الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



هكذا أرى

حكاية.. زهرة البلاستيك


بقلم: محمد مصمولي

.. الرجل الذي يلج عتبة المقهى.. ويتخطى طاولتي ليجلس في الزاوية الحادة من القاعة.. لم أنتبه، في الوهلة الأولى، لمجيئه لأنني كنت منغمسا في قراءة جريدتي اليومية المعتادة.. المفضلة...

ـ وعندما حانت مني إلتفاتة عابرة إليه.. فوجئت بأنه يصوّب نحوي نظرة مستطلعة.. ثاقبة، وكأنّه يريد أن يقول لي شيئا.. ولا يقوله أو يخشى أن يقوله..

عدتُ إلى قراءة الجريدة، منشغلا عنه بأخبار التظاهرات والإعتصامات.. ثم رفعتُ رأسي قليلا والتفت إلى هذا الرجل فإذا به ينظر نحوي بنفس الإلحاح.. ولما بادلته نفس النظرة طأطأ رأسه في جريدته.. يقلب أوراقها بشيء من التشنج.. متمعنا في أخبارها، مائلا برأسه التي تكاد أن تسقط على كتفه اليمنى..

... والغريبُ في أمر هذا الرجل المهتم بشخصي أكثر من اللزوم، أنّه، كما إكتشفته في تلك اللحظة، يُشبهني في أكثر من شيء واحد: الملامح، البذلة الرمادية، ربطة العنق، الطول.. ولستُ أدري ماذا أيضا؟

.. أيكون هذا السيد الذي لا أتذكّر متى أو أين رأيته من قبل هو.. «أنا» الضائعة.. أو التوأم الذي لم تلده أمي؟

... همَمْتُ أن أستوي واقفا.. لأتّجه نحوه للتعرّف عليه ولمعرفة معنى هذا التشابه بيني وبينه.. لكنّني هممْتُ ولم أفعل كأنّ شيئا في لاوعيي يمنعني من ذلك أو يدعوني إلى التريث.. والصبر..

وما أن عدتُ إلى قراءة الجريدة حتى فوجئت بهذا الرجل يستوي واقفا.. ويتجه نحو طاولتي في المقهى، ويأخذ كرسيا ويجلس قبالتي دون إستئذان...

... ماذا يريد هذا الرجل؟

مال قليلا برأسه، وبعد أن إرتسمت ابتسامة متردّدة على شفتيه، قال لي:

ـ أنت تتساءل لماذا أطيل النظر إليك، ولماذا أشبهك في كل شيء.. أليس كذلك؟

ـ نعم... لماذا؟

ـ أنت تريد أن تعرف؟

ـ نعم .. أن أعرف.. إن سمحت!

... هنا شرب الهواء بأنفه واختزله لحظات ثم دفعه بواسطة تنهيدة حرّى وقال:

ـ دعنا من مسألة التشابه بيننا فأنا قد أطلت النظر إليك، منذ قليل، لأنني أدركت أنّك تفكّر مثلي في شيء هو شكل بلا معنى.. أو معنى بلا شكل.

ـ ما هو هذا الشيء؟

ـ زهرة البلاستيك التي جمالُها.. شكلٌ بلا معنى، بل شكلٌ بلا روح.. مثل ما كنّا عليه قبل الثورة...

ـ لم أفهم..؟؟

ـ دعني أفسّر لك.. فالعهد المشار إليه كان استقرارا بلا ديمقراطية مثل زهرة البلاستيك.. كان شكلا بلا معنى..

ـ وهل تعتقد أن السنوات العجاف التي مرّت بعد حدث 14 جانفي 2011 قد حولت زهرة البلاستيك إلى زهرة حيّة لها رائحة ينتعش لها القلب وينشرح؟

ـ هذا ما جعلني أنظر إليك طويلا ثم أجلس أمامك لمعرفة رأيك.. في ما نحن فيه الآن بعد كلّ هذه السنوات العجاف.

... قال هذا... ثم لاحت ابتسامة تحدّ على شفتيه وقال:

ـ في الحقيقة... أنا لا أستشيرك ولا أطلب رأيك في هذه المسألة، لأنّني أعرف أنك مثلي تماما ترى أنّ ما نحنُ فيه الآن.. شكلٌ مغلّف بالديمقراطية وجميل لكنّه شكلٌ بلا معنى ما دام مثل زهرة البلاستيك التي ليس لها عطر ينشرح له الصدر.. وأنا هنا أتحدّث عن غياب الإستقرار، فقلت له:

ـ كنّا في إستقرار بلا ديمقراطية.. فأصبحنا نسير في إنتقال ديمقراطي بلا إستقرار... ولا أحد من التونسيين يعرف إلى أين نحن نسير..؟؟

 

... قلتُ هذا للرجل الذي لا أدري إن كان شخصا إفتراضيا أم أنه قد نظر إلى باب المقهى.. وهرول مبتعدا.. واختفى عن الأنظار..

ولستُ أدري.. فأنا لم أفاجئ إلا نفسي عندما أدركت أنني كنتُ أتحدث في أحلام اليقظة..! أتحدث مع نفسي... لا مع شخص من لحم ودم.. أمامي أو ورائي..

... فأنا، على ما يبدو مريض بالموطن.. مهموم جدا بهمومه..!