الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



وقف انزلاق الدينار

وضوح الغاية وغياب الوسيلة !!



إعداد: شكري بن منصور

يرجع خبراء الاقتصاد تراجع الدينار بشكل غير مسبوق إلى أسباب عديدة منها ما هو اقتصادي ومالي بحت ومنها ما هو سياسي ومنها ما هو اجتماعي. فالهبوط الحاد للدينار مقابل العملات الأجنبية الرئيسية بدأ منذ سنوات مترجما تدهور الوضع المالي والاقتصادي على جميع المستويات وساهمت فيه بعض التصريحات وكذلك المناخ الاجتماعي إضافة إلى الضغوط التي يمارسها صندوق النقد الدولي على الحكومات المتعاقبة في تونس خلال السنوات الأخيرة. وتشير أغلب التوقعات إلى أن الدينار التونسي بصدد التدرج نحو سيناريو الجنيه المصري أي السقوط بنسق متسارع وقد يصل الأورو إلى 5 دنانير في غضون العام الحالي... ويرى بعض الخبراء أن الانزلاق السريع للدينار في الأشهر الأخيرة ما هو إلا انعكاس لسياسات التعويم التي شرعت فيها الحكومة دون الإعلان عن ذلك بشكل رسمي مما قد يشكل تغييرا كليا في السياسة النقدية للبلاد بعد اعتماد تونس منذ عقود نظاما نقديا حمائيا لفائدة الدينار مقابل باقي العملات بالسوق النقدية وسياسة مرنة في مجال النقد ضمن نطاق محدد يتدخل فيه البنك المركزي.

فماهي أسباب تواصل تراجع الدينار وهل من الممكن وقف هذا النزيف في القريب العاجل ؟

أوضح الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان أن الأرقام المتعلقة بالاقتصاد حاليا مقلقة لدرجة يمكن القول فيها أنها مخيفة. فبخصوص انزلاق الدينار يمكن اعتبار أن الأسباب التي أدت إلى هبوط العملة الوطنية إلى هذا الحد لا تزال قائمة لان لا الحكومة ولا البنك المركزي قاما بالإجراءات الضرورية لوقف النزيف. وأرجع محدثنا أسباب ذلك إلى توسع نطاق عجز الميزان التجاري لشهر جانفي إلى 1.5 مليار دينار إضافة إلى بقاء نسبة التضخم ضمن مستويات مرتفعة جدا وقدرت لشهر جانفي بـ 7.1٪ رغم تراجعها قليلا.

تدمير للاقتصاد

وعلاوة على ذلك شدد محدثنا على أن النزيف متواصل ولا يمكن التكهن بتحسن سعر صرف الدينار خاصة وأن الأسباب الذي تم ذكرها سابقا كفيلة بتدمير الاقتصاد يضاف إليها سبب جديد هو أن البلاد دخلت رسميا في شهر أوت الماضي في مرحلة تعويم الدينار لان البنك المركزي لم تعد له أمكانية التدخل في سوق الصرف من خلال بيع العملة. ولم يخف وجود انعكاسات سلبية على قيمة الدينار جراء التعويم الجزئي للعملة. وذكر في هذا السياق بتراجع الاحتياطي من العملة الصعبة الذي بلغ مستويات قياسية عند 68 يوم توريد قبل أن يعود إلى الارتفاع ليس بسبب تحسن الوضع الاقتصادي بل بسبب القروض التي حصلت عليها تونس ومنها القرض السعودي مؤخرا مما أدى إلى تحسن الاحتياطي قليلا إلى مستوى 83 يوم توريد. وبالنسبة إليه هناك إمكانية أن يواصل الأورو ارتفاعه أمام الدينار ليبلغ 4 دينارات قبل موفى السنة الحالية ما لم يتم الشروع فورا في الإجراءات الضرورية لكبح جماح التضخم ووقف نزيف انزلاق الدينار.

من جهته أكد صالح الذهيبي عضو الجمعية التونسية للدفاع والمحافظة على المؤسسة أن تراجع الدينار انطلق منذ سنة 2008 وهو مرتبط أساسا بالإنتاج والتصدير. فعجز الميزان التجاري متواصل وكذلك ميزان الدفوعات معتبرا أن البنك المركزي لم يتدخل بالشكل الكافي للقضاء على مصادر خروج العملة الصعبة من البلاد. وأوضح أن من أهم هذه المصادر العمرة والحج إضافة إلى ارتفاع الواردات بشكل كبير لذلك لا بد من التعامل مع هذا الوضع بشكل قطعي مذكرا بما حصل سنة 1986 عندما أوقفت الدولة الواردات بشكل كلي حتى تستعيد الاحتياطي من العملة الصعبة رغم إقراره بان اتخاذ إجراء مماثل غير ممكن اليوم لعدة أسباب.

غياب التوازن

ويعتبر محدثنا أن الضغوطات المتواصلة على احتياطي العملة الصعبة هي نتيجة ارتفاع الطلب عليها لتغطية الواردات التي ارتفعت كثيرا في الأشهر الأخيرة خاصة من المواد الاستهلاكية كالحليب المورد مما زاد من تفاقم العجز الجاري. وتضاف ذلك إلى الواردات من النفط الذي عادت أسعاره إلى الارتفاع لتتجاوز 50 دولارا للبرميل وكذلك إلى واردات القمح. كما أن ارتفاع قيمة الواردات وتراجع عائدات الصادرات والسياحة والاستثمار الخارجي وعائدات التونسيين بالخارج وتسديد بعض الديون كل ذلك تسبب في انخفاض مخزون العملة الصعبة، وهذا كان له تأثير على التوازنات المالية والعجز الجاري، مما جعل قيمة الدينار تتراجع. ومن شأن ذلك أيضا أن يؤثر لا فقط على عمليات توريد السلع والخدمات بل كذلك على تسديد الديون الخارجية أساسا وتسوية التزامات تونس مع البلدان الأخرى. ورجح محدثنا تواصل هذا المنحى التنازلي للاحتياطي من العملة الصعبة الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تواصل تراجع الدينار علما وأن ضغوط صندوق النقد الدولي على الحكومة قد تفضي إلى تراجع قيمة الدينار أمام الدولار و الاورو ومما يعزز هذه الفرضية في تقديره هو توجه البنك المركزي نحو تعويم الدينار بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي دعا بدوره إلى ضرورة التحكم في النفقات.

وبما أن تراجع المخزون يعود إلى سببين رئيسيين هما ارتفاع الواردات وسداد الديون الخارجية شدد محدثنا على ضرورة أن تشرع الحكومة في معالجة العجز الجاري وهذا يتطلب في نظره قرارا سياسيا يقطع بشكل كلي مع التوريد العشوائي للحد من الضغط على احتياطي العملة الصعبة داعيا إلى ضرورة إرساء سياسة حمائية ضد مخاطر الصرف بما يدفع في اتجاه الحد من التأثيرات السلبية لتراجع هائل في سعر صرف الدينار وفرض قيود مشددة للحد من الواردات وإرساء خطة واضحة لدفع الصادرات وإيجاد حلول للاقتصاد الموازي.

و بالرغم من تحسن المناخ السياسي بعد الثورة من خلال الآليات الديمقراطية وضمان الحريات إلى أن ذلك لم يصاحبه تحسن اقتصادي حيث أن المطالب الاجتماعية طغت على جميع القطاعات ولم يصاحبها تحسن في الإنتاجية مما ينذر بأن تراجع الدينار سيتواصل إلى نهاية العام الحالي ليبلغ الأورو هدفه القادم وهو 4 دينارات وقد يتجه نحو 5 دينارات. ويتطلب تحسن سعر الدينار ووقف النزيف إجراءات جدية أو أسبابا أخرى غير متوقعة مثل الكشف عن آبار نفط جديدة.

عجز في اتخاذ القرار

كما أن عجز الحكومة الحالية عن ضمان استقرار الأسعار واضح بشكل كبير ولا يختلف فيه اثنان من ذلك أن عجز أصحاب القرار عن السيطرة على الأوضاع وفرض القانون ساهم بدرجة ما في توسع الضغط الذي يمارسه بعض رجال الأعمال والموردين من جهة والنقابات التي أنهكت الدولة بالمطلبية المشطة من جهة أخرى. هذا إضافة إلى الشعبوية التي تجلت خصوصا في تبني بعض الأحزاب السياسية والأطراف الاجتماعية لمطالب تحث على تعطيل الإنتاج أو دعم تحركات تساهم في إضعاف سلطة الدولة وهو ما حدا بأستاذ الاقتصاد إلى توجيه الدعوة إلى الحكومة لفرض القانون كمخرج وحيد لإنقاذ الاقتصاد. ويخشى محدثنا من أن تؤدي سياسة تعويم العملة إلى نتائج عكسية خاصة وأن تجارب عديد البلدان في اعتماد أنظمة أسعار الصرف العائمة بما في ذلك البلدان النامية لم يمكن من إعادة التوازن إلى الموازين التجارية فأسعار الصرف الجارية ابتعدت كثيرا عن المستوى المفترض أن يقود إلى التوازن، وأكبر شاهد على ذلك هو حجم الاختلالات العالمية التي وصلت إلى مستويات قياسية ولا تزال عصية على المعالجة. فالولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية إضافة إلى بلدان نامية عديدة تعرف حالة عجز تجاري هيكلي منذ عدة عقود، وفي المقابل تعرف الصين وألمانيا واليابان والدول المصدرة للنفط فائضا تجاريا هيكليا.

وبدلا من أن يضمن تعويم العملات إعادة التوازن للعلاقات التجارية الدولية، عرف العالم حالة من عدم الاستقرار النقدي بسبب التقلبات المستمرة لأسعار الصرف ومعدلات تغيرها الكبيرة، التي لا تخضع أحيانا لأي منطق عقلاني بسبب العوامل النفسية التي تؤطر حركة المضاربين العالميين.