الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



قانون التصريح بالمكاسب

حتى لا يبقى حبرا على ورق



إعداد: لطيفة بن عمارة

من أين لك هذا؟ربما أصبح بالإمكان الإجابة على هذا السؤال ولو لفئة معينة بعد أن صادق البرلمان التونسي يوم 17 جويلية 2018 على قانون يهدف إلى مقاومة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح. فمن المفروض أن يساعد هذا القانون على مقاومة الفساد، بجعل التصريح على المكاسب والمصالح إلزاميا، خاصة في الوظيفة العمومية. حيث لا تقتصر قائمة الأشخاص المعنيين بالتصريح على ممتلكاتهم ومصالحهم، على الموظفين العموميين أو على النواب بل ينطبق القانون أيضا على الصحفيين والمسؤولين في وسائل الإعلام وفي الجمعيات والأحزاب السياسية والنقابات، بالإضافة إلى المسؤولين في الشركات الخاصة المتعاقدة مع الدولة. وقد دعم هذا القانون الجديد المنظومة التشريعية لمكافحة الفساد والرشوة في تونس،وقد جاء هذا القانون في وقت تعرف فيه البلاد بروز طبقة من الأثرياء الجدد ظهرت في مرحلة الانفلات التي عرفتها البلاد منذ 2011 ووسط استفحال لافت لظاهرة الفساد والإثراء غير المشروع ولحالات تحقيق مكاسب ومصالح هامة من قبل كثيرين بطرق غير شرعية لا تتناسب ومداخيلهم الحقيقية.و على قدر أهمية هذا القانون كثرت الانتقادات التي طالته بسبب الفئوية و اختيار أشخاص دون غيرهم يُطبق عليهم هذا القانون. فلماذا تم اختيار فئة دون الأخرى؟ وماهي المقاييس المعتمدة في هذا التصنيف للمعنيين بالتصريح؟ خاصة و أن الدولة تخسر سنويا نحو 4 نقاط نموا جراء تفشي الفساد. والسؤال المطروح أكثر هل ينتهي التصريح بالمكاسب إلى المحاسبة أم انه يغطي على الفساد ويمثل ما يمكن أن يشبه العفو التشريعي؟وما مدى نجاعة هذا القانون في الحد من منسوب الفساد في البلاد؟

تتواتر شبهات الفساد والاختلاس وتضارب المصالح في الحياة العامة في تونس، لذلك جاء قانون الإثراء غير المشروع للحد ومقاومة هذا الخطر. فمن هم الذين ستشملهم إلزامية التصريح على المكاسب ؟ووفق أي آليات؟. هذا القانون يؤكد على أنه يتوجّب على المسؤولين رفيعي المستوى (في رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، البرلمان، الهيئات الدستورية، الجماعات المحلية، المجلس الأعلى للقضاء...) أن ينشروا تصاريحهم على موقع الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد. أما بالنسبة إلى تصاريح بقية الفئات الملزمة بتطبيق القانون، فهي غير معنية بالنشر للعموم.وبالإضافة إلى التصريح بممتلكاته ومصالحه، يجب على الشخص المعني أن يُصرّح بممتلكات قرينه أو قرينته وأطفاله(ها) القصر. في المقابل، لا يشمل هذا الإجراء، مكاسب الأصول، الإخوة والأخوات وبقية الأقرباء.

ويشار إلى أن قانون التصريح بالمكاسب يهدف وفق المختصين إلى الوقاية من الإثراء غير المشروع ومن تضارب المصالح أما الفئة التي يشملها فلا تتعلّق بها شبهة فساد بل الهدف من القانون حمايتها من الوقوع في إغراءات الإثراء غير المشروع وتحقيق مصلحة من خلال الوظيفة التي يشغلونها وتتم هذه الحماية عبر التصريح بالمكاسب والمصالح بالإضافة إلى التوقي من تضارب المصالح والامتناع عن قبول هدايا لفائدة النفس أو لمن تربطه به صلة .وتشمل القائمة 37 فئة من التونسيين. وهم مطالبون جميعا بالتصريح بمكاسبهم ومصالحهم أمام هيئة مكافحة الفساد وفق شروط وإجراءات وآجال ضبطها القانون. يشار إلى أن الأشخاص المعنيين قد تمتعوا بأجل 60 يوما لتقديم تصاريحهم إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ثم تم منح آجال إضافية قبل اتخاذ العقوبات، في حالة عدم التصريح.وإذا لم يطرأ تغيير كبير في الأثناء على المكاسب والمصالح ، فإن التصريح يتمّ وجوبا كل ثلاث سنوات، ثم في آخر العهدة أو عند انتهاء الوظيفة. كما يتوجب على المسؤولين في المؤسسات المعنية تسليم قائمة بالأشخاص الملزمين بالتصريح، للهيئة الوطنية لمقاومة الفساد وتحديثها كلما اقتضى الأمر. وتلتزم الهيئة ، كل ستة أشهر، بنشر قائمة إسمية بالأشخاص الذين قدّموا تصاريحهم وأولئك الذين امتنعوا عن ذلك. وتتولى الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد بالضرورة فتح تحقيق حول مدى صحّة تصاريح المسؤولين السياسيين والموظفين السامين والقضاة. ويمكنها أيضا أن تُقرّر فتح تحقيق حول أشخاص آخرين بسبب رفضهم التصريح بمكاسبهم.

نقائص وإخلالات!!!

احترز بعض المتابعين على قائمة المعنيين بالتصريح بالمكاسب والمصالح واعتبروا أنها منقوصة وكان بالإمكان أن تشمل فئات أخرى من التونسيين بالنظر إلى ما يتوفر في أنشطتهم ومهنهم من فرص ملائمة للكسب غير المشروع أو للاستفادة من تضارب المصالح وكان من الأجدى حسب رأي المختصين أن تشملها قائمة الـ37 صنفا وظيفيا المعنية بالقانون على غرار المهن الحُرة أو بعض الأصناف الأخرى من الأنشطة منها المحامون والأطباء والصيادلة ورجال الأعمال .. واعتبر آخرون أن التقديرات تشير إلى أن عدد المطالبين بالتصريح يقدر بـ350الف تونسي فهل أن إمكانية الفساد والإثراء غير المشروع لا يمكنها أن تطال غير هذه الدائرة الضيقة من قائمة الـ 37 خاصة وان الفساد والرشوة اليومية تحولت في تونس إلى عقلية استفحلت في السنوات الأخيرة وهي في حاجة إلى علاج عميق وتغيير للعقليات.

كما يرى المختصون أيضا أنه يجب مزيد تطوير هذا القانون وتنقيحه مستقبلا إذا اتضح أنه لم يتضمن بعض الإجراءات أو أنه لم يتضمن بعض الفئات المعنية بالكسب غير المشروع. من جهة أخرى فإن التصريح بالمكاسب يقتصر على دائرة ضيقة من أقارب المعنيين بالتصريح إذ يكتفي بالتصريح على مكاسب الفرد والقرين والأبناء في الكفالة في حين يترك إمكانية اختلاس المال العام من خلال أشخاص غير معنيين بالقانون على غرار الأصول والفروع البالغين أو الأشقاء...كما طالت بعض الانتقادات نوعية المكاسب والممتلكات والمصالح المطلوب من الأشخاص المعنيين التصريح بها، ليبقى باب التأويل مفتوحا.

قائمة محدودة !!!

إن مبدأ قانون التصريح بالمكاسب هو بالأساس التوقي من الفساد وهو لا يعني بالضرورة أن من شملهم القانون فاسدون بل يشمل أشخاصا في مواقع أحيانا متقدمة من المسؤولية ويطلب منهم التصريح بمكاسبهم حتى لا يقع سوء استعمال للمواقع والإثراء غير المشروع وعموما فانه لا تتعلّق بالفئة المعنية قرينة فساد لكن القانون جاء لحمايتهم من الإغراءات الممكنة في مواقع مناصبهم .و لئن لم يشمل القانون كل الفئات على غرار المهن الحرة ورجال الأعمال و التي قد تكون معنية بالفساد فإنها شملت على الأقل فئة واسعة منهم وهناك فئات أخرى قد يشملها القانون في المستقبل. وتعتبر القائمة واسعة بحسب رؤية عديد المهتمين بالشأن العام ، أما بالنسبة إلى القطاع الخاص ورجال الأعمال فتتم مراقبتها من قبل إدارة الجباية التي تقوم بمراجعتها فالقانون يشمل أساسا القطاع العام. وقد اعتبر معظم المتابعين للشأن العام أن قانون من أين لك هذا؟ يعد مكسبا حقيقيا وآلية ناجعة لمحاربة الفساد إذا تم الالتزام بتطبيقه وإلا فانه سيبقى حبرا على ورق. لأن الهدف من هذا القانون هو ترسيخ الثقة في الطبقة التي تحكمنا ونخبتنا ويكرس مبادئ الشفافية والمحاسبة.

حماية المعطيات الشخصية !!!

إن اكبر تحد مطروح على الهيئة الحفاظ على المعطيات الشخصية.وفي هذا الإطار كان قد أكد قداس رئيس الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية في وقت سابق أن أجل 60 يومًا هو أجل غير كاف بالنظر إلى العدد الهائل للأشخاص الذين يتوجب عليهم التصريح والبالغ عددهم قرابة 350 ألف مصرّح، وفق تقديرات هيئة مكافحة الفساد ولفت إلى أنّ الإشكاليات التي ستعترض الهيئة تعود بالأساس إلى غياب دراسة النتائج عن مشاريع القوانين صلب مجلس نواب الشعب، موضّحًا أنّ هذه الدراسات تعدّ إلزامية في البرلمانات المقارنة وتسمح بالقيام بتوقعات حول نتائج تطبيق القانون عند المصادقة عليه .من جهة أخرى، أشار رئيس الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصيّة في تصريح صحفي إلى أنّ القانون يلزم الهيئة بواجب نشر محتوى التصريح لثمانية أصناف لكنّ ذلك فيه خرق لقواعد حماية المعطيات الشخصية على معنى الفصل 49 من الدستور الذي يحدد الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات، مضيفًا أنّ هذا الإلزام يخل بمبدإ المساواة بين المصرحين.

فعلى الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد بالضرورة فتح تحقيق حول مدى صحّة تصاريح المسؤولين السياسيين والموظفين السامين والقضاة. ويمكنها أيضا أن تُقرّر فتح تحقيق حول أشخاص آخرين بسبب رفضهم التصريح بمكاسبهم، كما يجب على المسؤولين في المؤسسات المعنية تسليم قائمة بالأشخاص الملزمين بالتصريح، للهيئة الوطنية لمقاومة الفساد وتحديثها كلما اقتضى الأمر. وتلتزم هذه الأخيرة، كل ستة أشهر، بنشر قائمة إسمية بالأشخاص الذين قدّموا تصاريحهم وأولئك الذين امتنعوا عن ذلك ونظريا، سيساهم تطبيق قانون التصريح بالمكاسب والمصالح، في مقاومة الفساد والإثراء غير المشروع، ولكن فاعلية النص القانوني مرتبطة أساسا بالإمكانيات التي سيتم وضعها على ذمة الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد وبتعاون الهياكل والإدارات المعنية.من جهة أخرى، فإن التصريح بالمكاسب يقتصر على نواة عائلية ضيقة، ما يسمح باختلاس المال العام من خلال أشخاص غير معنيين بالقانون (مثل الأصول أو الفروع البالغين).

يبقى النص القانوني مبهما في ما يخص نوعية المكاسب والممتلكات والمصالح المطلوب من الأشخاص المعنيين التصريح بها، لتترك للسلطة التنفيذية مهمة تحديدها عبر مرسوم.