الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



العرض التونسي السوري «درجة أولى»، إخراج رامي سرنيمي:

لم أجد أيّ شيء يرعبني في الثلج..



بدأت مسرحية «درجة أولى» إخراج السوري رامي سرنيمي، من بهو التياترو. موظّف استقبال ( قام/ بالدور بشار أبو عاصي )، طويل وبملامح جامدة وتعبيرات جافة يقوم بتفقد تذاكر الجمهور، المتحوّل مجازا إلى ركّاب في طائرة ستقلع من إحدى مدن العالم كي تصل إلى إحدى مدن العالم. في مؤخرة صفّ الجمهور ثمة ممثلان- مسافران، بحقائبهما. شاب بملامح شرق أوسطية يرتسم على وجهه خوف عميق لن يفارقه طيلة العرض (قام بالدور نجدفان أبو سليمان ) وشابة مشوّشة النظرات كأنها تهرب من شيء ما ( قامت بالدور إشراق مطر).

عندما ندخل إلى قاعة العرض سيفاجئنا الديكور. وسط المسرح هو عبارة عن قاعة انتظار في أحد مطارات العالم، يتكوّم فيه مسافر متعب على حقيبته ويحضنها كما لو أنها حضن أمومي دافئ في عالم لا يعده إلاّ بالرفض والصدّ ( قام بالدور أحمد مراد خنفير). على يمين المسرح ثمة غرفة ضيقة، هي غرفة لفنان، نعرف ذلك من دعامة اللوحة. هو فنّان (قام بالدور رامي سرنيمي)، في غرفة منعزلة عن العالم يطرح أسئلته الوجودية على نفسه في ما يشبه الهذيان: يشّكك في وجود إلهه ثم يكتشف أنّ بقدرته أن يكون إله نفسه وأن يبحث عن النشوة ويطلب من إلهه ألاّ يتخلى عنه.

فضاء العرض إذا فضاءان. في الركن الأيمن من الخشبة: غرفة ضيقة ومنعزلة عن العالم يعيش فيها فنان وحيد كما لو أنّه في كهف بدائي، يهذي وهو يعد إلهه بعدم التخلّي عنه. في الخارج وفي قلب المسرح : فضاء آخر هو عبارة عن قاعة انتظار في مدينة ما من مدن هذا العالم «الحديث المتحضر» يحرسه موظف بملامح قاسية وجافة، تتعدد أداوره من حارس للحدود إلى موظف في سفارة يحقّق في ملفات طالبي التأشيرات واللجوء، ببرود قاتل. وفي القاعة، سواء كانت مكتبا في سفارة أو قاعة انتظار في مطار، ثلاثة شخوص يتحرّكون في دوامة الإنتظار الذي لا يعد بأمل او انفراج. هم بشر، خرجوا من أوطانهم هربا من الحرب أو لسبب جليل أو حقير، لهم حكاياهم التي لا تعني موظف السفارة وحارس الحدود الصارم. هم ليسوا إلا أرقاما، دون أسماء. يفقدون في قاعة الإنتظار لغاتهم. ثمة فقط اللغة الأنقليزية الجافة الصارمة للموظف الحارس أمّا هم فلا تصدر عنهم سوى همهمات وصرخات وايماءات. أجسادهم وحدها تتكلم وتروي حكاياتهم الممكنة. وربما هم ليسوا إلاّ شخوصا وخيالات تعيش في هذيانات الرجل الوحيد الذي نراه على يمين المسرح.

تنتهي المسرحية بخروج رجل الكهف من كهفه حاملا حقيبته ودخوله إلى قاعة الإنتظار. وبصوت طفلة تروي بعذوبة وبراءة رحلتها لرؤية الثلج، في غابة أو جبل، لا نعرف، نعرف فقط أن مشهد الثلج الرائع نُقش عميقا في وعيها لذلك هي تشكر من حملها لرؤيته وتشكر من صنع الثلج. وهي رحلة ممكنة، يكفي أن تغادر بيتك في مدينتك أو قريتك، في حين أنّ مجاوزة مدينتك أو بلدك للذهاب إلى بلد آخر غير ممكن دائما لأن هناك دائما حراس شرسون للحدود. في حين أنّه في الثلج كما يقول صوت الطفلة العذب لن تجد شيئا يرعبك.

المسرحية هي محاولة لكسر الحدود. واللافت فيها هي قدرتها على التجريد وعلى قول رسائل انسانية بسيطة بلغة الجسد، المشترك بين البشر، بأحاسيسه وعوالمه الباطنية، علّها تصل، إلى بشر آخرين تحولوا من كائنات تشبهنا إلى «رجال جوف» حوّلوا الحدود الإفتراضية إلى حدود حقيقية. وقد نجح الممثلون، بحرارة إحساسهم وبحركات أجسادهم في هذا «السفر» من حال إلى حال.

كيف نشأ مشروع المسرحية؟

يقول الممثل التونسي أحمد خنفير مراد، أنّه بمناسبة عرض الفيلم الوثائقي «على السكة» بمهرجان «ايدفا بامستردام» بهولندا، تعرّف إلى شبكة دولية لمساعدة الفنانين في العالم العربي الذين يعيشون في أوضاع خطرة. وتمّ لفت نظره إلى حالة الممثل السوري رامي السرميني الذي كان موجودا، حينها، بتونس للتمثيل في مسلسل سيعرض على شبكة «نتفليكس». اتصل به أحمد الذي يرأس أيضا جمعية «رؤية فنية». وعلى هذا النحو نشأ مشروع مسرحية «درجة أولى». ويضيف أحمد : «المشروع يمسّني، كأيّ إنسان من العالم الثالث يرغب في اكتشاف العالم ولكنّه يصطدم بالحواجز وبتعقيدات التأشيرة. وهو نفسه اصطدم برفض تأشيرة الهجرة ثلاث مرات من إدارة الهجرة الأمريكية التي قضّى بها أكثر من ثمان ساعات من التحقيق والإنتظار. ونفس التجربة مرّ بها الفنانون السوريون الذين اشترك معهم في انجاز المشروع المدعوم بمنحة من المورد الثقافي.

ويروي أحمد كيف أنه كان يملك تلفازا يتفرج من خلاله على قناة وحيدة، هي قناة « أرتي». وبمناسبة قمة مجموعة الثمان التي حدثت في بداية الألفية وطوال ساعات كانت القناة تبشّر بقرار تاريخي سيصدر عن القمة ويتمثل في إلغاء التأشيرة، إلى درجة أنّه صدّق أن الأمر حقيقي، لينكشف في الأخير أنّه لم يكن إلاّ محض خيال، من القناة التي أرادت لفت نظر قادة العالم الكبار إلى هذه المعضلة. ومن يومها يقول أحمد، لم أعد أملك تلفازا في بيتي. فقد كانت مفاجأة سيئة.

وعن تجربته مع السوريين يقول أحمد أنّ التجربة كانت جميلة وتعلّم منهم الكثير من الأشياء، واكتشف في علاقته بالخشبة إحساسا آخر مع جسده ومع نفسه، حتّى أنّه وبعد أن غرق في دوره، كان يعتقد أنّه في نهاية المسرحية، سيتمّ إلغاء التأشيرات ويصبح التنقل من بلد إلى آخر حرّا.

ماذا أعرف ؟ ماذا يميزني كإنسان؟

هي الأسئلة التي يطرحها أحمد سرنيمي مع صحبه في جماعة «تجربة». وهم ينطلقون ممّا يحدث لهم في الحياة. يشتغلون في ورشات على الكتابة الجماعية وليس النصّ سوى فرضية يشتغلون عليها، ولكنّ الأساس هو ما يمرون به من تجارب في الحياة.

تخرّج رامي سرنيمي من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق سنة 2015 وأسّس مع حسين آل تكريتي، المتخرج من نفس المعهد بعده بعام، فرقة «تجربة». منذ ثلاث سنوات غادر راميسوريا وتنقّل بين بيروت والسودان والعراق والإمارات وحاليا هو مقيم في تونس، في انتظار إشعار آخر.

يقول رامي أنّه يكره عبارة « شباب الحرب». ويضيف « عشنا في سوريا ظروفا استثائية. وفي عملنا المسرحي لا نُظهر الحرب، ولكن نظهر ما قدّمته لنا تجربة الحرب من دمار وخوف ومن تعقيدات الإقامة في البلدان الأخرى التي لجأنا إليها.

عرض «درجة أولى» كان ينضج في داخلي، من تجارب الرفض لإنسان قادم من بلد فيها حرب، في بيروت وأنا أعاني من معضلات الإقامة، وأنا أنتقل بين الإمارات والسودان، في الترانزيت الذي دام 13 ساعة، كنت أراقب العابرين وأستمتع، هو عرض عمّا حدث لنا ولآخرين. أردنا أن نكشفه للضوء. وفي عملنا ننطلق من الحياة، نأخذ منها التجربة ونفرغها ونسلّط الضوء عليها.

وفي العرض قمت بتوظيف منهجين : «دمجت مسرح القسوة ( أرتو) مع الواقعية (ستانزلفسكي). حاولت دمجهما معا،وأن أجرّب لأرى ماذا ستكون النتيجة التي لم أكن أعرفها بالكامل منذ البداية. التجربة كانت تحدّيا لأننا اعتمدنا مدرستين مختلفتين. وهذا التحدّي طوّرني وجعلني أقوم بتفريغ الشحنات التي تملؤني، ايجابية كانت أم سلبية، وذلك أهمّ شيء في مسرح القسوة.»

أمّا حسين آل تكريت، سنغراف العرض، فقد قدم من سوريا، البلد التي بها «كثيرْ حربْ» والتي لا يزال يعيش بها، وقد عاش في بيروت لمدة ثلاث سنوات. ومرّ بتجربة الفيزا ومشاكل الإقامة و الضغوطات.

وعن رؤيته السنغرافية يقول: نقاط انطلاقي الأساسية هي الحياة وكيفية إعادة الإشتغال على تجاربنا فيها مثلا طوابير الإنتظار الطويلة في مطار بيروت.

في الصياغة البصرية للعرض أنطلق من الذات ومن دواخلها والحالات النفسية التي تعيشها. وأحاول أن أخلق معادلا بصريا لما نعيشه: خطوط أو اشكال أو ألوان. وأن أحوّل فضاء الخشبة، بعد أنسنته، من مجرّد زخرفة إلى شخصية مكمّلة لبقية الشخوص. الفضاء يمكن أن يكون فارغا أو متعدد الإستخدامات والوظائف كما في هذا العرض، فعلى نفس الخشبة نجد ستّة أمكنة مختلفة ( مطار، سفارة....)».

في فرقة «تجربة» أنجز حسين مع رامي مسرحية «دانئيات». عن إله اسمه دانو له أربع بنات أراد تزويجهم غصبا، فهربوا منه. فأمر حرّاسه بالقبض عليهنّ وحبسهنّ في براميل مثقوبة. ولكي يحصلن على الحرية عليهنّ أن يملأنّ البراميل بالماء. وتلك هي اللعنة الدانئية.

كما أنجزا مسرحية «تريب» عن شخصين مرتبطين بلعنة. أحدهم يمشي في نومه والآخر يحلم وينفذ أحلام من يمشي. وفي هذه المسرحية كان الجمهور يجلس مع الممثلين على نفس الخشبة.

وفي التجربة الجديدة « درجة أولى» تعاونا مع التونسيين أحمد مراد خنفير وإشراق مطر. وعرضت المسرحية بفضاء التياترو من 1 إلى 4 ماي 2019. وغادر بعدها أعضاء الفرقة، من حيث قدموا : بشار أبو عاصي وحسين آل تكريتي إلى سوريا ونجدفان أبو سليمان إلى كردستان، أمّا رامي سرنيمي فسيظلّ في تونس، فانتظار تجربة أخرى مع أصدقائه التونسيين.


كمال الهلالي