الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



قطاع الأدوية في تونس

التهريب والمديونية وسوء التصرّف وراء انهيار المنظومة..!



الصحافة اليوم - شكري بن منصور

تتواصل أزمة الأدوية بسبب اضطراب التزويد بواسطة المختبرات الأجنبية التي لم تحصل على مستحقاتها من الصيدلية المركزية. و يوفر قطاع صناعة الادوية الجانب الأكبر من الحاجيات الوطنية في هذا المجال و تؤكد وزارة الصحة تشجيع الاستثمار في هذه الصناعة والعمل على الوصول إلى تحقيق %70 من الاكتفاء الذاتي بحلول اواخر سنة 2020. ويشغل القطاع 10 آلاف شخص من خلال 40 مختبرا. ويعكس الوضع الحالي لقطاع الأدوية الصعوبات العديدة التي أدت إلى اضطراب التزويد وأهمها التهريب وارتفاع الأسعار وتداين المستشفيات العمومية الأمر الذي أدى إلى انقطاع عدد كبير من الأصناف من الأسواق .و يعتبر تراجع سعر صرف الدينار من أهم الأسباب التي أثرت على القطاع إضافة إلى ارتفاع مديونية الصيدلية المركزية و إحجام المزودين عن التعامل معها مجددا إضافة إلى تنامي ظاهرة تهريب الأدوية نحو الأقطار المجاورة وخاصة ليبيا. وشهد شهر جوان 2018 نقصا كبيرا في الأدوية بشكل يدعو إلى القلق على المستشفيات العمومية وكذلك الصيدليات.ويتعلق هذا النقص بالأدوية المستوردة و تقدر بـ 365 دواء لقطاع الصحة العمومية (%39.3 من المجموع) و 444 دواء بالنسبة إلى القطاع الخاص(%34,2).

ولفهم أسباب نقص الدواء قامت وكالة التصنيف المالي«Pronoia By Reckon» بدراسة حول أزمة الأدوية والعيوب التي أدت إلى اختلال وظائف المنظومة الدوائية وكيفية إدارة الأزمة من قبل وزارة الصحة ومدى تأثير التدابير المتخذة.

وتنطلق الدراسة التي تبحث في أسباب هذا النقص بالتذكير بكيفية عمل النظام قبل الازمة الأخيرة حيث تشير إلى أن النظام الصحي التونسي منظم نظريًا لضمان توفير الدواء وتوزيعه بسعر تنافسي ومستقر للمستهلك النهائي.

وتعتبر الصيدلية المركزية هي الموزع الوحيد للأدوية في تونس على القطاعين العمومي والخاص، وفيما يقوم القطاع الخاص بسداد مستحقات الصيدلية المركزية مباشرة، فإن المؤسسات الصحية العمومية من مستشفيات وصناديق الضمان الاجتماعي تعاني من أزمة مالية راكمت ديونها غير المستوفاة لدى الصيدلية المركزية ما سبب عجزا لهذه الاخيرة قدرته بـ820 مليون دينار، و جعل المخابر الاجنبية التي تتعامل معها توقف تزويدها بالأدوية إلى حين الحصول على مستحقاتها. وتشرف وزارة الصحة على مراقبة الأدوية المصنعة في تونس وكذلك المستوردة من خلال المركز الوطني لمراقبة الأدوية. هذه المراقبة تضمن الالتزام بالمعايير الصحية المطلوبة وهامش الربح على الأسعار لجميع الأدوية المعروضة في الصيدليات والمستشفيات. وتم تحديد هامش الربح بنسبة %8 للموزعين بالجملة و%27 للصيدليات. إلى جانب نقص السيولة لدى الصيدلية المركزية، أرجعت الدراسة سبب الأزمة إلى عصابات التهريب، خاصة أن العديد من المخابر التي تنتج الأدوية في تونس تدعي نفاد منتجها دون مبرر، الأمر الذي زاد من شكوك التونسيين من احتمال أن يكون هناك تسريب للأدوية بطريقة غير شرعية وبيعها إلى الدول المجاورة. وتدعم الدولة التونسية ممثلة في الصيدلية المركزية أسعار الأدوية في تونس ما يجعل سعر الأدوية هناك أرخص من سعرها في بلدان مجاورة، وهذا ما يغذي فرضية تهريب الأدوية إلى الخارج، وفقًا لعدد من المتابعين للشأن الصحي في تونس. ويقول تونسيون إن بعض الصيادلة يبيعون الأدوية للجزائريين والليبيين دون وصفات طبية وبكميات كبيرة، حتى يكون هامش الربح أوفر، فالجزائريون والليبيون يقدمون المال الكثير مقابل شراء أدوية مفقودة في بلدانهم.

التعويض أصل الاشكال

وبالنسبة إلى أي منتج طبي مستورد يكون ترخيص التسويق الذي تسنده وزارة الصحة صالحا لمدة 5 سنوات مصحوبا بالشروط والتسعيرات . أما بالنسبة إلى الإنتاج المحلي فيتم اسناد الترخيص من طرف لجنة شراء الأدوية عند الاتفاق مع المختبر على المكونات و الأسعار . وبينت الدراسة أنه في ما يتعلق بالواردات يتم تحديد سعر بيع الدواء عند استيراده لأول مرة ويبقى سعر البيع هذا دون تغيير حتى زيادة كلفة الشراء من طرف الصيدلية التونسية سواء كان ذلك بسبب مراجعة السعر من قبل المورد أو غيره.

ووفقًا للدراسة فإن حوالي %80 من المشتريات التي تقوم بها الصيدلية المركزية تتم باليورو. لذلك فإن انعدام تأثير الزيادة في التكلفة على أسعار مبيعات الدواء في السوق المحلية يفسر بتكفل الدولة بهذه الزيادة من خلال صندوق التعويض التي بلغ مستويات غير مسبوقة تقدر بحوالي 210 مليون دينار سنة 2018 أي بتكلفة اضافية بحوالي 70 مليون دينار مقارنةً بسنة 2017. وتوصلت الدراسة إلى أن التعويض له آثار معاكسة اذ أنه يغذي السوق الموازية في المناطق الحدودية مع الجزائر وليبيا حيث يتم تسجيل مستويات غير طبيعية للاستهلاك بانتظام على الأدوية عالية التعويض.

غياب الحوكمة الرشيدة

كما أن التصرف في المنظومة الدوائية يشكو بدوره عديد العيوب والاخلالات التي أدت إلى تنامي عمليات سرقة الأدوية من المستودعات والمستشفيات ومراكز الصحة الأساسية، وتعهد قضاة تحقيق بالنظر في بعض قضايا الفساد التي تمس القطاع الصحي في تونس خاصة المتعلقة بتهريب الأدوية إلى بلدان مجاورة واستعمال أدوية منتهية الصلوحية. وعلاوة على ذلك يسعى بعض رجال الأعمال المتهمين بالفساد للضغط على وزارة الصحة حتى تتنازل لهم عن مهمة توريد الأدوية، وهو ما سيثقل كاهل المواطن باعتبار أن الصيدلية المركزية تدعم هذه الأدوية الموردة سنويًا بقيمة 142 مليون دينار.

وعلى عكس القطاع الخاص لا يستفيد قطاع المستشفيات العامة من الأسعار التي يتم تعويضها حيث تتم فوترة الأدوية بأسعار كلفة الشراء والتوزيع. هذا الأمر أدى إلى زيادة مديونية الصيدلية المركزية بالنظر إلى أن المستشفيات تعتبر حريفا غير قادر على خلاص هذه الشراءات وبالتالي تتحول إلى ديون. كذلك تسببت زيادة حجم التعويض على الأدوية في تراجع أرباح الصيدلية المركزية من سنة إلى أخرى لتبلغ نسبة %3.3 سنة 2017 مما أدى إلى انخفاض اجمالي هامش الربح إلى 41 مليون دينار.

كما يعود الارتفاع المشط في المديونية في القطاع إلى الزيادة في آجال خلاص الموردين بسبب نقص السيولة وتراجع مخزون العملات الأجنبية لدى البنك المركزي بالتوازي مع تراجع قيمة الدينار حيث قامت الصيدلية المركزية بتحديد متوسط ​​شروط الدفع للموردين بـ350 يوم من المشتريات سنة 2017 مقابل 180 يوم المعتمدة عادة. هذا التأخير في الدفع زاد الوضع سوءًا وتسبب في وقف عديد المزودين التعامل مع الصيدلية المركزية مما أدى إلى نقص كبير في الأدوية في الصيدليات. وأشارت الدراسة إلى أن الديون غير المستخلصة للقطاع العمومي بلغت 920 مليون دينار سنة 2018 أي ما يمثل سنة وأربعة أشهر من رقم معاملات القطاع العام. هذه المدفوعات المتأخرة لا تعتبر خيارا ولكنها تنشأ عن الصعوبات المالية للشركة نتيجة تقصير حرفائها في عملية الخلاص نظرا لان الحرفاء في القطاع العام يظهرون تأخيرات كبيرة في الدفع على عكس القطاع الخاص.