الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



التجاوزات في قطاع البناء

هــل يــمــكـــن أن تـصــبـــح ظاهــــرة في ظـــلّ عــــدم تطبـيـيـــق القــوانيــن ?



إعداد: صبرة الطرابلسي

لم تقتصر ظاهرة الغش في تونس على المواد الغذائية أو الاستهلاكية فحسب بل طالت كذلك مجال البناء حيث تم تسجيل عديد المخالفات في هذا المجال من خلال عدم مطابقة هذه البنايات للمواصفات اللازمة وكراسات الشروط المعنية، بما يمكن أن يهدد ديمومتها وإمكانية تداعيها للسقوط إضافة إلى ما يخلفه ذلك من خسائر بشرية ومادية ولعل البناية الواقعة بشارع جون جوراس بالعاصمة المهددة بالسقوط في أي لحظة والتي مالت بعد أشهر قليلة من انتهاء أشغالها أكبر دليل على وجود حالات من هذا القبيل .

ولئن لم ترتق الحالات المسجلة على مستوى الغش في البناء إلى مستوى الظاهرة وهو ما يجعل تونس في وضع أفضل بكثير من بلدان عربية أخرى التي تشهد سقوط عمارات بشكل متكرر إلا أنه بات من الضروري التعامل بأكثر صرامة مع هذا الأمر الذي شمل حتى منشآت البنية التحتية مثل الطرقات والجسور التي سجلت بدورها وقوع مخالفات تسببت في انهيار بعض الجسور جراء نزول الأمطار.

فما هي نظم مراقبة إنشاء البنايات و منشآت البنية التحتية بصفة عامة؟

وما هي الأسباب و العوامل التي تؤدي إلى وقوع مثل هذه المخالفات الخطيرة التي تهدد سلامة الأشخاص؟

 

تعددت المخالفات التي تم تسجيلها على المستوى الفني بالبناءات سواء العمومية منها أو الخاصة في غياب باحصاءات رسمية تشخّص الوضع وهو ما يعكس نقص الاهتمام بهذا الأمر الخطير فقد أثبتت لجنة فنية رقابية السنة الماضية وجود مخالفات خطيرة بمنزل ببنزرت تولى مقاول إنجازه في إطار البرنامج الخصوصي للسكن الاجتماعي حيث تبين من خلال التدقيق الذي قامت به هذه اللجنة الفنية عدم مطابقة مواصفات هذا المسكن لكراس الشروط الفنية المطلوبة الأمر الذي دفع بالسلط المعنية إلى إصدار قرار لمنع المقاول من استكمال أشغال إنجاز 5 مساكن مدرجة ببرنامج السكن الاجتماعي كما قامت اللجنة ذاتها بإصدار 7 قرارات إيقاف أشغال و إعادتها على حساب المقاولين.

ولعل آخر الحوادث المسجلة على هذا المستوى بالقطاع الخاص هي حادثة البناية الواقعة بشارع جون جوراس بقلب العاصمة التي تصدعت جدرانها بعد أشهر معدودة من انتهاء أشغالها حيث تمايلت البناية لتحدث حالة من الهلع لدى الأشخاص الذين تسوغوا شققها في شكل مكاتب للعمل إلى جانب حالة الفزع التي أصابت المتساكنين المتاخمين لها والتي ما يزال مصيرها مجهولا إذ تم إغلاق الأنهج المحاذية لها و تركيز أعمدة حديدية لمنع مرور السيارات والمارة ضمانا لسلامتهم علما أنه تم فتح تحقيق عدلي لتحديد المسؤول عن هذه الحادثة والأسباب التي أدت إلى ميلان هذا المبنى.

كما سجلت البنى التحتية في تونس على مستوى بعض الطرقات و الجسور حوادث انهيار أو تصدع جراء العوامل الطبيعية على غرار هطول أمطار غزيرة أو الثلوج في المناطق الغربية للبلاد من ذلك انهيار جسر سنة 2014 على مستوى الطريق الوطنية رقم 16 الرابطة بين قابس وقبلي والذي خلف ضحايا بشرية نتيجة انزلاق سيارات أثناء عبور الجسر و سقوطها بالوادي و هي ليست الحالة الوحيدة المسجلة على هذا المستوى فما إن تتساقط بعض الأمطار الغزيرة في عديد المناطق من الجمهورية إلا وتكشف البنية التحتية عن عيوبها فتنقطع الطرقات و تتصدع بعض الجسور أو تسقط و تسجل الإنزلاقات الأرضية وهو ما يطرح نقطة استفهام حول مدى مطابقة هذه المنشآت للمواصفات المطلوبة و مدى توفر الضمانات اللازمة لسلامتها و سلامة مستعمليها.

ضعف الرقابة

لم يشهد قطاع البعث العقاري منذ الستينات أي حادثة تهم انهيار مبنى أو تسجيل مخالفات خطيرة على مستوى المواصفات المطلوبة ذلك أن قطاع البعث العقاري العمومي يخضع لنظام رقابي ساهم في المحافظة على جودة المباني المنجزة وجعل سلامة المنشآت المنجزة في تونس مضمونة مقارنة بالبلدان العربية الأخرى التي تسجل تكرر حوادث انهيار عمارات حديثة التشييد على غرار ما وقع عدة مرات بمصر.

هذا ما أكده السيد فهمي بن شعبان رئيس غرفة الباعثين العقاريين موضحا أن هذا القطاع يخضع لنظام رقابي متعدد الأوجه و يهم مختلف مراحل إنجاز المباني بدءا بمرحلة الدراسات مرورا بالأشغال وصولا إلى نهايتها مضيفا أنه على إثر التقدم بطلب للحصول على رخصة البناء يتم التعاقد مع مكتب دراسات مختص في الخرسانة المسلحة وفي الكهرباء لإنجاز الدراسات اللازمة لمشروع المبنى المزمع إنجازه وتخضع هذه الدراسات إلى الرقابة من قبل مكاتب مراقبة خاصة مصادق عليها من طرف وزارة التجهيز حيث تتولى مراقبة أمثلة المشروع les plans والنظر في مدى مطابقة هذا المثال للمواصفات والشروط الواجب توفرها ثم تقع المصادقة عليها ليقع الإذن بانطلاق الأشغال التي تخضع بدورها لعملية مراقبة فلا يتم وضع الخرسانة المسلحة إلا بعد أن يصادق عليها مكتب المراقبة المختص وفي نهاية الأشغال يتولى مكتب المراقبة ومكتب الدراسات الذي تولى متابعة المشروع بتقديم شهادة تقضي بمطابقة المشروع للمواصفات المطلوبة من عدمها.

وبيّن السيد فهمي بن شعبان أن القطاع العقاري العمومي لا يشهد تجاوزات تذكر نظرا لخضوعه لمنظومة رقابية جيدة لكن بالنسبة للقطاع العقاري الخاص فإن الأمر يختلف حيث يشكو هذا الأخير من نقص في المراقبة بسبب التكلفة المالية التي تتطلبها هذه المهمة من ناحية ولتكليف مهندسين معماريين ليست لهم الخبرة الكافية التي تمكنهم من أداء هذه المهمة على أكمل وجه لذلك يجب على السلط المعنية مراجعة نظم مراقبة القطاع العقاري الخاص لتفادي وقوع تجاوزات قد تشكل خطورة على سلامة المباني المنجزة.

تجاوزات

إن منظومة الصفقات العمومية التي تفرض على المترشحين للفوز بالعرض المتعلق بالمشروع محل المنافسة تقوم على اختيار المقاول الذي يمكنه أن ينفذ هذا المشروع بأقل تكلفة ممكنة ويكون ذلك عادة على حساب جودة المنشأة المزمع إنجازها.

هذا ما أوضحه السيد جمال القصيبي رئيس الغرفة الوطنية لمقاولي البناء مضيفا أن عدد مكاتب مراقبة إنجاز المباني بمختلف مراحلها يعتبر محدودا ولا يمكن أن يغطي حجم المشاريع المنجزة إلى جانب الأخطاء التي يرتكبها العاملون بهذه المكاتب التي تعود لأسباب مختلفة منها نقص خبرة المهندس المكلف بالتدقيق و المراقبة أو للضغط على التكلفة التي تكون عادة على حساب جودة المباني المنجزة ذلك أن ما يمكن أن نسميه غشا في البناء أو عدم مطابقة مواصفات المشروع للشروط اللازمة الواجب توفرها هو أساسا يعود إلى أخطاء يتم ارتكابها دون قصد, وأضاف محدثنا في السياق ذاته أن المخالفات المسجلة في قطاع البناء لا تعتبر فادحة ولم تفض إلى نتائج كارثية كالتي تقع في بلدان عربية أخرى لكن هذا لا يمنع أنه يجب التعامل بأكثر حزم على مستوى مراقبة إنشاء المباني و ردع المخالفين.

غش في مختلف المراحل

يمكن أن نصنف الغش في قطاع البناء وفق نوعية المباني إذ تهم هذه المخالفات المباني العمومية منها و الخاصة وكذلك المنشآت العمومية على غرار الجسور والطرقات والمحوّلات ويرتبط الغش في هذا القطاع بالفساد.

هذا ما أوضحه السيد محمد مرزوق رئيس عمادة المهندسين المعماريين مضيفا أن الغش يهم مختلف مراحل إنشاء المباني بدءا بالأرض التي يجب أن تكون المساحة المبنية فوقها محددة بطرق علمية مرورا برخصة البناء الذي يجب أن تستجيب للمواصفات و الشروط الموضوعية الواجب توفرها وصولا إلى البناء أو الأشغال.

وأضاف محدثنا في السياق ذاته أن إشكال الغش في البناءات يعود أساسا الى سببين رئيسيين يتعلق الأول بتمويل مشروع البناية فكلما تم الضغط على التكلفة إلا وكان ذلك على حساب الشروط الفنية الأمر الذي يقلل من جودتها ويقلص من تطبيق الشروط الموضوعية الواجب توفرها ويرتبط ذلك أساسا بقلة الوعي ذلك أن تجاهل بعض التفاصيل الفنية التي يراها المسؤولون عن تنفيذ المشروع عادية قد تكون له تداعيات سلبية على جودة البناية لاحقا إلى جانب عامل التكلفة الذي يؤثر بدوره على جودتها.

وبين السيد محمد مرزوق أنه يجب الفصل بين البنايات المدنية على غرار المستشفيات والمدارس العمومية وغيرها وبين البنايات الخاصة التي يشرف عليها إما شخص أو مستثمر خاص و كلاهما يخضعان لنظام مراقبة يكون للمهندس المعماري الدور الأساسي في المصادقة على سلامة هذه البناية من عدمها ومدى مطابقتها للمواصفات المطلوبة لذلك ضبط القانون التونسي تعريفة مالية محددة للمهندس المعماري لا يجب أن تقل عنها لتفادي انزلاقه في مشاكل الارتشاء و الفساد ذلك أن دور المهندس حساس جدا ويمكن أن تفتح بعض الأطراف أمامه بابا للإغراء المادي والذي يكون على حساب جودة و سلامة البناية .

وأضاف محدثنا أنه في تونس لا يوجد نظام واضح يضبط الشروط التقنية والفنية التي تتماشى والمناخ التونسي ذلك أن المواصفات المعتمدة في تنفيذ المباني هي في مجملها مواصفات عالمية وليست تونسية ولم يقع تحيينها منذ ما يزيد عن 20 سنة موضحا أن هذا الأمر يخدم مصلحة الطرف الأجنبي لأن أغلب المشاريع المدنية تكون بتمويل خارجي في شكل قروض واعتماد المواصفات العالمية فيه خدمة لمصلحة لهذا الطرف من خلال ترويج منتوجه الموظف في المشروع والذي يقع التنصيص عليه في كراس الشروط التي تضبط مواصفات المبنى المنجز.

وأبرز السيد مرزوق أن الأخطاء أو التجاوزات المسجلة في قطاع البناء تتعلق أغلبها برفاهية المبنى وعلاقته بالتحكم في الطاقة أو بالشروط البيئية أو على مستوى وضع اللمسات الأخيرة المتعلقة بجماليته finition لكن على مستوى سلامة المبنى فإنه في تونس لم يقع تسجيل مخالفات خطيرة على هذا المستوى مضيفا أن المهندس المعماري التونسي يجد نفسه أمام خيارين لا يلتقيان فإما تطبيق المبادئ التي درسها ليعتمدها في عمله والتي تفرض ضرورة توفر مواصفات معينة في مثال المبنى وإما الضغط على التكلفة التي تكون غالبا على حساب جودة المبنى مشيرا إلى أن المهندس يجب أن يكون له دخل محترم حتى يتمكن من تحسين قدراته المهنية من خلال القيام بتكوين مستمر لتحسين قدراته و كذلك ليكون بعيدا عن إمكانية الانزلاق في مطب الارتشاء مضيفا أن البنايات المدنية تخضع للرقابة ويمكن التفطن إلى الأخطاء المرتكبة سواء على مستوى المثال أو الأشغال و بالتالي يمكن منع استغلال هذا المبنى ما لم يتحصل على شهادة المصادقة على استجابته للمواصفات المطلوبة لكن الإشكال يكمن في الخواص أو الأشخاص الذين يقومون ببناء منزل خاص وقد يكون غير مطابق لمواصفات الجودة أو السلامة و لا يخضع لمراقبة الجهات المعنية فإنه يكون عرضة لتسجيل بعض الأخطاء التي يمكن أن تؤثر على سلامته.

وبين محدثنا في سياق متصل أن الأخطاء المرتكبة في قطاع البناء يتم تحميل مسؤوليتها عادة للمراقبين لكن في الواقع فإن المسؤولية مشتركة يتقاسمها المقاول كذلك باعتباره المسئول الأول عن تنفيذ الأشغال.

وفي ما يخص الأخطاء أو المخالفات المرتكبة على مستوى منشآت البنية التحتية من جسور وطرقات و محولات أوضح السيد محمد مرزوق بأنها مرتبطة أساسا بالضغط السياسي الذي تخضع له ذلك أنه عادة يقع إلزام المهندس بتصميم أو إعداد المشروع بتكلفة معينة تكون عادة على حساب جودة هذه المنشأة لذلك سرعان ما تنكشف عيوب البنية التحتية في تونس مع نزول الأمطار أو تساقط الثلوج فنرى جسورا تنهار وانزلاقات أرضية وطرقات تنقطع مضيفا أن الرقابة في هذا القطاع قد تراجعت بعد الثورة والأخطر من ذلك أنه لا توجد محاسبة للمخالفين إذ لم يقع تسجيل أي قضايا أو شكاوى في هذا الاتجاه وهذا ما من شأنه أن يفتح الباب أمام تواصل هذه التجاوزات التي يدفع المواطن في النهاية ضريبتها مضيفا أن التجاوزات في هذا القطاع موجودة بمختلف بلدان العالم لكن الفرق بين تونس وهذه الدول أنهم يقومون بإنجاز تقارير تكشف عن وقوع تجاوزات في المنشآت العمومية حيث تأخذ العدالة مجراها بمحاسبة المخالفين وبتحديد مواصفات الجودة التي يتم صياغتها وفق هذه التقارير وهو ما ليس موجودا في تونس فالسلطات دائما تتدخل متأخرة بعد أن تقع الكارثة ويقتصر تدخلها على فتح تحقيق الذي لا يفضي في النهاية إلى أي نتيجة ذلك أن عمادة المهندسين المعماريين طالبت بالحصول على نتائج التحقيقات المتعلقة بانهيار مبنى سوسة الذي لم يثبت أن تقادمه هو السبب إلا أن العمادة لم تتلق ردا إلى الان .

و أشار محدثنا الى أن ميلان مبنى شارع «جون جوراس» ليس الحادثة الأولى التي تم تسجيلها في تونس لكن الميلان ليس دائما علامة خطر أو مؤشرا لانهيار المبنى إذ توجد عديد المباني المائلة في العاصمة و التي تصل درجة ميلانها إلى 10 صنتمترات وهذا ليس بهيّن وتقرير المهندس هو الذي يحدد مدى خطورة هذا الميلان من عدمه فقد شهد أحد النزل المعروفة بالعاصمة حادثة ميلان و تم القيام بالصيانة و الأشغال اللازمة لإصلاحه و تمت إعادة استغلاله.

وأكد السيد محمد مرزوق أن القوانين التي تحاسب مقترفي هذه المخالفات موجودة لكن ما ينقص هو التطبيق ومحاسبة المخالفين حتى لا تتكرر مثل هذه التجاوزات مشيرا الى أن الدولة نفسها تخالف القانون فما بالك بالأشخاص إذ تتخذ بعض البلديات مقرات لها ببناية غير مرخص لها أو لا تستجيب للمواصفات كما أن القانون يفرض وجود مهندس معماري صلب لجنة منح رخص البناء لكن عديد البلديات لم تحترم هذا الإجراء ولم تنتدب مهندسا صلب اللجنة و بالتالي فإن الدولة بدورها مخالفة.

وبين محدثنا أن عمادة المهندسين المعماريين قد أعدت مشروع مراقبة إلكتروني منذ 2017 يمكّن المهندس من وضع ختم المصادقة على رخصة البناء ويمكن من مراقبة مضاعفة لهذه الرخص من قبل مهندس آخر لمنع وجود تجاوزات في هذا الخصوص الأمر الذي سيوفر الرقابة المالية و الإدارية للمهندس.

وتجدر الإشارة إلى أن «الصحافة اليوم» حاولت الاتصال بمدير البناءات المدنية بوزارة التجهيز إلا أنه تعذر علينا ذلك نظرا لكونه في عطلة.

ولئن توجد قوانين من شأنها محاسبة المخالفين في قطاع البناء الذي لم يسجل أخطاء كارثية إلى حد الآن إلا أن الاستخفاف بتطبيق هذه القوانين يمكن أن يؤدي إلى وقوع كوارث نحن في غنى عنها.