الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



مسرحية «المغروم يجدّد» للحبيب بالهادي والأسعد بن عبد الله

حتّى لا يتكرّر نفس الغرام بالأخطاء


 

ينتهي عرض مسرحية «المغروم يجدّد»، نص الحبيب بالهادي وإخراج لسعد بن عبد اللّه، بعد قرابة ساعة ونصف بأغنية صالح الخميسي «جميع الحروبات وفات»، ساعة ونصف من الكوميديا والفوضى ومحاولة التأريخ أو استعادة التاريخ المنسي لدولة ما بعد الاستقلال تجعلنا نتساءل: هل انتهت حروبنا اليومية التونسية أم أنها مرشحة للإندلاع دون أن ندري? وهل بنت البورقيبية دولة أم «بروفة» دولة?

 

«المغروم يجدّد والبرّاني على برّة»، هي عبارة كانت تقال لمن يرغب في إعادة الفرجة لعروض الكافيشانطا التي كانت تقام في باب سويقة، كشكل فنّي تلقائي همّشته الثقافة الرسميّة لدولة ما بعد الاستقلال التي كانت تدّعي أنّها «توصل نعمة الثقافة إلى شعبها الأُمّي».

اختيار الحبيب بالهادي والأسعد بن عبد الله للكافيشانطا، كوميديا موسيقية شعبية، كإطار فنّي يكشف عن خيارهما الواضح: ضرورة الحفر في الموروث الشعبي الفني واستعادته حتى يقع البناء على الممكنات الجماليّة التي يختزنها.

من حيث الشكل تدور مسرحية «المغروم يجدّد» في فضاء فارغ تقريبا إلا من بعض الديكورات: سلّم كبير وبضع كراس، تدخل شخصيات المسرحية وتخرج، في صخب وفوضى، وثمّة حائط في عمق الركح يحتوي على لوحة عريضة تضمّ رسومات لوجوه غاضبة ، مرحة، باهتة، متشنجة وضاحكة.. وفوق هذه اللوحة ثمة شاشة كبيرة يرى فيها المتفرجون في الصفوف الأولى وجوههم قبل العروض. وأثناء العرض سنرى صورا ثابتة ومتحركة لفرحات حشاد والحبيب بورقيبة وصورة لفريق الترجي الرياضي.

من حيث النسيج الدرامي نحن في أواخر الستينات في حي باب سويقة محرز (قام بالدور فتحي المسلماني) هو مناضل دستوري قاعدي، هاجرت زوجته وعائلتها اليهودية إلى فرنسا، يحاول أن يجمع شتات فرقته رغم إفلاسه: نجد شخصية «الزمني» (قام بالدور جمال مداني) وهو عازف وأب لجيش من الأطفال، غاضب طوال العرض بسبب عدم خلاص مستحقاته وناقد لسياسات بورقيبة وبن صالح، قضّى فترة في السجن مع الفنان صالح الخميسي وله ميول يسارية «فطرية» لا تقبل الخنوع والتملق.

في مقابل هذه الشخصية الغاضبة نجد شخصية فرحات (قام بالدور فرحات الجديدي) وهي شخصية انتهازية متملّقة تحاول فرض راقصة شابة جديدة (قامت بالدور مريم الصياح) لمزاحمة «مامية» عشيقة محرز (قامت بالدور قيسالة النفطي) ثمة أيضا «جوادر» (قام بالدور وجدي البرجي) وهو شخصية تابعة تنحدر من عائلة خدمت كثيرا في بلاطات البايات، لا تستطيع التخلص من تبعيتها المتوارثة في الجينات. ومن ضمن شخصيات المسرحية أيضا نجد شخصية المغني الأعمى (قام بالدور حاتم اللجمي).تتعايش الشخصيات وتتصارع وتتصالح. فوق الركح ثمة خطّان يحكمان بنية الحكاية: خطّ الرفض والقبول: رفض «الزمني» لمواصلة التمارين وانتقاده للإنحرافات التي وقعت فيها دولة الاستقلال: من فشل سياسة التعاضد إلى إرساء الدكتاتورية ويتعدى «الزمني» في نقده لبورقيبة إلى نقد الجموع التي سمحت له بالتحوّل إلى «سيد الأسياد».

وتقابل هذا الرفض شخصية فرحات التي تحاول الانتفاع من كل وضعية تمثل قدامها وشخصية محرز التي تحاول النهوض من الركود والإفلاس.

وهناك خط ثان يحكم المسرحية هو خطّ الغيرة بين الراقصة الجديدة و«مامية» من أجل الفوز بموقع الراقصة الأولى.

وتفتح الأقدار الفردية لهذه الشخصيات القادمة من آفاق مختلفة (من الريف وقصصه المهمّشة إلى المدينة وفئاتها الصغرى والمتوسطة سواء الراغبة في الصعود أو في البقاء) على التاريخ الجمعي بإخفاقاته وصراعاته وسياساته التي لم تكن «سياسات» بقدر ما كانت تمرينا على الحكم وتعلّقا مرضيّا بالسلطة.

في أحد المشاهد القوية من المسرحية يجلس أفراد الفرق على الكراسي مستديرين بظهورهم بينما نرى وجوههم على الشاشة ولعلّ هذا المشهد يكشف ما ترغب المسرحية في كشفه.

تاريخنا يدير لنا ظهره وعلينا أن نكشف عن ذواتنا الحقيقية وأن نبرزها بصراعاتها وانحرافاتها حتّى لا يتكرّر نفس الغرام بالأخطاء التي جعلت تاريخنا على ما هو عليه.

يحتاج المتفرّج على مسرحية «المغروم يجدّد» إلى مراجع ومفاتيح لفهمها ولعل المسرحية تحاول دفع المتفرّج إلى اعادة قراءة الحقبة البورقيبية.

ونلحظ عناية كبيرة من كاتبها الحبيب بالهادي في صياغة حكاية متماسكة وحوارات ذكيّة تغرف من المعجم الحضري والبدوي بمجازاته واستعاراته المقتصدة والجملية والدقيقة دون لغو زائد.

في الكتابة الاخراجية للنصّ اختار الأسعد بن عبد الله البساطة والإقتصاد: لا توجد عتمة أو ظلمة في الركح الفقير والفارغ إلا من بضعة كراس وسلّم كبير، كل شيء يدور في النور وذلك ربما ما نحتاجه: مزيد من النور في أعماقنا وعلى تاريخنا.

 

 


كمال الهلالي