الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



توريد الكهرباء

هل أمننا الطاقي غير مضمون ؟



تحقيق :منصف عويساوي

في الوقت الذي كانت فيه بلادنا خلال السنوات الماضية تصدر الكهرباء إلى البلدان الشقيقة والصديقة ، وجدت الشركة التونسية للكهرباء والغاز اليوم نفسها أمام خيار توريد الطاقة من الجزائر وأيضا من المغرب تحسبا لارتفاع الطلب خاصة خلال شهر أوت المقبل والذي يعرف بذروة الاستهلاك،وذلك لتفادي الانقطاع المتكرر في عديد مناطق البلاد ولضمان استمرارية عمل المنشآت والمؤسسات الحساسة كالمستشفيات العمومية والثكنات العسكرية وغيرها..

استراتيجية توريد الكهرباء لضمان الأمن الطاقي تقابلها اليوم تخوفات عديدة من المواطن التونسي وهو أيضا ما أكده الخبراء في المجال من مزيد ارتفاع تسعيرة الكهرباء والانقطاعات المفاجئة في عدد من الولايات .

فهل لدينا فعلا إستراتيجية واضحة المعالم في مجال توليد الكهرباء أم أننا نعيش اليوم على وقع قرارات ارتجالية مناسباتية؟ وهل نحن كما يشاع أمام نية مبيّتة للتفويت في الشركة التونسية للكهرباء والغاز للحساب الخاص في ظل غياب رؤية واضحة لإعادة هيكلة الشركة وتدعيم مواردها المالية وتطوير آليات عملها في المستقبل؟

مع اقتراب شهر أوت – ذروة استهلاك الكهرباء - يعيش الشارع التونسي اليوم من مواطنين وأصحاب نزل ومؤسسات عمومية وخاصة تخوّفات معلنة حينا ومبّطنة حينا آخر من تجدد انقطاع الكهرباء في عدد من المناسبات مثلما عشناها في السنوات الأخيرة نتيجة ارتفاع الطلب المتزايد على الطاقة خلال هذه الفترة.

وكما هو معلوم فان ذروة الاستهلاك تتسبب في انقطاع التيار الكهربائي في العديد من مناطق البلاد والمنشآت الحسّاسة، بسبب بلوغ الاستهلاك درجات قصوى مع ارتفاع درجات الحرارة والاستعمال المكثف للمكيفات ووسائل التبريد.

الخبير جمال الدين العويديدي أكد في هذا الإطار لـ«الصحافة اليوم» أن بلادنا كانت تصدّر سابقا الكهرباء للجزائر وليبيا ولكن أصبحنا اليوم نستورد الطاقة من كل من الجزائر والمغرب مرجعا ذلك إلى غياب استراتيجية وطنية اقتصادية شاملة من ضمنها قطاع الطاقة تتضمن تحديد نسبة تمويل الفنادق ونسبة الاستهلاك العام والذهاب نحو انجاز محّطات توليد طاقة جديدة وهو ما كانت بلادنا تعمل به منذ الثلاثين سنة الماضية.

العيدودي بين في هذا الصدد أن غياب هذه الإستراتيجية يبرز بما لا يجعل مجالا للشك النية المبيتة لخصخصة الشركة التونسية للكهرباء والغاز والتي بدأت ملامحها تبرز للعيان منذ سنة 2000 حين جعلوا الشركة توّزع الكهرباء فقط وتبتعد نسبيا عن توليد الطاقة وبدأت مع شركة «قرطاج باور» بمنطقة حلق الوادي- رادس.

وذهب محدثنا إلى ابعد من ذلك حيث طالب بضرورة مراجعة اتفاقيات الشراكة مع الأطراف الدولية والقطاع الخاص في مجال الطاقة بما يستجيب لحاجياتنا مع مراعاة مبدإ النفعية والربح مبرزا أن هناك عديد التقارير الدولية، الأوّل صادر من بريطانيا والثاني صادر من فرنسا من طرف هيئة الرقابة الفرنسية أكدت أن كلفة هذه البرامج ارتفعت بنحو 60 بالمائة وذلك بسبب تشريك الخواص في مشاريع عمومية وهو ما ينطبق على بلادنا حيث أن كلفة الطاقة ستتضاعف و«تثقّل» على سعر «الكيلواط» الذي ستبيعه هذه الشركات للشركة التونسية للكهرباء والغاز.

وقال في هذا الإطار أن عقد الشراكة الذي يربط شركة «بريتش غاز» بالشركة التونسية للكهرباء والغاز يجبر بلادنا على أخذ 48 بالمائة من حاجيات تونس من الطاقة من هذه الشركة والذي تحوّل فيما بعد إلى شركة «شال»، مشيرا إن هذه الطاقة التي تشتريها بلادنا بأضعاف الأضعاف موجودة على ارض تونسية وهو ما يثير عديد التساؤلات...

واعتبر العيدودي في السياق ذاته أن برنامج الاستثمار الجديد في مجال الطاقة مع الخواص هو برنامج فاشل ولا يخدم المصلحة العليا للبلاد ويهدد الأمن الطاقي التونسي خاصة في حالة عجز بلادنا عن خلاص مستحقات الشركات الأجنبية مؤكدا أنه من الأجدر أن تتجه الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى الاستثمار في الطاقة وإحداث موّلدات إضافية خاصة بها بعيدا على الشراكة مع الشركات الأجنبية وهو أمر ممكن باعتبار أن الشركة لها ضمانات عديدة وفي مقدمتها ضمانة الدولة.

النقص في التخطيط والانجاز من بين الأسباب الأساسية لأزمة الطاقة في تونس وهو ما انجرت عنه انقطاعات عديدة في مجال الكهرباء في عديد المناطق والقطاعات الحساسة وارتفاع سعر «الكيلواط» من الكهرباء بما يزيد من إثقال كاهل المواطن التونسي.

ارتفاع مشّط في «الفاتورة»

ماهر ركروك موّظف في شركة خاصة يشتكي من ارتفاع تعريفة الكهرباء والغاز فضلا عن الانقطاعات المتكررة للكهرباء خاصة في وقت الذروة بما يعّطل المصالح الأساسية للمواطن ويصادر حقه في التنوير العمومي.

وطالب ركروك الشركة التونسية للكهرباء والغاز باحترام الحريف وحقوقه التي نصّ عليها دستور الجمهورية الثانية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية سواء في القيام باستشارة واسعة حول التفكير في اتخاذ قرار الترفيع في فاتورة الكهرباء وغيرها من القرارات الأخرى المتعلقة بالتنوير والطاقة اعتبارا إلى صبغة الشركة العمومية.

وفي سياق متصل يتفق ماهر ركروك مع الخبراء في مجال الطاقة حول ضرورة الإسراع بالقيام بتقييم شامل لكافة الخدمات المقدمة من قبل الشركة التونسية للكهرباء والغاز للحريف وضبط استراتيجية طاقية شاملة تضمن الأمن الطاقي للمواطن على امتداد السنوات القادمة مع الحفاظ على الصبغة العمومية للشركة وتعريفة تناسب الدخل الفردي الأدنى للمواطن التونسي.

من جانبها عبّرت إيمان مراد ناشطة بالمجتمع المدني في العقد الثالث من عمرها عن تذمّرها من ارتفاع فاتورة الكهرباء وعدم مطابقتها –وفق تقديرها- للاستهلاك الحقيقي للمواطن مشيرة الى أن «الفاتورة» ترتفع تقريبا ثلاثة أضعاف الاستهلاك في فصل الصيف مقارنة بالاستهلاك في بقية فصول السنة رغم تأكيدها أن استهلاكها لا يتجاوز المرة ونصف الاستهلاك العادي.

وأضافت «نأمل أن تتجاوز الشركة التونسية للكهرباء والغاز هذه السنة ظاهرة الانقطاعات المتكررة للكهرباء خاصة في المناطق الداخلية التي عشناها السنة الماضية من خلال اخذ الاحتياطات اللازمة وتوفير طاقة إجمالية تلبي الطلب خاصة في وقت الذروة».

اتفاق ثلاثي

ووفق آخر المعطيات فان الشركة التونسية للكهرباء والغاز أبرمت خلال الأسابيع الفارطة اتفاقا يقضي بتزويد بلادنا خلال شهر أوت المقبل بالكهرباء من قبل الجزائر والمغرب ، وذلك لمجابهة الطلب المتزايد على الطاقة خلال فترات الذروة ، وتفادي انقطاع التيار في العديد من مناطق الجمهورية، وتفادي ما حدث في السنوات الفارطة.

ويأتي هذا الاتفاق على اثر اجتماع ثلاثي لشركات الكهرباء المغاربية عقد مؤخرا، تم خلاله تدارس مسألة تعزيز تبادل الكهرباء بين البلدان الثلاثة،حيث وقّعت بلادنا على اتفاق ثلاثي، تلتزم فيه كل من شركة إنتاج وتوزيع الكهرباء الجزائرية «سونلغاز» والديوان المغربي للكهرباء ومياه الشرب، بتزويد الشركة التونسية للكهرباء والغاز بالكهرباء طيلة فصل الصيف.

وستخصص في هذا الإطار 5 خطوط ربط للجهد العالي بين تونس والجزائر ستضمن توفير الطاقة الإضافية للبلاد في فترات الذروة ،في إطار تعاون ثلاثي مع الجارتين الجزائر والمغرب وتوفير طاقة كهربائية إضافية نحو تونس تصل هذه السنة إلى 300 ميغاواط تقريبا،بأسعار محددة ضمن عقود بين شركات البلدان المعنية.

وفي سياق متصل أوضح مدير عام شركة الكهرباء والغاز منصف الهرابي في تصريح إعلامي مؤخرا أن مستوى التبادل الكهربائي بين هذه البلدان الثلاثة يمكن أن يصل إلى أكثر من ٪200، معتبرا أن المنظومة الكهربائية المغاربية (تونس والمغرب والجزائر)، مترابطة فيما بينها في اتجاه تأمين الشبكات وتعزيز التعاون الثلاثي.

هذا وشرعت تقريبا الشركة التونسية للكهرباء والغاز الأيام الماضية في تشغيل محطة إنتاج جديدة للكهرباء بمدينة مرناق بهدف توفير 600 «ميغاواط» من الكهرباء، لمجابهة الطلب الكبير على الطاقة خلال فصل الصيف والذي يقارب 4 آلاف «ميغاواط»، حسب آخر البيانات الرسمية للشركة التونسية الكهرباء والغاز،وهو ما دفعها أيضا إلى اللجوء لدول الجوار لسد هذه الاحتياجات.

وجدير بالتذكير أن بلادنا تلجأ الى الاستعانة بجارتها الجزائر منذ أكثر من 5 عقود من الزمن لمواجهة الطلب الداخلي، وستزود الجزائر بلادنا بالكهرباء انطلاقا من محطة «عين أرنات» الجديدة (340 كم شرق العاصمة) التي يقدر إنتاجها بحوالي 1200 «ميغاواط»..

استعدادات ولكن..

وفي إطار استعداد الشركة التونسية للكهرباء والغاز لذروة استهلاك الكهرباء خلال صائفة 2018 أكد مصدر من الشركة لـ«الصحافة اليوم» أنه تم اتخاذ الإجراءات اللازمة لتلبية الطلب المتزايد وضمان الجاهزية القصوى للمنظومة الكهربائية الحالية، حيث وضعت الشركة برنامجا شاملا لصيانة المحطات والمعدات لضمان جاهزيتها لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء الذي يقدر سنويا بـ٪60 وهو ما يعادل تركيز قدرة إنتاج إضافيّة بـ 170 ميغاواط سنويّا.

وأفاد مصدرنا أن الشركة قامت في هذا الإطار بتعزيز آليات وتجهيزات ومعدات التدخل السريع على المستوى الجهوي إضافة إلى تعزيز جاهزية الفرق الجهوية التي تتولى إعداد برمجة خاصة بالفترة الصيفية لضمان التدخل السريع للفرق الفنية المختصة في استغلال الشبكة لإصلاح الأعطاب.

كما قامت الفرق الفنية للشركة بكافة التدابير الوقائية لتأمين أفضل الظروف للتزود والتقليص من احتمال وقوع أعطاب على مستوى الشبكة عبر غسل عوازل أبراج الجهد المتوسط وفحص الشبكات والمعدات والمحولات إضافة إلى حث مشتركي الجهد المتوسط، و خاصة الإدارات والمؤسسات العمومیة على صیانة مولداتها الذاتية والتأكد من جاهزيتها.

وتبعا لعدم استقرار نسب النمو المسجلة فيما يتعلق بذروة استهلاك الكهرباء على المدى القريب، يقع الاعتماد عادة على تقديرات على المدى المتوسط والبعيد، مع اعتبار فرضيات أقرب إلى الترفيع في هامش الزيادة منها الى التخفيض وذلك بهدف استيعاب الزيادة الحادة أو غير المنتظرة في نسبة نمو الذروة وفق رؤية استشرافية لنمو الطلب على الكهرباء، حيث قدر الطلب الأقصى في استهلاك الكهرباء بالنسبة الى هذه الصائفة في حدود 4200 «ميغاواط»، وذلك بناء على توقعات متوسطة المدى لنمو الطلب على الكهرباء مقارنة بذروة استهلاك سنة 2017 التي بلغت (4025 ميغاوات) وفق ما أكده مصدر بالشركة لـ«الصحافة اليوم».

كم أشار مصدرنا الى أن ذروة الطلب على الكهرباء أصبحت في السنوات الأخيرة صعبة التوقع وذلك نظرا للإقبال المتزايد على التكييف الذي أصبح يستأثر خلال الصائفة، ولوحده، بحوالي ثلث القدرة المركزة الوطنية (1700 ميغاوات) إضافة لبعض الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية الموسمية، يضاف إلى ذلك صعوبة التكهن بدرجات الحرارة القصوى المسجلة ومدى استمراريتها وصعوبة التكهن بسلوك الحرفاء في ما يتعلق بوتيرة استعمال المكيفات وعدم استقرار المؤشرات الاقتصادية مقارنة بالتوقعات وتأثرها بالأحداث الوطنية.

وفي هذا الإطار أكد مصدر مسؤول بالشركة التونسية للكهرباء والغاز أن الشركة أمضت اتفاقا مع مزوّدي الشّركة بالغاز الطبيعي الوطني و خاصّة مستغلّي حقلي «ميسكار» و«صدر بعل» على تفادي برمجة إيقاف وحداتها قصد الصّيانة خلال الفترة الممتدّة من 15 جوان إلى 30 سبتمبر، وذلك نظرا لاعتماد وحدات إنتاج الكهرباء بصفة رئيسية على الغاز الطبيعي.

كما تفيد المعطيات التي تحصلت عليها جريدة «الصحافة اليوم» أن الشركة تعمل على تحقيق حاجاتها القصوى من احتياطي «الفيول» و«الغازوال» لدى مراكز الإنتاج كضمان إضافي لاستمرار اشتغال هذه المراكز في حالات النقص المفاجئ في التزود بالغاز.

أما بخصوص استعداداتها للحالات الطارئة فقد وضعت الشركة التونسية للكهرباء والغاز منظومة لطرح الأحمال (Délestage) اي الفصل الوقتي لجزء من الشبكة الكهربائية وفق برنامج محين لمنظومة طرح الأحمال يأخذ بعين الاعتبار المناطق الحساسة والمنشآت الحيوية.

ومن اجل مزيد التحكم في مستوى ذروة الاستهلاك والتقليص من نسبة نمو الطلب على الكهرباء وترشيد استعمال الطاقة الكهربائية، وضعت الشركة خطة للتواصل المباشر مع كبار المستهلكين والوزارات والإدارات العمومية لدعوتهم لترشيد استهلاكهم وقت الذروة.

وضمن خطتها الاتصالية تعمل الشركة على الاتصال غير المباشر بعموم المشتركين عبر موقع «واب» الشركة ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والصحف اليومية ومختلف صفحات التواصل الاجتماعي على تمرير ومضات تحسيسيّة والتذكير بسلوكيات يوميّة مقتصدة للطّاقة ونشر معلومات ونصائح من شانها أن تساعد المواطن على ترشيد استهلاكه أثناء ساعات الذّروة الصّيفيّة وخاصة كيفية الاستعمال الأمثل للمكيّف.

وأبرز مصدرنا أن جميع الجهود التي تبذلها الشركة التونسية للكهرباء والغاز لا يمكن أن تكلل بالنجاح دون مجهود جماعي وطني يكرس انخراط كافة الفاعلين في البلاد من حرفاء وإدارات عمومیة وشركات وصناعيين وبالطبع الإعلام ووعيهم بضرورة الحد من الاستهلاك المفرط الذي يفرضه النمط الاستهلاكي الجديد للمجتمع التونسي.