الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



بورتريه

العم محمد ...وسجن الذكريات الجميلة



بالقرب من تمثال العلامة ابن خلدون في قلب العاصمة قبالة الكنيسة يقف العم محمد ذو الثماني والستين سنة حاملا أدوات التصوير على كتفيه محدقا في المارة الذين حملوا هواتفهم النقالة على اختلاف أنواعها وأحجامها يلتقطون لأنفسهم صور «السلفي» التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي وباتت الشكل الجديد للصور بعد أن غزت التكنولوجيا الحديثة وسائل الاتصال وتوسّع انتشار الهواتف الجوالة لدى شرائح المجتمعات كبارها وصغارها شيبها وشبابها فهذه الأجهزة الصغيرة التي أصبحت تصاحبنا أينما ذهبنا، قدمت لنا ولازالت الكثير من الحلول عبر خصائصها وتطبيقاتها التي تتوسع يوماً بعد يوم، لقد أصبح هذا الجهاز الصغير بديلاً عن الكثير من الأجهزة والأدوات التي كنا نستعملها في الماضي وكانت منتشرة بشكل كبير قبل ظهور هذا الاختراع الذي سحب البساط من تحتها وأودعها سجن الذكريات الجميلة.

«لم تعد للصورة الفوتوغرافية قيمة فالكل اليوم يحمل هاتفه في جيبه وبكبسة زر بسيطة يلتقط صورا متى أتيح له ذلك لينشرها لاحقا على حساباته الالكترونية ويمكن أن تصل إلى أصقاع العالم دون قيد أو شرط» هكذا يعلق العم محمد وهو يتابع حركات البعض من الشباب يلتقطون صورا لهم بالقرب من النصب التذكاري الذي كتب عليه «أحب تونس» المحاذي لنصب العلامة عبد الرحمان بن خلدون... يتابع العم محمد حديثه عن حكاية غرامه بآلة التصوير التي امتدت تسعا وعشرين سنة عاش خلالها أحداث شارع الحبيب بورقيبة حين كان النزول إليه له سحر خاص ومذاق مختلف عن اليوم «الدنيا تبدلت» هكذا يقول العم محمد فلا معنى لقيمة الصورة اليوم من وجهة نظره فهي مجرد لحظة نلتقطها وننساها مع مرور الزمن وتتلف بمجرد تعرض جهاز الهاتف النقال إلى التلف وفي اعتقاده أن الصور الفوتوغرافية سلاح ضدَّ النسيان وهي بمثابة الذاكرة الخارجية للإنسان تتلاقى مع الصور الذهنية له لتعيده إلى زمن التقاط الصورة وما تحمله من حنين وعواطف وجدانية سكنت الذاكرة.‏

يأتي العم محمد كل يوم منذ ما يزيد عن تسع وعشرين سنة إلى شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة في حدود الساعة العاشرة صباحا ليمضي يومه ذهابا وايابا إلى حدود الساعة الخامسة مساء يتحدث إلى المارة ويحثهم على اخذ صورة تذكارية لا يمضي على استخراجها سوى دقيقة واحدة بفضل المعدات التي يحملها يوميا معه وتصاحبه خلال رحلته بالشارع فالتصوير يتطلب مصوراً محترفاً مبدعاً ، يتقن فن التصوير ويضع لمساته بأفكاره وما يحمله من طابع الحميمية في الصورة لإبراز المعاني وتوضيحها ليجعلها «تنطق».

الصورة مهمة ولها محطة في حياتنا لما لها من خصوصية وأهمية وتحمل طابعاً إنسانياً ومعان متأججة بالمشاعر والأفكار التي تدور في خلجات النفس والوجدان والبال...

فحتى أصحاب الاستديوهات أكدوا أن انتشار الكاميرات الرقمية «الديجتال» أثر بشكل كبير على إقبال المواطنين والمقيمين وأصبح جل الناس يفضلون التقاط الصور التذكارية من كاميراتهم الشخصية أو هواتفهم التي تواكب التقنيات الرقمية واقتصر عمل الاستديوهات على صور جواز السفر أو بعض الصور الرسمية التي يحتاجها بعض الزبائن إضافة إلى الأفراح والمناسبات التي باتت المتنفس الأخير لهم، فالكاميرات المحمولة تجاوزت الآن مستوى 10 ميغابيكسل، ولم تعد ألبومات الصور، هي المكان المناسب لتخليد الذكريات، بل حافظة الهاتف المحمول أو الحاسوب المحمول.

يمضي العم محمد يومه ذهابا وإيابا في شارع الحبيب بورقيبة وقد يظفر بصورة أو اثنتين أو ثلاثة وأحيانا يعود صفر اليدين فلا سبيل إلى الاسترزاق إلا بتلك الآلات التي تعوّد عليها وتعوّدت عليه فالعالم من حوله يتطور وها هو يقاوم ليظل في مكانه غير عابئ بانتشار الهواتف الذكية وبقدرتها العجيبة على التطور ما أدى إلى الإستغناء عن العديد من الأدوات والأجهزة ومنها أجهزة آلات التصوير العادية التي كانت تستخدم لتصوير الذكريات وعند المناسبات والرحلات.

يغير العم محمد مكانه متأملا فريقا من السياح الكوريين الذين حلوا بالقرب من النصب التذكاري الذي كتب عليه «أحب تونس» وهم يتباهون بآلات التصوير المحترفة التي تسلحوا بها وفي باله سؤال:«كم بقي على مجيئي صباح كل يوم إلى هنا»؟.

 


جيهان بن عزيزة