الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مرافئ



نشأة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بتونس :

شعائر أجازها الفقهاء بعدما أطلقها السلطان أبو الحسن المريني



يعدّ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بتونس مناسبة سنوية لإبداء المحبة للرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم أخلاقه وسرد سيرته. وبصرف النظر عن بعض الفتاوى المشرقية القديمة أو الحديثة التي تبدّع هذا الاحتفال باعتباره بدعة لم يسلكها الصحابة وهم أعرف الناس بعد الرسول بالدين الإسلامي فإن فقهاء تونس قد أجازوه منذ أقام السلطان أبو الحسن المريني شعائر إحياء الولادة المحمدية بمدينة تونس بعد فتحه لها، ثم كرس هذه العادة السلطان الحفصي أبو فارس عبد العزيز (توفي 1434م).

وظل الجاري به العمل، في تونس وبكامل بلاد إفريقية خلال العصر الحفصي والعهود اللاحقة له، هو تعظيم ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنويا من خلال قراءة الأشعار والمدائح التي تتضمن سردا لشمائل الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته في المكاتب والمساجد وأيضا عن طريق تزيين المؤسسات المسجدية والتعليمية وإيقاد القناديل وتسريج الشموع وصنع الأطعمة الفاخرة.

وقد تميّز العهد الحفصي بإقامة حفلة دينية كبرى بدار نقيب الأشراف بتونس ثم نافستها في هذا الاحتفال الزاوية القشاشية والزاوية البكرية اللتان صارتا تتزينان مدة خمسة عشر يوما في إطار الاحتفال بالمولد النبوي، وتقام فيهما السماع والإنشاد ويهرع الناس إليهما للفرجة والمبيت.

ومنذ سنة 1841م أمر المشير الأول أحمد باشا باي الشيخ إبراهيم الرياحي بإقامة موكب رسمي للاحتفال بالمولد النبوي الشريف بجامع الزيتونة، حضره كملك للبلاد ومعه الوزراء وأركان الدولة، ومنذ ذلك العهد أصبح حكام تونس في العهدين الملكي ثم الجمهوري يشرفون سنويا على هذا الموكب الديني الحافل، ويتبعهم كل الشعب التونسي.

وتبقى أبرز ميزة للاحتفال بالمولد النبوي في تونس الحسينية هي سرد قصة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يبلغ إمام جامع الزيتونة في القراءة إلى «فقم أيها الراجي لنيل سعادة قيام محب صادق الحب والأدب» فينهض الباي وجميع الحضور وحينئذ تصدر إشارة فيندفع صوت المدفع من كافة أبراج العاصمة. كما ينكب الناس والمشايخ على قراءة دلائل الخيرات والهمزية في المساجد والجوامع.

هذا وتعدّ القيروان باعتبارها أولى مدن الإسلام بالقارة الإفريقية أشهر منافس للعاصمة في مجال الاحتفال بالمولد الشريف، وذلك بجامع عقبة بن نافع داخل أسوار المدينة العتيقة وبمقام الصحابي الجليل أبي زمعة البلوي خارجها.

أما أشهر من ألّف في موضوع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف فهم: العلامة المصري جلال الدين السيوطي (توفي 1505م) في كتابه «حسن المقصد في عمل المولد» والرصاع (توفي سنة 1489م) في فهرسته وابن أبي دينار (توفي 1690م) بتونس في كتابه «المؤنس في أخبار إفريقية وتونس» ومجموعة شيوخ جامع الزيتونة في العدد الخاص بالمولد النبوي في المجلة الزيتونية لسنة 1937م (المجلد 1، الجزء 2) والدكتور محمد العزيز بن عاشور في كتابه «جامع الزيتونة المعلم ورجاله» وأخيرا الدكتور أحمد الطويلي في كتابه «الاحتفال بالمولد النبوي في العالم الإسلامي والبلاد التونسية».

وفي الواقع فإنّ هذا الاحتفال بالذكرى السنوية لميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين إنما هو موعد لتعريف الأجيال الجديدة بشخصه الكريم وببعثته ودعوته ورسالته السماوية، علاوة على التسابق في محبته عن طريق الإنشاد والمدائح وتكريس صورته كقدوة حسنة للمسلمين، وأتباعه من خلال القرآن والسنّة الشريفة في حسن العبادات وسلامة المعاملات تأسيسا لمجتمع مكارم الأخلاق.

 


منصور