الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



مونودراما «سأموت في المنفى» للمسرحي الفلسطيني غنّام غنّام..

«... كاد أن يصرخ.. لم تعد لي عقدة منفى..!»



لطفي العربي السنوسي

ولكنّي لا أرى القبر بعدُ.. ألا قبر لي بعد هذا التعب..؟ (درويش)

«الله يمسّيكم بالخير ويمسّي الخير فيكم، لأنّ الإنسان بيحْلى بالأيام والأيام بتحلى بالإنسان.. وأحلى الناس هم البني آدمين.. وأحلى البني آدمين هم الناس.. ومساء الخير على البني آدمين..».

... هنا يضرب السارد بعصاه معلنا بدء الحكاية باستهلال تدشيني أول بلغة الحكّائين القدامى.. يضرب بعصاه على أرض «الحلقة» حيث الكل مكشوف والكلّ يشاهد الكل من عين الدائرة وقد توسعت حتى تكون الرؤية أوضح.. لا أحد بإمكانه أن يفلت بانفعالاته فيخفيها ـ عراة تماما ـ في مواجهة راوٍ عليم يمسك بالمكان وبالزمان بل يمسك بكلّ المجتمعين من حوله، فلا أحد سينجو... وقد صنع لهم الراوي (الحكّاء) «الحلقة» كشكل أو كفضاء لتوريط جمهوره في مواجهة لم يخترها فلا فكاك منها..

ولـ«الحلقة» ـ كفضاء عرض ـ وسطٌ أو بالأحرى «سرّة» هي مقام «الحكّاء» منها يبدأ ولا يعود إليها ولا يتردد عليها أبدا إلا في تلك اللحظات التي يتعمّد فيها تبئير لحظة من لحظات السرد لشحذ الخطاب ولإعلاء نبرته أو للتخفيف من حدّتها والراوي يمسك بحبل رهيف يشدّه «بسرّة» الحلقة ولا ينقطع أبدا وهي نقطة البدء ونقطة الإنتهاء.. وهو نفس الحبل الذي يقيّد الجمهور ويصنع منهم تلك الدائرة المغلقة التي أسميناها «حلقة» ولا أحد يخرج منها ومن أراد ذلك فعليه أن يحلّق في سماء الحكاية حتى ينجو من القيد..!؟.

يدعو الحكّاء جمهوره لمشاركته الحكاية وأن يكونوا عفويّين.. لكأنّه ـ هنا ـ بصدد ترتيب المقدمات لفرجة مخصوصة داخل فضاء عفوي مخصوص وهو بذلك إنما يخاطب ادراكات التلقي التقليدية.. فنحن هنا خارج العلبة الايطالية وخارج تقاليد التلقي الصارمة، بإمكانكم التدخين ـ مثلا ـ يخاطب الحكّاء جمهوره ـ ولا ضير من أحاديث جانبية وبإمكانهم ـ ايضا ـ التدخل في العرض وفي الحكاية وتصحيح الاخطاء... هنا ـ خطاب نرجسي عالي النبرة لا يعبّر عن نواياه الحقيقية فهو في الظاهر تفاعلي وهو في العمق انما يعبّر عن صرامة ـ لا يقولها ـ ترجو الانصات والإنتباه للحكاية ـ حكايته التي يمسك بها لوحده.. فهي سيرته وهي سجله الشخصي وهي حياته المهدورة بما فيها من انتصارات وهزائم... فهو المنفى والمنفيّ وهو الشاهد والشهيد وهو البطل والبطولة وهو الأرض وهو السماء وهو التاريخ وهو الجغرافيا وهو الشعر وهو النثر وهو هذا الكل المتعدد ولا شبيه..

والحكّاؤون نرجسيون بطبعهم وطبيعتهم بما أنهم حمّالو وصناع حكايا يخيطونها تماما كشعراء الملاحم القدامى فتجري على الألسن ـ تماما ـ كما يجري الماء في مسارب أولها ضيّق وآخرها بعرض البحر..

هنا الحكاية شخصية جدا.. من السجل الخاص ـ سيرة ذاتية بالتمام والكمال.. سيرة منفى ومنفيّ.. سيرة أرض وشعب .. سيرة أبطال ملحميين .. سيرة تقفز من السجل الخاص الى الفضاء العام لتحكي وجيعتها.. هذا فعل تطهّر عميق وحقيقي.. حتى نبرأ..

في إتجاه العرض من داخل الحلقة

لا من خارجها..

9 أفريل 2018 عيد الشهداء .. ذكرى عزيزة على التونسيين في فضاء استثنائي اسمه «كورتينا» وفي مهرجان فريد عنوانه «مهرجان الـ100 كرسي» بالقلعة الكبيرة من مدينة سوسة وبمبادرة خاصة من المسرحي الشغوف محمد السعيدي، كان لنا موعد مع مسرحية «سأموت في المنفى» للكاتب والمخرج والممثل غنّام فلسطيني الهوى والهوية لا مكان له على الأرض وله كل الأمكنة، طائرا في سماء الله المطلقة محلقا لكأن من تحته الريح.. له صوت وكلمات وأغنيات وأشعار وذاكرة مثقلة بالحكايات وحقيبة مكتظّة بتراب «سيدة الأراضي» وحجرها وأبطالها وشهدائها وناسها الطيبين.. «يسافر كالناس لكنه لا يعود لأيّ شيء»، على حدّ تعبير درويش.

طرح غنّام سجله الشخصي لكأنه جدارية بحجم الأرض... هي الذاكرة وهي تسرد سيرة العائلة (الأرض والشعب) في بعدها الثاني بنزوع ملحمي لا يبكي السيرة وإنما هو يعلي من شأنها مفتخرا حتى لا ننسى اللاتي والذين دفعوا الثمن باهظا أبطالا غفلت عنهم كتب التاريخ وكتب السيرة وسجلات الشهداء ـ لكأنهم لم يكونوا، هم أبطال منسيّون وشهداء يعيدهم غنّام من موتهم وليصرخ هؤلاء أبطال حقيقيون...

الشهيد صابر من «كفر عانا» وقد اقتلعه جيش الكيان من ترابه فيموت مرتين.. مرّة على أرضه المسلوبة وثانية على جلل الفقد مقهورا على ولده المنفيّ غصبا... وبين الوالد والولد والأم التي لم يتبق لها غير الأغنيات، «غنّام» ولم يرث غير حقيبة مثقلة بالقليل من تراب الأرض وذاكرة موجوعة فجّرها «غنّام الكاتب» وهو يعلن موته في المنفى.. «غنّام» قرين «بدل فاقد» .. هو ـ هو وليس هو..وهو الآخر الذي يلازمه أو هو جرحه الذي لم يبرأ..

«غنام» أعاد صياغة سجله الشخصي وسماه «سأموت في المنفى» .. نصّ سردي بصوت واحد يتوزع على أصوات متعددة اختار له «الحلقة» كشكل فني والاستعادة او الاسترجاع كتقنية لدفع البوح الى أقصاه.. استرجاع الزمن.. زمن العائلة وأبطالها وشهدائها المنسيين وما تعرضت له من اقتلاع وفسخ.. والزمن الحاضر الذي لا يختلف في جراحه عن الجراح القديمة.. ثمّ زمن غنام المثقف والفنان ابن ذلك الجرح وقد ضيّعته المنافي فهو «بدل فاقد» مسلوب الهوية وقد طوّحت به الأماكن.. لا مكان له ولا إقامة حتى وإن اقام .. لقد خسر الأرض وبيوتها التي تحتفظ بذاكرة المكان فيهزّنا إليها بيتا بيتا لكأنّه هنا في تمثّل عميق لصوت محمود درويش وهو يصرخ: «هذا الهواء الرطب لي.. هذا الرصيف وما عليه..» في قصف للكيان الصهيوني برصاص الكلمات وفي تأكيد على هوية المكان..

هو سؤال الهوية عاليا مدفوع بحرقة السؤال وهو يعيد نفسه باستمرار على امتداد العرض حتى يتجدد في مواجهة النسيان، سؤال موجه في العمق الى الاخرين (الاستيطان) الذين اخذوا مكان الأولين (أصحاب الأرض)..

لا يبكي الكاتب المكان المغتصب ولا ذاكرته الموجوعة وإنما هو يدفع بها الى الفضاء العام وقد اقتلعها من سجله الشخصي مفتخرا بالأب والأم والأخ.. لم يفعلوا شيئا ولم يرتكبوا خطيئة، فقط رفضوا ان يمنحوا مكانهم (أرضهم) لمغتصب يدّعي أحقيته فيها..

يصرخ «غنّام» اكثر من صرخة مدوية... هو منفيّ أو مهجّر في بلاد التيه هويته المفروضة عليه وقد تعوّد عليها وسكن فيها كـ«بدل فاقد» وهو ـ هنا ـ بين هويتين هوية المنفى أو هوية العبور في المطارات والأمكنة وهوية مشتهاة وهي الأصل المسلوب يسعى لاسترجاعها ويخافها في الواقع ـ فقد تكون بدورها منفى..!؟ صرخة من صرخات درويش يتمثلها السرد دون ان يفصح عنها «منفى هو العالم الخارجي ومنفى هو العالم الداخلي.. من أنت بينهما؟ لا أعرف نفسي تماما..» وهذا سؤال آخر أخطر من سؤال الهوية ذاتها.. فالمنفى قد يتحوّل الى هوية بفعل الادمان، هوية مفتوحة على هويات يجتمع فيها كل المشترك الإنساني تحرر الفرد من «المكان» هويته الأولى فيذوب «المنفى»، هل كان درويش شاعرا فلسطينيا..هو ابن الأرض في العمق وهو ـ في الأخير ـ نتاج مشترك إنساني بثقافات متعددة في مناف مختلفة، ألم يصرخ الشاعر: «ليس عندي عقدة منفى»..

لقد توغل «غنّام» في رثاء هويته الضائعة وفي رثاء غربته في منفاه فاستدعى أحمد شوقي للتعبير عن غربته وعن رغبة العودة فلا شيء يضاهي الوطن. «هب جنّة الخلد اليمن... لا شيء يعدل الوطن» لكأنّ «غنّام» الكاتب والمثقف بصدد تبرير هواجس فهو يخشى على نفسه من المنفى، يخشى من الادمان على المنفى فيتحوّل الوطن الى مجرد ذكريات وصور قد تتهرأ بفعل هذا الادمان..! فلم يعد لغنّام «سجل شخصي» بعد بوحه بكل ما تكتّم عليه من داخل هذا السجل وحوله الى نصّ والى وثيقة في مونودراما «سأموت في المنفى» هل أدمن غنام المنفى ..؟ فتحوّل إلى «جنّة» خلد لا شيء يضاهيه حتى وإن كان الوطن..؟ ألم يقتل «بدل فاقد» لإعلان خلاصه.. لقد استبق غنّام موته حتى يراه ماثلا امامه صنع قبره وشاهد القبر في المنفى ورثا نفسه حيا أمامها.. هنا الاسم الاصل والفصل تاريخ الولادة وموت مؤجل، لقد نجا بنفسه من «الموت بلا هوية» وتحوّل من «بدل فاقد» الى غنام صابر غنام فلسطيني من كفر عانا.. لقد صنع موته وأشرف عليه للتخلص من «بدل فاقد» فاسترجع هويته ـ تماما ـ حتى يهنأ في منفاه وحتى يبرأ..!؟

اعتمد غنام على «البوح» لتشكيل نصّ سردي عالي النبرة بحيث يتوالد القول من رحم واحدة «سيرة العائلة» ليتشظّى الى تيمات.. الهوية ـ المنفى رثاء الفقد رثاء الأرض والذين كانوا ومضوا دون ان يدروا انهم كانوا ابطالا.. تشكيل سردي بلغة مكثفة لا استطرادات فيها بل استرجاعات.. كتقنية كتابة ـ وقد تخلصت من الشعارات التي تعودنا على تعاطيها مع القضية الفلسطينية، ترك اللغة «النائحة» التي تندب الحال وذهب الى خطاب بشعرية عالية تعانق الشعر ولا تتركه خلّصت السرد من كل اللغة الرثّة.. ماثل وتمثّل درويش وسميح القاسم علوّا وعمقا في تكثيف المعاني ذهب الى النقد والسخرية اللاذعة لكأنّه يكتب بريشة «حنظلة» واستعار مشرط ايميل حبيبي في تشاؤله..

نحن ـ هنا ـ أمام ممثل وشاعر ولا شيء غير ذلك وسط حلقة مغلقة.. نحن أمام «ممثل» ـ كما في البدء قبل ان «تقتله» اللغات البصرية المفتعلة.. لا ضوء غير ضوء السماء ـ لا موسيقى ولا ديكورات ولا خشبة ـ هنا ـ ممثل وشاعر يواجه جمهوره من داخل فضاء فارغ ومتقشف ـ تماما ـ اختار له «الحلقة» كشكل فني (فضاء الحكائين القدامى)... لا شيء ما عدى كرسي إستلفه الممثل من جمهور الحلقة ونزع عنه دلالته المريحة ليحوّله الى حقيبة سفر والى قبر والى شاهد قبر وإلى نعش مرفوع على الاكتاف.. تماما ـ كما تتحول «الكوفية» التي تدلّ على غنّام في كل ترحاله.. ـ الى خارطة لفلسطين... بهذه «الاستلافات» البسيطة كسّر غنام المخرج او هو منح النص كقول سردي مساحات بصرية شاسعة معوّلا في ذلك على امكانيات التخييل لدى متلقيه لبناء المشهد بصريا وهو ما حدث ـ بالفعل ـ في أكثر من موقع داخل العرض في وصفه لبيته ومدارجه وفي وصفه لاحتراق والده وفي وصفه لمشاهد استنطاق شقيقه وغيرها من المشاهد التي اقترحتها اللغة السردية وتلقاها جمهور الحلقة او هو حوّلها ـ كل حسب إمكانات التلقي لديه ـ الى مشهد بصري.

لم يكن غنّام ساحرا حتى يفعل كل هذا بمتلقيه بل كان بإمكانات أدائية عالية غير معقدة وغير منفعلة أدارها حضور ذهني قوي وهادئ متناغم ـ تماما ـ مع النصّ الذي لم يكن ـ بدوره ـ منفعلا، بل مكثفا فجاء الأداء قرينا للنص من صلبه ومن صميمه.. ومن هنا يستمد العرض غناءه من حيوية النص ومن حيوية الأداء برغم تقشفه... ما يزيد في تعميق قناعتنا بأنّ «الممثل» هو بؤرة الضوء والنور في كل اللعبة المسرحية وما تبقى فمجرد اكسسوارات يمكن ان يتخلى عنها المسرح دون ان يؤثر ذلك في وجوده.

نعود الى سؤال الدائرة.. هل أدمن «غنّام» المنفى.. هل تحوّل المنفى لديه الى نمط حياة ـ كما يقول درويش ـ هل ألف «غنام» منفاه.. أراه يصرخ ـ هنا ـ صرخة الشاعر: «أنا من رأى في جرحه تاريخ هجرات الشعوب من الكهوف الى المسارح».