الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



كتاب تذكاري عن حسين القهواجي

طائر السعد يعود بالأمطار


عن المندوبية الجهوية للثقافة بالقيروان ومركز الفنون الدرامية بالقيروان، صدر كتاب جميل تذكاري بمناسبة أربعينية الشاعر حسين القهواجي.

«في سنوات الصغر نشأت على حصير في كتّاب، متردّدا بين اللوح والطلاّسة، أخطّ وأمحو ما أكتب تحت نقر قصبة المؤدب بن غانم، ليتني الآن أسمع صوتي في حلقة الملّة ـ الإملاء وأرى شكل حروفي: الألف بطول السبّابة، الياء مائلة وأصابعي الراجفة أشدّ هشاشة من أصابع الطباشير.

في الدرب الذي يوصل الى الكتّاب، نهج الجامع الحنفي أبحث عن آثار خطاي وراء طفل يمضي، حتما سيتلف يوما آثاره مثلي».

الفقرة أعلاه، هي المدخل الذي تم اختياره لتقديم مختارات من نصوص الفقيد، آثاره التي لن تُتلف لأنّ ربّة الشعر لم تصطف حسين جزافا.

كان الرجل في مستوى مسؤولية ما ألقي في حِجْره من جمر وترك آثارا تليق به (تسع مجموعات شعرية، وستة كتب في باب السيرة الروائية وكتابان مخطوطان في باب النقد): يبستْ حروث الأرض وقت البِذَارْ واغبرّتْ خضرة موائدي قلت سيجري النسغ في الأعواد حتما ويعود طائر السعد بالأمطار.

صدر الكتاب بعناية أسرة الفقيد: أخوه الكاتب والشاعر البشير القهواجي، وابنتاه آمنة ومريم واحتوى على قصائد رثائية وشهادات وصور ومتعلّقات من أرشيف حسين.

وافتتحت قصيدة محمد الكنايسي المهداة الى روح حسين، الكتاب: «أخيرا/وصلت الى بيتك الملكيّ/ وصار بإمكان جسمك/أن يستريح/وقلبك أن لا يدقّ/هنا/لا دماء تحاصر عينيك/لا ألم/لا قلق/هنا لن يزورك إلاّ ملاك الحنان/وعرق الحبق/أخيرا/هزمت بموتك/وحسّ الأرقْ».

ونقرأ أيضا في الكتاب التذكاري قصيدة لمحمد الغزّي، يقول فيها:«لأنّك منذور للتحليق في السماء/لا للسير على الأرض/منذور لصداقة النجوم/لا للإقامة بيننا/حللت بهذه الأرض خفيفا كغيمة صيف/ورهيفا كجناح فراشة/يا صديق الليل والأزقة القديمة/يا صديقي/قل: كيف استبسلت في الدفاع عن البراءة/في عالم تملؤه الذئاب».

في الكتاب أيضا نقرأ شهادة للصحفي والكاتب سفيان بن فرحات عن لقائه الأخير بحسين وأخيه البشير في القيروان: «كان حسين القهواجي على عادته بشوشا، كتوما، يطلّ بين الفينة والأخرى، ويتوارى حياء ورقة، كالسنجاب لكأنه يعتذر لوجوده بين الناس، وطال الحديث وتلاشى البرد وأمطرت سماء القيروان ليلكا وعشقا في زمن الكوليرا».

في الكتاب أيضا نقرأ نعي الشيخ إسكندر العلاني الإمام الخطيب لجامع أبي زمعة البلوي للشاعر:« نسمة من نسائم القيروان أو زخّة من زخات خريفها زفرت كي تفارقنا معلنة أن القيروان قد ثقل عليها الوحي فما عادت تتسع في هذا العهد الكئيب للشعر ولا للشعراء».

عن رحيل حسين كتب أيضا حسونة المصباحي قائلا: «كان رحيل حسين القهواجي مؤلما وموجعا للجميع لذا رثاه أئمة المساجد والحرفيون والباعة المتجوّلون والشعراء والموسيقيون والرسامون والجامعون.. فقد كان وجها دائم البشاشة واللطف، حريصا على أن يكون ودودا حتى مع الذين يسعون إلى ايذائه والتحقير من شأنه، كما أنه كان حريصا على كتمان آلامه وأحزانه في أشدّ الأوقات ضيقا وقسوة. ولعل القيروان كانت الأكثر حزنا ووجعا على رحيله.

فقد أحبّها ليس فقط لأنها مسقط رأسه ومدينة أهله وأجداده، وإنّما لأنها مصدر إلهامه. عنها ظلّ يكتب وبها ظل يتغنّى حتى اللحظة من حياته، لذا هي تحضر في كل ما كتب من نصوص شعرية ونثرية، تحضر بأزقتها الملتوية وشناشيلها الزرقاء وبيوتها القديمة وروائح أسواقها وعطور نسائها...».

كما نجد في الكتاب أيضا قصائد وشهادات لسامي الجزيري والصادق بن مهني ومحمد رباي وريم الكافي ونور الدين الوحيشي، وصورا لحسين مع أصدقائه من كتّاب وشعراء (جعفر ماجد وباولو كويلو وسعدي يوسف وأدونيس وحنا مينا والمغني الكندي جاك بولنجر..) وصورا من رسائله المتبادلة معهم ومن إهداءاتهم (أولاد أحمد، واسيني الأعرج، آلان جوفري، منصف الوهايبي، محجوب العياري، أمجد ناصر، خالد النجار، أوجين غيليفيك، علي اللواتي...) وبورتريهات لحسين من إنجاز وليد الهلالي وحمادي سكيك...

الكتاب إذن به بعض من أنفاس حسين وقد أخرج إخراجا أنيقا بعناية وحبّ بانتظار أن تصدر الأعمال الكاملة لشاعر وكاتب تورّط في «الهاوية، هاوية البحث عن الجميل كبديل لمقابحنا»، شاعر وكاتب كان يردّد هذه الحكمة: «سِرْ بدائك ما حملكْ».

سلام إذن على حسين الذي «ولد بريئا ولبس الضوء نهارا».

 


كمال الهلالي