الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



أزمة الدّواء تتواصل

هل عجزت سلطة الإشراف على تطويقها؟؟



الصحافة اليوم ـ لطيفة بن عمارة

أدوية أمراض السرطان والقصور الكلوي وأمراض السكري والشرايين والضغط وغيرها من الأدوية مفقودة لدى الصيدليات....أزمة تواصلت طويلا وبدأ الحديث عنها منذ مدة على أنها أزمة مؤقتة سيتم تلافيها بصفة عاجلة ولكن الأزمة تعمقت بشكل أكبر حتى أن أدوية الأمراض العرضية كالنزلة و أدوية آلام الرأس وغيرها باتت مفقودة تماما، دون الحديث عن المستلزمات الطبية الأكيدة و البسيطة منها التي لم تعد متوفرة في المستشفيات العمومية ولا حتى في المصحات الخاصة...

أزمة رمت بضلالها على الرأي العام الذي لم يستسغ هذا الوضع الذي يهدد صحة المواطن فعبارة «الدواء مقطوع» بات يسمعها كل من يتحول إلى الصيدليات بحثا عن دواء لأوجاعه، نقص كبير وحاد حيث بلغ معدل مخزون الأدوية مرحلة خطرة في تونس وأطلق أعوان الصيدلية المركزية صيحة فزع منذ مدة للتنبيه إلى تراجع مخزون الأدوية .

أزمة خانقة تمر بها الصيدلية المركزية انطلقت منذ سنة 2016، بسبب صعوبة توريد بعض أنواع الأدوية لعدم خلاص المخابر الأجنبية، إلا أنها تفاقمت لتصل إلى مرحلة الخطر. فقد أصبحت الصيدلية شبه فارغة فأثرت على الصيدليات وعلى المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة ليصبح آلاف المرضى دون دواء وخاصة منهم الذين يعانون من أمراض خطيرة تستوجب الأدوية.

كل الأطراف المتداخلة في قطاع الأدوية تقرّ بوجود خلل واضح أمام غياب حلول سريعة وفعالة من قبل السلط المشرفة رغم التحسن الطفيف الذي يعرفه الوضع مقارنة بالأشهر الماضية وخاصة خلال الصيف. فما هي تطورات هذا الملف وهل عجزت سلطة الإشراف عن إيجاد الحلول لهذه المعضلة ؟

بالتوازي مع أزمة النقص في الدواء المسجلة بكامل تراب الجمهورية تزداد الأزمة تعمقا بسحب بعض الأدوية من الأسواق بسبب احتوائها على مواد خطيرة. وهي ليست المرة الأولى التي يتم فيها سحب أدوية من السوق بسبب تحذيرات دولية أو محلية.كل الأسباب توفرت لتتعمق أزمة نقص الدواء في بلادنا مقابل سياسة الهروب إلى الأمام من قبل وزارة الإشراف. وفي هذا الإطار أكدت ثريا التباسي نائب رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك بأن تونس تشهد نقصا فادحا في الأدوية. وبينت التباسي أنه وفقا لاستبيان قامت به المنظمة يهم شهري ماي وجوان تبين أنّ عديد ولايات الجمهورية تعاني من نقص في الأدوية المانعة للحمل خاصة بالنسبة للنساء من حاملي أمراض مزمنة .و أفادت بأن ولاية القيروان تعاني من نقص فادح بنسبة ٪35 في الأدوية المانعة للحمل فيما تسجل ولاية المنستير نقصا بـ٪40 في أدوية مرض السكري (الأنسولين ) وولايتي باجة و بنزرت نقصا بنسبة ٪28. كما أشارت التباسي إلى أن ولاية القصرين تعاني من نقص بـ٪59 في المضادات الحيوية فيما تسجل ولاية سوسة نقصا بـ٪48 في هذه الأدوية وأوضحت أن سبب هذا النقص الفادح يعود إلى تهريب الأدوية خارج حدود البلاد في اتجاه دول شقيقة، علاوة على وجود مشاكل في التوزيع.

حبر على ورق

نقص الأدوية ومختلف المواد الخاصة بالتحاليل الطبية يشكل مشكلا كبيرا بالنسبة للمرضى وخصوصا منهم التابعون للمنظومة العمومية حيث يتردد هؤلاء على المستشفيات لإجراء التحاليل فيصطدمون بأن إجراءها غير ممكن في الوقت الراهن وبجهل الإطار شبه الطبي للموعد الذي يتسنى لهم فيه العودة من جديد لإجرائها. المواطن لا يجد تفسيرا ولا يمكن إقناعه بأن هذه التحاليل تتطلب مواد كيميائية خاصة. وفي هذا السياق أفاد محمد صيود كاتب عام المستشفى الجامعي بالمهدية أن نقص الأدوية أصبح بمثابة الخبز اليومي لكل المواطنين بالجهة موضحا أن صيدلية مستشفى المهدية تعاني من نقص كبير في أدوية حياتية، وحين تقوم الجهات المعنية بإرسال طلب بالكميات المنقوصة لا تتحصل سوى على ثلث الكمية المطلوبة تقريبا.و اعتبر أن مجانية الصحة و حق المواطن في الصحة لا يتعدى كونه حبرا على ورق ومجرد تصريحات إعلامية بعيدة كل البعد عن الواقع المرير الذي يعاني منه المواطن البسيط. وأبرز أن الأدوية التي باتت تفتقر إليها الصيدليات و المراكز الصحية هي أدوية حياتية لا يمكن للمريض الاستغناء عنها وهي أدوية ارتفاع ضغط الدم وأدوية الأمراض المزمنة من قبيل داء السكري وأمراض القلب والأعصاب والجهاز التنفسي وهو الأمر الذي يؤدّي إلى تفاقم معاناة بعض مصابي الأمراض المزمنة خصوصا في الجهات حيث لا يتوفّر عدد كبير من الصيدليات وحيث يعوّل المرضى في حصولهم على الدواء على مراكز الصحة الأساسية التي لا تلبّي الكميات التي توفّرها احتياجات المرضى.

حلول ترقيعية

إن مسألة نقص الأدوية بدأت منذ 2016 ومنذ ذلك الوقت دقت النقابة ناقوس الخطر ونبهت إلى تفاقم الأمر، هذا ما أكدته في عديد المناسبات النقابة العامة لأصحاب الصيدليات الخاصة موضحا أنه رغم الانفراج الطفيف الذي لوحظ خلال الفترة الأخيرة في مسألة نقص الأدوية إلا أن الحلول المتخذة مجرد حلول مؤقتة لا تحل الأزمة من جذورها، و أن الأزمة الحالية لها حل لكن لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع بسبب قانون مجمد منذ سنة 2008 ويخص تصنيع الأدوية الجنيسة التي يمكن أن تعوض الأدوية المفقودة بسعر أقل و بفعالية مماثلة للأدوية الأخرى. عديد المختصين يقرون بوجود أدوية في تونس قد يكون لها «جينيريك» وقد تحل أزمة فقدان الأدوية لكن الصيادلة والمصنعين بصدد انتظار سن القانون الذي من شأنه إنهاء هذه الأزمة.

من جانب آخر تنفي الغرفة الوطنية لصناعة الأدوية أن يكون لمصنعي الأدوية دور في أزمة نقص الأدوية و أن المصانع تعمل بشكل عادي ولا تعاني من أية مشاكل ما عدا بعض الاضطرابات التي تحدث أحيانا وهي ليست استثنائية بل عادية باعتبارها لا تؤثر بشكل واضح على نسق صناعة الأدوية. إن ٪76.3 من كميات الأدوية التي تباع في الصيدليات في تونس هي أدوية مصنعة محليا ولولا هذه الكميات لكانت الكارثة الحقيقية.

إن كل العوامل المتوفرة في البلاد تساهم في صناعة أكثر أدوية لا في نقصها خاصة وأن عدد مصانع الدواء البشري المرخص لها من طرف وزارة الصحة قد بلغ 33 مصنعا دون اعتبار مصانع الأدوية البيطرية والمستلزمات الطبية مشيرة إلى أن عدد مصانع الأدوية البشرية المحدثة بعد سنة 2011 قد بلغ 7 مصانع جديدة كما أن تأشيرات الأدوية (التراخيص) من وزارة الإشراف بصدد التطور مع العلم أن عدد التأشيرات سنة 2017 قد تطور ليصبح 450 ترخيص لصناعة أدوية جديدة مقابل 320 ترخيص خلال سنة 2016. قطاع الأدوية هو قطاع مهم وحيوي في تونس وذلك على المستوى المحلي وعلى مستوى التصدير إذ تبلغ نسبة الأدوية الموزعة محليا 87 بالمائة من مجموع الأدوية المصنعة مؤكدة تطور نسق التصدير إذ تم عام 2017 تصدير 13 بالمائة من الأدوية المصنعة في تونس بعد أن كان يعادل 6 بالمائة سنة 2012.

مراجعة منظومة الدعم في الأدوية !!!

الصيدلية المركزية هي المورّد الوحيد للأدوية وهي الموزع الوحيد والحصري للمستشفيات العمومية ومع تفاقم أزمة الصناديق الاجتماعية وعدم قدرة المستشفيات على خلاص «الكنام» ظهرت أزمة السيولة وتفاقمت لتصبح الصيدلية المركزية عاجزة عن توفير الأدوية المطلوبة. ورغم أن الصيدلية المركزية قد سددت قرابة نصف الديون المتخلدة بذمتها لدى المزودين بحسب تصريحات رسمية إلا أن الإشكال أعمق من ذلك بكثير.

من الضروري على وزارة الصحة التسريع في إجراءات حق الصيادلة باستبدال الدواء عند تسجيل نقص في الدواء المماثل له والذي يحمل نفس المكونات وهو من أفضل الحلول لمجابهة النقص الحاصل في الأدوية التي لها جنيسها. كما تدعو عديد الأطراف إلى ضرورة رفع الدعم عن الأدوية الموردة التي لها أدوية جنيسة مصنعة محليا بالإضافة إلى مراجعة منظومة الدعم عموما مراجعة كلية وضرورة القيام بإعادة هيكلة الصناديق الاجتماعية، خاصة أمام تطور صناعة الأدوية في تونس والدليل أن 3 أدوية على 4 تباع في الصيدليات هي صنع محلي رغم عدم وعي المواطن اليوم بهذا التطور محملة المسؤولية في ذلك إلى المصنعين الذين لا يتحدثون عن هذا الموضوع للرأي العام.

إن الحديث عن انفراج في أزمة نقص الأدوية في تونس قد يكون سابقا لأوانه و هذا ليس من باب التشاؤم ولكن بالنظر إلى عديد العوامل أبرزها عدم الانطلاق الحقيقي في إصلاح منظومة الصناديق الاجتماعية التي تعتبر أصل الداء.

وقد علمنا من مصدر موثوق برئاسة الحكومة أن الشركات المصنعة العالمية التي تورّد الأدوية للصيدلية المركزية غير مسجلة بهذه المنظومة التشريعية الجديدة بالإضافة إلى المصنعين التونسيين الذين سيكونون مجبرين على التسجيل في هذه المنظومة الإعلامية ليكونوا معنيين بالصفقات العمومية في قطاع الأدوية. والسؤال الذي يطرح نفسه هل أن المصنعين و الصيدلية المركزية جاهزون لهذه المنظومة التشريعية الجديدة و هل جهزت السلط المعنية بقطاع الأدوية نفسها لمثل هذه الإجراءات خاصة بعد أن دخل الأمر الحكومي عدد 416 لسنة 2018 حيز التنفيذ؟؟؟