار ما يتم في البنوك الخاصة .واعتبر محدثنا ان انتهاج مثل هذه الخطوات واستكمالها قد يساهم في تعافي البنوك العمومية في اجال قريبة وخاصة الشركة التونسية للبنك التي تقدر ديونها بـ1680مليون دينار نظرا لأنها ورثت وضعية بنكين استثماريين في القطاع السياحي استوعبتهما ويمثلان عبءا عليها الى حد يوم الناس هذا .كما بين محدثنا ان اتخاذ هذه الخطوة الايجابية كان متأخرا مما ادى الى تأجيل فترة تعافي الشركة التونسية للبنك الى غاية 2024 عوض 2020 .كما بين محدثنا ان مثل هذه الاجراءات قد تفتح المجال للنهوض بالقطاع البنكي العمومي ليتساوى مع القطاع البنكي الخاص من حيث الربحية والتنافسية وظروف العمل .

تطبيق إملاءات صندوق النقد الدولي

في الوقت الذي تعيش فيه البلاد أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية حادة تجلت ملامحها حول مسألة تغيير رئيس الحكومة من عدمه، تمضي الحكومة والإدارة العميقة بالتوافق مع الأحزاب التي تساندها ومع نوابها بالمجلس في تمرير كل الالتزامات التي تعهدت بتنفيذها لدى صندوق النقد الدولي منذ بداية تنفيذ برنامج تدخل المؤسسة العالمية في سنة 2013. وفي طليعة هذه الالتزامات تبرز مسألة خصخصة المؤسسات العمومية وفي مقدمتها البنوك العمومية. في هذا الإطار يأتي القانون عدد 31 لسنة 2015 المؤرخ في 21 أوت 2015 المتعلق، حسب عنونته، «بتدعيم الأسس المالية لبنك الإسكان والشركة التونسية للبنك» وكما يبدوفإن هذا القانون استثنى البنك الوطني الفلاحي. ذلك ما عبر عنه الخبير الاقتصادي جمال الدين عويديدي مضيفاان هذا القانون يندرج في إطار تطبيق إملاءات صندوق النقد الدولي حول ضرورة رسملة هذين البنكين بدعوى دعم القدرات المالية الذاتية لها عبر تحديد مبالغ الزيادة في رأس مال الشركة التونسية للبنك بمبلغ 757 مليون دينار وفي رأس مال بنك الإسكان بمبلغ 110 مليون دينار كما نص عليه الفصل الأول من هذا القانون الصادر قي سنة 2015. وهي إجراءات تم تنفيذها وصرف المبالغ المحددة لها من ميزانية الدولة طبقا لما جاء بقانون المالية التكميلي لسنة 2013 وما جاء بقانون المالية لسنة 2014. فهي كما نلاحظ كلها قوانين تتزامن مع بداية تدخل صندوق الدولي منذ سنة 2013 بعدما تمكّن من موافقة حكومة الترويكا على تنفيذ برامجه المعهودة والمتعلقة بالأساس بخصخصة المؤسسات العمومية وفي طليعتها البنوك العمومية.

ويتساءل محدثنا عن مضمون الإضافة التي جاءت بمشروع القانون المتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد31 لسنة 2015 والذي تمت المصادقة عليه مساء يوم الثلاثاء 22 ماي الفارط والذي تم التسويق له بعنوان مشروع قانون استخلاص البنوك العمومية لديونها سعيا لتبرير سنه.

وهي في الحقيقة على حد قوله إجراءات تدخل في خانة صلاحيات التصرف في الشركات التجارية تم تجريد البنوك العمومية منها بدون موجب مما جعل أبواب الصلح غير ممكنة خاصة في مرحلة ما بعد الثورة في علاقة بالتجاوزات التي كانت جارية ما قبل الثورة في القطاع العمومي. والحال انه كان يجب الاحتكام لقانون التصرف في الشركات التجارية مثلها مثل ما يجري في القطاع الخاص. غير أنه يجب التأكيد أن الغاية الأساسية من هذا التنقيح هو ضم البنك الوطني الفلاحي في نفس الخانة حتى يصبح مشمولا بعملية الخصخصة مثله مثل البنكين السابقين. والحال أنه كان مستثنى من هذه العملية خاصة وأن وضعه المالي في حالة حسنة . كما تبينه النتائج التي تحققت في سنة 2017 حيث ارتفع الناتج الصافي لبنك الإسكان بنسبة 25,5 بالمائة في سنة 2017 مقارنة بسنة 2016 حيث بلغ 115,5 مليون دينار مقابل 92 مليون دينار في سنة 2016 حيث فاقت نسبة تحقيق الأهداف المرسومة إلى حدود 114,6 بالمائة. كما سجل الناتج البنكي الصافي مبلغ 385,6 مليون دينار في سنة 2017 مقابل 307,5 مليون دينار في سنة 2015. كما أن الجمعية العامة لبنك الإسكان الخاصةبسنة 2017 قررت توزيع المرابيح على المساهمين بنسبة 24,7 بالمائة من مجموع مرابيح السنة مقابل توزيع نسبة تعد في حدود 11 بالمائة فقط من مرابيح سنة 2016. مما يدل أن هيكلة البنك تجري بطريقة سليمة جدا حيث أكد مديرها العام السيد أحمد رجيبة أن «نسبة تحقيق برنامج إعادة هيكلة البنك ارتفع إلى 70 بالمائة». كما أكد السيد احمد رجيبة أن «قرار خصخصة البنك يبقى من مشمولات الحكومة ولكن نؤكد اليوم على أن بنك الإسكان استعاد نشاطه مما جعله يحقق المرابيح» وذكر أيضا في هذا الصدد « أن كل البنوك العمومية الثلاثة وهي الشركة التونسية للبنك والبنك الوطني الفلاحي وبنك الإسكان ليست لها خسائر (لأنها حققت أرباحا) وأنهم في تطور مستمر كما أنهم لعبوا دورا هاما في دعم الاقتصاد الوطني».وهي تقريبا نفس النتائج الإيجابية أيضا التي تحصلت عليها الشركة التونسية للبنك حيث كانت نتائج مرابيحها الصافية في حدود 51,8 مليون دينار في سنة 2017 مقابل 40,5 مليون دينار في سنة 2016 أي بنسبة زيادة بـ27,8 بالمائة. مما يدل أنه إذا توفرت الحوكمة الرشيدة في إطار خطة سليمة وواضحة تأتي حتما بالنتائج الإيجابية مثلما تؤكده أيضا النتائج الإيجابية التي حققها البنك الوطني الفلاحي حيث أن نسبة نتائج المرابيح الصافية ارتفعت إلى 41,8 بالمائة في سنة 2017 مقارنة بسنة 2016 بما أن الأرباح ارتفعت إلى رقم قياسي بلغ 198,6 مليون دينار مقابل 140 مليون في سنة 2016. ويقول محدثنا « لسائل أن يسأل لماذا يتم إدماج هذا البنك الناجح وتهيئته في خانة الخصخصة والحال أن نتائجه تضاهي أوحتى تفوق بعض البنوك الخاصة. خاصة وأنه مثله مثل البنكين السابقين يعتبر آلية من أهم آليات الدولة في تمويل وتطوير القطاعات الاقتصادية الهامة مثل القطاع الفلاحي والصناعي والمعماري في البلاد.» ويضيف محدثنا ان السؤال يبقى مطروحا بالدرجة الأولى على كل نواب الشعب الذين صادقوا على مشروع هذا القانون بدون ترو وبدون موضوعية والحال أنه يرمي إلى ضرب أهم وأخطر قطاع في البلاد. ويؤكد انه في هذا الصدد يجب أن نذكر برسالة النوايا التي وجهها إلى كريستين لقارد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كل من الشاذلي العياري محافظ البنك السابق و المرحوم سليم شاكر وزير المالية السابق بتاريخ سنة 2016 حيث تعهدا بمقتضاها بصفتهما ممثلين للدولة التونسية بتطبيق كل الالتزامات التي فرضها صندوق النقد الدولي والتي تم تفصيلها بمذكرة السياسات الاقتصادية والمالية المرافقة للرسالة حيث جاء بالنقطة 21 منها أن الدولة التونسية تلتزم «بتحسين ومتابعة إعادة هيكلة المؤسسات العمومية بما فيها البنوك العمومية» ولتحقيق هذا الغرض «سوف تقوم بتكوين وكالة للتصرف في مساهمات الدولة تعنى ببرامج إعادة هيكلة المؤسسات العمومية بما فيها البنوك العمومية وبإعادة التصرف فيها» وهوتلميح واضح يوحي ببرامج خصخصة هذه المؤسسات. ونحن نعتقد أن مشروع تنقيح القانون عدد 31 لسنة 2015 يدخل في خانة تهيئة الأطر القانونية لتحقيق أهداف خصخصة المؤسسات العمومية. وقد تمّ التنصيص بوضوح في هذه الوثيقة على البنوك العمومية وكذلك على الشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة التونسية لتكرير النفط وديوان الحبوب وشركة الخطوط الجوية التونسية والوكالة الوطنية للتبغ.

استرجاع الديون...

من جهته يرى يقول الخبير الاقتصادي ياسين اسماعيل ان البنوك العمومية لايمكنها ان تتعافى كليا الا باسترجاع اموالها المنهوبة والتي تقدر بـ21 الف مليار منها 14 الف مليار ديون معدمة و7 الف مليار ديون مشطوبة. واعتبر محدثنا ان مشروع القانون الذي تمت المصادقة عليه مؤخرا يعتبر خطيرا باعتبار انه ينص على ان مجلس الادارة اومجالس مراقبة البنوك هي التي تضبط سياسة استخلاص الديون والمصادقة عليها وبذلك يرى محدثنا انه مشروع قانون خطير مثله مثل قانون المصالحة الذي وضع لحماية الفاسدين وكذلك الشأن بالنسبة لمشروع قانون المصالحة بالنسبة للبنوك الذي يبدوانه تمت المصادقة عليه لحماية بعض الاطراف التي لها ديون ضخمة بالبنوك العمومية والتي لم تقم باسترجاعها على غرار ما يقارب 6او7 من نواب الشعب الذين يساعدهم مثل هذا المشروع ليفلتوا من العقاب ويتم تقديمهم صكوك غفران من خلال مشروع قانون المصالحةالذي سيفسح المجال لإمكانية التنازل وفسح الديون دون تتبعات قضائية والخاصة ببعض الاطراف وهوما من شانه ان يعمق ازمة البنوك العمومية رغم ما يتم تداوله عن تحسن رقم معاملاتها ويضيف محدثنا ان تحسن وضعية البنوك لا يتم الا باسترجاع الديون المتخلدة بذمتها.

قروض دون ضمانات

لابد من التذكير أن الوضعيّة الصعبة التي عرفتها البنوك العمومية، تعود لأسباب نخرت القطاع البنكي قبل 14 جانفي والمتمثّلة أساسا في القروض الكبيرة المسداة لرجال الأعمال واصهار الرئيس السابق دون ضمانات ودون أن يتم تسديد معظمها حتى يومنا هذا.وقد مولت البنوك العمومية شركات مرتبطة بعائلة الرئيس السابق بمبالغ تصل قيمتها إلى 1.75 مليار دينار وما يقارب من 30 بالمائة من هذه المبالغ قُدمت نقدا دون أي ضمانات للسداد وهودليل على حجم الفساد وسوء التصرف الذي كان ينخر هذه المؤسسات العمومية .ولم تقتصر سياسة المحسوبية وإهدار المال العام على الرئيس السابق واصهاره بل تجاوزته لتشمل مجموعة من رجال الأعمال الذين استفادوا بحكم نفوذهم وقربهم من دائرة السلطة، من تسهيلات بنكية كبرى وقروض دون ضمانات.فقد تحصل 126 رجل أعمال على حوالي 7 مليارات دينار من البنوك العمومية في عهد بن علي دون إرجاعها إلى اليوم وكأن تلك الأموال قد محيت مع هروب بن علي ومن بين الحلول التي تم اقتراحها من الحكومات المتعاقبة لإنقاذ القطاع البنك العمومي هي الرسملةوالدمج والخوصصة والتي تعتبر اكثر الحلول خطرا .