الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مرافئ



الضحك عند الغرب

من وظيفة التسلية إلى حافز للتفكير



كان الضحك مسألة هامشية، بل كان سلوكا غير ذي بال لدى العامة كما لدى النخب باعتباره سلوكا فرديا يوميا رتيبا إلى أن ظهرت مقالات الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون بمجلة باريس قبل أن يجمعها لاحقا في كتاب بعنوان «الضحك» نشره في سنة 1924 أي في فترة كان فيها العالم يبكي ملايين القتلى الذين سقطوا ضحايا التقدم العلمي خلال الحرب العالمية الأولى التي استعمل فيها الإنسان أسلحة متطورة تدمر الطبيعة وتحصد في سرعة فائقة وبأعداد وافرة أرواح المدنيين الأبرياء إلى جانب العسكريين.

صحيح أن الضحك هو مطلب فردي واجتماعي لكنه يرتبط من جهة الوظيفة بالحالة النفسية والانفعالية لصاحبه على غرار الخجل والتكبر والغرور... فالضحك قد يكون من الأعماق كما قد يكون حالة ظاهرية تخفي مرارة دفينة، وهو ما يجعل من الضحك قرين اللحظتين الكوميدية والتراجيدية.

الكل كان يمر على فعل الضحك مرور الكرام لكن برغسون أراد التوقف عنده فلسفيا من أجل دراسة أساليب صنع الضحك، بل وأيضا وهو الأهم دراسة هدف المجتمع من الضحك، معتمدا في ذلك جميعا على منهج علمي تفسيري.

وقد توصل إلى أنه عن طريق دراسة الضحك يمكن دراسة الحياة الاجتماعية لدولة ما بل وأيضا تشخيص الحالة النفسية لشعب ما. وهو ما يدفع إلى طرح إشكالية: ما هو المضحك؟ وكان الجواب الذي انتهى إليه برغسون هو هزل الواقع وهزل الشخصية أو الطابع وهزل الكلمات.

وكما ينبغي التمييز بين الهزلي في ذاته والهزلي بالتشابه عن طريق رابط عرضي يجب أيضا الانتباه إلى أسباب خنق الهزل أو تواطئ مجتمع ما مع الهزل من خلال التظاهر بالضحك.

وكلما عقلن الضاحك ضحكه اكتشف دارسو الضحك في تلك العملية أشياء متفرقة من الأنانية والمرارة والتشاؤم وحتى من المكر لأن المبادر إلى عملية عقلنة ضحكه يعتبر الآخر كدمية يمسك هو بخيوط تحريكها.

وقد لخص برغسون فلسفته للضحك كما يلي في هذه الفقرات: «هنا كما في غير مكان، استعملت الطبيعة الشر من أجل الخير. إن الخير هو الذي شغلنا بشكل خاص في هذه الدراسة. وبدا لنا أن المجتمع كلما اكتمل، حصل من أعضائه على مرونة تكييفه أكبر فأكبر. وإنه يسعى إلى التوازن بصورة أفضل وفي العمق، وإنه يطرد أكثر فأكثر إلى السطح الارباكات التي تلازم هذه الكتل البشرية الكبيرة، وإن الضحك يقوم بوظيفة مفيدة حين يشير إلى شكل هذه التموجات».

وهكذا تتصارع الأمواج بدون هوادة على سطح البحر، في حين أن الطبقات السفلى تحتفظ بهدوء عميق. وتتصادم الموجات وتتضادد ساعية وراء توازنها، ويطفو زبد أبيض خفيف ومرح ويتبع الجوانب المتغيرة من الموج. في بعض الأحيان تترك الموجة التي تهرب القليل من هذا الزبد على رمل الشاطئ، ويأتي الولد الذي يلعب قريبا من الشاطئ، فيلمّ حفنة من هذا الزبد ولكنه يندهش، في اللحظة بالذات، أنه لا يجد في باطن يده غير قطرات من الماء، إنما من ماء أكثر ملوحة، وأكثر مرارة من ملوحة ومرارة الموجة التي أعطت هذه القطرات. ويتولد الضحك هكذا كما الزبد. إنه يدل خارج الحياة الاجتماعية على الثورات السطحية، ويرسم في الحال وللتو الأشكال المتحركة في هذه الزعازع إنه هو أيضا زبد أساسه الملح. وكما الزبد يفقع، هكذا البهجة. والفيلسوف الذي يلمّ منه ليتذوقه، يجد فيه أحيانا – وبالنسبة إلى كمية صغيرة من المادة - معيارا من المرارة». (ولمزيد التعمق يمكن الرجوع إلى كتاب «الضحك» لهنري برغسون، الذي ترجمه علي مقلد، وصدر عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1978، ص 128-129).

وبقدر غموض معنى الضحك فإنه مرتبط بالإنسان دون غيره من الكائنات لأنه يدل في الحقيقة على نشاط عقلي يراوح بين البعدين الواعي واللاواعي.

علما أن هنري برغسون الفائز بجائزة نوبل للآداب سنة 1927 وجه كل اهتماماته الفكرية نحو دراسة فلسفة الحياة فألف كتبا تمحورت حول الذاكرة والزمن والطاقات الروحية وترأس في جمعية الأمم المتحدة اللجنة الدولية للتعاون الفكري التي كان أعضاؤها وقتئذ من عملاقة الفكر في زمانه مثل ماري كوري وألبرت أينشتاين...

 


منصور