الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



أزمة الحليب تشتدّ

المحتكـرون يستغلـون الـوضع والمنظومـة مهـدّدة بالانهيــار فهل عجــزت الـرقابـة ؟



إعداد: صبرة الطرابلسي

بعد تتالي الزيادات في الأسعار التي استثنت المواد الأساسية منذ بداية السنة الجارية انطلقت مفاوضات الزيادة في أسعار الحليب بين وزارة التجارة ومهنيي القطاع و التي تم تأجيلها بعد انتهاء شهر رمضان.

فقد سبق وأن هدد المهنيون بإيقاف تجميع وتوزيع الحليب مطالبين بزيادة تقدر بـ240 مليم للتر الواحد من الحليب والتي يرون أنها زيادة معقولة وضرورية لإنقاذ منظومة الألبان التي أصبحت مهددة بالانهيار بعد ارتفاع تكلفة إنتاج الحليب.

ورغم عدم الإقرار إلى حد الآن بزيادة رسمية في أسعار الحليب إلا أن المحتكرين والمضاربين الذي يستغلون حاجة المواطن لهذه المادة الأساسية دخلوا على الخط ليروجوا الحليب بأسعار أرفع من التسعيرة التي لم تشهد بعد أي تغيير إلى جانب سحب كميات الحليب الموجودة في السوق من صنف نصف الدسم ليقوموا بتخزينها إلى حين إقرار الزيادة الرسمية وهو ما فتح المجال أمام عديد التجاوزات منها الاحتكار والبيع المشروط وسط تشكيات المواطن من نقص إن لم نقل فقدان مادة الحليب بالأسواق خاصة أن عديد العائلات لها أطفال ويعتبر الحليب مادة غذائية ضرورية بالنسبة إليهم وهو ما يطرح نقطة استفهام حول تواصل هذه الممارسات الاحتكارية في غياب الرقابة الاقتصادية .

فما هي أسباب عودة أزمة الحليب وما هو واقع منظومة الألبان في تونس ومتى تنفرج الأزمة ويعود المنتوج إلى الأسواق بصفة طبيعية .

نقص الحليب في الأسواق و فقدانه في بعض المناطق في الفترة الأخير وبيعه بأسعار غير قانونية كان له الأثر السيء لدى المواطن الذي أنهكته الزيادات المستمرة في الأسعار و أدت إلى تراجع مقدرته الشرائية ليجد نفسه هذه الأيام ضحية ممارسات احتكارية لا ذنب له فيها حيث أقدم بعض التجار على تجميع كميات من الحليب المعلب و تخزينها لترويجها لاحقا بعد إقرار الزيادة المبرمجة في سعر اللتر الواحد من الحليب والذي سيصبح في حدود 1340 مليم للتر الواحد في حال استجابت الحكومة لطلب المهنيين .

السيدة سلوى الوسلاتي هي ربة بيت وأم لطفلين أحدهما رضيعة حيث أخبرتنا حين التقيناها بإحدى المساحات التجارية أنها مستاءة جدا من النقص الفادح في مادة الحليب نصف الدسم في السوق مضيفة أن الحليب إما مفقود أو أنه يباع بيعا مشروطا حيث يفرض التاجر على المستهلك اقتناء الياغورط وتساءلت محدثتنا عن أسباب صمت الهياكل الرقابية على هذه الممارسات فما ذنب المواطن الذي لم يعد قادرا حتى على توفير أحد أهم المواد الأساسية لأطفاله .

و أكد في سياق متصل السيد سليم الحمروني و يعمل موظفا أنه اضطر لاقتناء الحليب بسعر يفوق التعريفة الحالية بنحو 200 مليم و رغم أنه يعلم أن هذه الممارسة غير قانونية إلا أنه اضطر إلى الخضوع لهذا الأمر نظرا لحاجة طفله الذي يبلغ من العمر سنة لهذه المادة الأساسية بالنسبة له مبينا أنه مستغرب من هذه الممارسات الاحتكارية و فقدان هذه المادة الأساسية في الأسواق في حين أن المقاهي تعمل بصفة طبيعية و تستغل الحليب في الوقت الذي لم يجد المواطن لترا واحدا ليطعم به أبناءه.

كما عبر محدثنا عن استيائه من الزيادات المستمرة في الأسعار التي وصلت للمواد الأساسية و منها الحليب حيث لم يعد المواطن يقوى على مجابهة نزيف الغلاء خاصة بالنسبة لفئة الموظفين الذين لم يعد راتبهم الشهري قادرا على الصمود لنهاية الشهر كي يغطي المصاريف فأصبح التداين من البنك أو ما يعرف «بالروج» خياره الوحيد واصفا الوضع بالكارثي و بأنها سياسة لتفقير الشعب .

ارتفاع تكلفة الإنتاج

إن مطالبة مهنيي القطاع من فلاحين و مجمعين و مصنعي الحليب بالزيادة في أسعاره هي ضرورة فرضها الواقع بشدة و لم يبق لدينا خيار آخر بعد أن بات قطيع الأبقار مهددا بالاضمحلال نتيجة تفاقم ظاهرة تهريبه إلى الجزائر و تفريط الفلاحين فيه نظرا لارتفاع أسعار العلف والمحروقات و هو ما جعل تكلفة إنتاج الحليب تفوق سعر البيع الحالي .هذا ما أكده السيد حمزة العيفي رئيس الغرفة الوطنية لمراكز تجميع الحليب موضحا أن مطالبة مهنيي القطاع بالزيادة في سعر الحليب ليس الهدف منه تحميل المواطن عبء زيادة جديدة في الأسعار بل هي ضرورة يفرضها الواقع اليوم حتى تحافظ منظومة الألبان على ديمومتها و على نسق إنتاجها الذي يغطي حاليا الطلب لكن إذا لم تتم الزيادة في سعر الحليب فإن هذه المنظومة يمكن أن تتلاشى مستقبلا و تضطر الدولة حينها إلى توريد الحليب و ما يمكن أن يصاحب هذا الإجراء من تداعيات سلبية إلى جانب ما يمكن أن تتكبده الدولة من خسائر باعتبار ما تفرضه عملية التوريد من عملة صعبة في الوقت الذي تشكو فيه الدولة نقصا في احتياطي العملة الصعبة واختلال ميزانها التجاري .

و بين محدثنا في السياق ذاته أنه تمت المطالبة بزيادة قدرها 134 مليم في سعر اللتر الواحد عند البيع بالنسبة للفلاح و 76 مليما بالنسبة للمجمعين و 46 مليما بالنسبة للمصنع مضيفا أن حلقات الإنتاج الثلاثة قد قامت بتعديل قيمة الزيادة في سعر الحليب بهدف تسهيل المفاوضات مع وزارة التجارة و إيجاد حل وسط يراعي مصلحة المهنيين من ناحية و القدرة الشرائية للمواطن من ناحية ثانية لكن رغم ذلك لم تفض المفاوضات مع وزارة التجارة إلى أي نتيجة إلى حد الآن مشيرا إلى أن هذا الوضع لا يخدم سوى مصلحة المحتكرين الذين استغلوا هذا الوضع أسوأ استغلال و قاموا بتخزين كميات هامة من الحليب بهدف ترويجها لاحقا بالتسعيرة الجديدة في حال تم إقرار هذه الزيادة في سعر اللتر من الحليب .

و أكد محدثنا أن حلقة إنتاج الحليب متواصلة و لم تتوقف و ما نقص الحليب المسجل بالأسواق سوى نتيجة دخول المحتكرين على الخط حيث أقدم بعض التجار على بيع الحليب بسعر أرفع من السعر الحالي إلى جانب إجبار المستهلك على شراء أصناف أخرى من الحليب من ذلك الحليب كامل الدسم أو ممارسة البيع المشروط مؤكدا على ضرورة التدخل العاجل للسلط الرقابية لإيقاف هذه الممارسات و دعا في السياق ذاته إلى التسريع في إقرار الزيادة المرتقبة في سعر الحليب حتى يقع قطع الطريق أمام هؤلاء المحتكرين .

على المواطن أن يكون متفهما ...

إن نسق إنتاج و ترويج الحليب ما يزال مستمرا بصفة طبيعية إذ يبلغ حجم الإنتاج اليومي من الحليب مليون و 800 ألف لتر و يتم بيع ما بين 1,500 مليون لتر و1,600 مليون لتر كل يوم وهو تقريبا نفس حجم مبيعات شهر رمضان المعظم.

هذا ما أكده السيد كمال الرجايبي مدير عام المجمع المهني المشترك للحوم الحمراء والألبان مضيفا أن نقص الحليب المسجل في الأسواق يعود إلى الممارسات الاحتكارية في مسالك التوزيع حيث أقدم بعض التجار على تخزين كميات هامة من الحليب نصف الدسم قصد ترويجها لاحقا بعد الإعلان عن الزيادة في سعر الحليب وذلك بهدف تحقيق أرباح مضاعفة .

وبين محدثنا أن إنتاج الحليب نصف الدسم قد شهد تراجعا بنسبة تقدر بـ 5 بالمائة مقارنة بالسنة الماضية ذلك أن الأشهر الخمس الأولى من السنة الجارية شهدت تراجعا على مستوى تجميع الحليب بنسبة 4 بالمائة و حوالي 7 بالمائة على مستوى قبول الحليب في وحدات التصنيع ,مضيفا أن الزيادة في سعر الحليب باتت ضرورية أمام الارتفاع المتزايد لتكلفة إنتاج الحليب بالنسبة لحلقات الإنتاج الثلاثة وهي الفلاح والمجمعين و المصنعين حيث لم تعد التسعيرة الحالية لبيع الحليب قادرة على تغطية مصاريف الإنتاج في ظل تواصل ارتفاع علف الأبقار و تراجع الدينار وباعتبار أن جزءا هاما من الأعلاف يتم توريده مع العلم أن سعر العلف المركب قد ارتفع بنسبة 15 بالمائة مقارنة بالسنة الماضية إلى جانب التراجع المستمر في قطيع الأبقار حيث اضطر بعض الفلاحين خاصة الصغار منهم الى التفريط في أبقارهم بالبيع نظرا للخسارة التي يتكبدونها جراء عدم تغطية سعر البيع لمصاريف الإنتاج.

وأوضح السيد الرجايبي أن منظومة الألبان باتت مهددة بالانهيار أمام تواصل تراجع القطيع لذلك فإن الزيادة في سعر الحليب ضرورية لإنقاذ هذه المنظومة التي توفر آلاف مواطن الشغل و تمثل جزءا من الأمن الغذائي الوطني باعتبار أهمية إنتاج الحليب الذي يغطي السوق المحلية مضيفا أن الزيادة المأمولة لا تضاهي المتاعب التي يتكبدها الفلاح عند تربية الأبقار و تحمل مشاق مختلف مراحل الإنتاج الذي يمر عبر المجمعين ثم المصنعين ليصل الى المستهلك في النهاية كمنتوج نهائي فالزيادة في تسعيرة الحليب ستضمن ديمومة هذه المنظومة وسيقع العمل على تطويرها مستقبلا و معالجة الإشكاليات الهيكلية التي يشكو منها القطاع و التفكير في إيجاد الصيغ المناسبة لتحسين جودة الألبان و مراعاة القدرة الشرائية للمواطن ومن بين المقترحات التي يتم تدارسها في هذا الاتجاه توفير علبة حليب بسعة 2 لتر تكون اقتصادية للعائلة و بأقل سعر من علبة اللتر .

و أشار محدثنا أنه في حال لم يتم إيجاد حل لأزمة الحليب الراهنة و الزيادة في تعريفة البيع فإن المستهلك سيكون متضررا لاحقا باعتبار أن تراجع نسق الإنتاج قد يصل إلى حد عدم القدرة مستقبلا على تغطية الطلب و هو ما سيفتح الباب أمام التوريد و حينها سيكون المواطن مجبرا على شراء علبة الحليب بسعر مضاعف قد تصل إلى 2 دينار.

إيجاد صيغ ملائمة

إن تمديد مفاوضات الزيادة في أسعار الحليب فتح المجال أمام المحتكرين لاستغلال الوضع و ارتكاب عديد الممارسات الاحتكارية التي كان المستهلك كالعادة ضحيتها لذلك لابد من الإسراع في الحسم في مسألة الزيادة في أقرب الآجال لقطع الطريق أمام هؤلاء المخالفين، هذا ما أوضحه السيد لطفي الرياحي رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك مضيفا أن المنظمة ليست مع الزيادة في سعر الحليب لأن المستهلك التونسي لم يعد في وسعه تحمل عبء زيادات جديدة في الأسعار لكن يجب أن يقع إيجاد صيغ ملائمة تراعي المقدرة الشرائية للمواطن فمن غير المعقول أن يتمتع نحو 10 آلاف و500 مقهى بنفس تسعيرة الحليب المدعمة التي يتم بيعها للمستهلك و في هذا الإطار تقترح المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك أن يتم مستقبلا تقديم القهوة لحرفاء المقاهي مرفوقة بكبسولة حليب تكون لها تسعيرة معينة على غرار ما هو معمول به في عديد الدول الأخرى مؤكدا أن مثل هذه الحلول من شأنها أن تراعي من ناحية القدرة الشرائية للمواطن و من ناحية ثانية تتم المحافظة على منظومة الألبان من خلال حوكمة التصرف فيها .

برنامج مراقبة

عرف السوق اختلالا في تزويد الحليب نتيجة نقص المبيعات لبعض العلامات التجارية بالنظر إلى الطلب حيث تم تسجيل زيادات غير قانونية في بيع الحليب وصلت إلى 1300 مليم للتر و قد انطلقت عمليات المراقبة الاقتصادية للتصدي إلى هذه الممارسات الاحتكارية منذ الأسبوع الماضي لتتواصل طوال الأسبوع الجاري.

هذا ما أوضحه السيد شكري رجب مدير عام المنافسة و المراقبة الاقتصادية مضيفا أن انتشار الممارسات الاحتكارية لبيع الحليب رافقتها مخالفات اقتصادية أخرى على غرار البيع المشروط إذ يقدم بعض التجار على الاشتراط على المستهلك بيع الياغورط مع الحليب أو بيع هذه المادة بغير الأسعار القانونية و سيتم التصدي لهذه الممارسات من خلال تجنيد فرق المراقبة الاقتصادية التي ستعمل طوال الفترة القادمة على الحد من هذه الظاهرة ,مشيرا أنه أصبحت هناك سوق موازية لبيع الحليب حيث أقدم بعض التجار على تخزين كميات هامة من الحليب و هو ما تسبب في نقصه في السوق و ذاك بهدف ترويجه لاحقا بعد الإعلان عن الزيادة المرتقبة مؤكدا أنه تم الاتفاق مع مصنعي الحليب على عودة تزويد السوق بصفة منتظمة و تغطية النقص المسجل في الفترة الأخيرة.

و أوضح السيد شكري رجب أن المفاوضات المتعلقة بنظر وزارة التجارة في مطالب مهنيي القطاع أي الزيادة في أسعار الحليب ما تزال جارية علما أن وزير التجارة أكد أنه لا توجد زيادة حاليا في سعر الحليب.

و بين مطالب مهنيي القطاع بضرورة الترفيع في سعر الحليب إنقاذا لمنظومة الألبان التي أصبحت مهددة بالانهيار و بين تشكيات المواطن من الزيادات المستمرة في الأسعار التي لم يعد في وسعه تحملها تبقى للحكومة الكلمة النهائية للبت في هذه المسألة لإيجاد صيغة ملائمة تراعي مصلحة كل الأطراف .