الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



على وزن الريشة

في تعريف الإسلام السياسي..؟


بقلم: حسن بن عثمان

في مقال لها على موقع «عربي 21» بعنوان «القضية الفلسطينية ومحاولات تزييف الوعي»، نشر في أواخر شهر ماي 2018، بقلم السيّدة سميّة الغنوشي، ابنة الزعيم النهضوي راشد الغنوشي، جاء فيه ما يلي:

ـ ... «وبما أن نظرية الأمن القومي الجديدة التي وضعها النظام العربي قد حددت هوية الصديق أو الحليف، فقد عرّفت بالضرورة جبهة الأعداء الحقيقيين أو المحتملين. وهؤلاء على التوالي هم: الفلسطينيون، ثم تركيا وإيران، وشيء مبهم وغامض اسمه «الإسلام السياسي».

عن ذلك الشيء الغامض الذي اسمه «الإسلام السياسي» أحاول أن أقدّم بعض التعريفات من أجل أن ينجلي الغموض في بلاد تلعب «الغمّيضة السياسية»، ويستهين كتّابها وكتاباتها، ممن ينشرون في منابر الإسلام السياسي القطريّة، بمفاهيم صارت رائجة ومعروفة الدلالة وعلى من تدلّ، تحديدا، وليست غامضة إلا لمن هو مغرم بالغموض.

ونسوق في ما يلي بعض التعريفات كرؤوس أقلام، كل تعريف منها يستحقّ التوسّع والاستفاضة، من قِبَل من يرغب في مزيد التوسّع.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو فتح جديد للمجتمعات المسلمة وأسلمتها ثانية، وتقسيم الناس في المجتمعات المسلمة بين علمانيين وإسلاميين، كما جاءت في أدبيات الإخوان المسلمين وما نطق به زعيم النهضة، لزرع الفتنة وإشعال الحرب الأهلية في بلاد في حالة نِفَاس، وتكاد تلفظ آخر الأنفاس.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يفصل «الدعوي عن السياسي» كلّما وصل إلى الحكم، وتاقت نفسه للتمتّع بشهوة السلطة وغواية الاستبداد بالديمقراطية، فيخلع الإسلام كما يخلع جبّته ويصير لا يراعي الله ولا عباد الله ولا الإيمان ولا الأوطان في كرامة الإنسان، بصفته الإنسانية المحضة.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو التستّر بالدّين لغايات دنيوية رخيصة، رُخْصَ الطالب والمطلوب.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي سمّى أمريكا بـ «الشيطان الأكبر»، وهو حين تمكّن بالمشاركة في السلطة صار يعبد من كان يسمّيه الشيطان الأكبر ويشرك به الله، ولا يرفض له طلب ويطأطئ له الرؤوس في صفقة القرن المُعلنة، ولكن غير معلومة المجريات والتكاليف والنتائج.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي إذا فشل في إقامة دولته طالب من المواطنين، الأبرياء من دعوته ومذهبه ودولته الإسلامية، طالبهم بالاعتذار والتعويض لمناضليه في سبيل دولة الخلافة «السادسة» التي لم يقيموها في البلاد ومع ذلك يدفّعون البلاد ثمن فكرتهم الفاسدة.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يحارب إعلام العار ليعوّضه بإعلام الدعارة ويبيع البلاد بأثمان رخيصة في ممارسات مريبة، غامضة، ويتحالف مع قناة «نسمة» ويصبح نبيل القروي هو المكلّف بإشهار كتب الشيخ الغنوشي والدعاية لأفكاره التي يفهمها السماسرة ولصوص الشعب. كتب الغنوشي التي لم يناقشها اتحاد الكتاب التونسيين ولا بيت الحكمة، واكتفت من الساحة الثقافية التونسية بإشهار التلفزي تافه.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يقوده شيخ يصبح أستاذا، في سنّه المتقدّمة، وله ربطة عنق في رقبته، برمزيتها المسيحية، والتثليث في العقدة والتثليث في نهاية الربطة، لكي يتشبّه بمن يعتبرهم كفّارا، حين وصل إلى السلطة وشارك في الحكومة.

 

ـ «الإسلامي السياسي» هو الذي قسّم الإسلام بين سنّة وشيعة يقتتلان منذ فجر الإسلام إلى الآن، وبالحماقة ذاتها، في تكرار أبديّ للجرائم ذاتها، بإسم الإسلام وسفك دماء المسلمين إلى أبد الآبدين، بالعقلية السلفيّة ذاتها.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو استعمال الإرهاب والإفساد في الأرض إذا لم تنجح المغالبة وسحق خصومه بـ «الديكتاتورية الناشئة» أو بـ «الديمقراطية الناشئة»، سيّان. قاتلك، قاتلك، فنيّة القتل والتكفير في فلتات اللسان.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يحرمنا من إسلام ديني يجلب المصالح ويَدْرَؤُ المفاسد، ويُرضي ضمير المؤمنين ولا يزيد في عذابهم الضميري وتأزّمهم الأخلاقي. دين يفهمه كل ذي عقل سليم، فليس الدّين ملكية خاصة للجماعة التي تحتكر الإيمان وتحتكر تمثيله، وتحديد مجاله وحدوده وتأويله، وتمنح اعترافها بالإسلام لمن تشاء وتحجبه عمّن تشاء، كأنها هي من نزلت عليها رسالة محمّد، عليه الصلاة والسلام، دون الآخرين من محمّد وأمّة محمّد، في السابق واللاحق.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي جعل صورة الدين الإسلامي قاتمة وخبيثة في العالم المعاصر، وصار الإسلام مرادفا للإرهاب والسلوك المنحرف والانفصام في شخصية معتنقي الديانة المحمّدية، وكاد يصبح الدين الإسلامي مطابقا للشرّ المحض.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يؤبّد خوفنا من الحياة وخوفنا من الموت ويحرمنا من رجاء رحمة الرحمان الرحيم في الدنيا وفي الآخرة، لأنّ الإسلام السياسي هو إسلام الاستبداد بالسلطة السياسية والمعرفية والثقافية والمادية والروحية، وكل شيء في الحياة.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو سليل الهزيمة الحضارية ما زال يجرّ أذيالها، ويحلم بالإمبراطورية/ الخلافة الجامعة لكل المسلمين، والتي صارت في خبر كان. وهي من الماضي الميّت الذي علينا الاتعاظ به لا تكرار مآسيه.

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يدّعي الانتساب لحضارة كبيرة في حين أن لا ثقافة له كبيرة ولا صغيرة، ولا إبداع، بدليل أن حركة النهضة منذ شاركت في الحكم وهي تَسْكُتُ ـ إذا لم تكن ضالعة في التخطيط ـ تسكتُ عن إشاعة التفاهة والرداءة والدعارة في الإعلام، وتقفّل الأبواب أمام النخبة والأسئلة الحضارية وتطمس النقاش الثقافي العام وتنوير المشاهدة.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يفكّر في التطبيع مع إسرائيل ولا يفكّر في التطبيع مع شعبه، ليكون وجوده طبيعيا وليس مفروضا من قبل دول «الاستكبار العالمي».

.....

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي لم يعثر بعد، أو هو لم يشأ البحث، عن إسلام يعيد للدين السماوي دوره في إحياء الأفئدة والقلوب وتشكيل ضمير المؤمن وفق مقاصد الشريعة وسماحة الأخلاق والسلوك، في تناغم بين العبادات والمعاملات التي تتّقي الله ولا تمارس النفاق ولا الغشّ ولا ارتكاب المعاصي والذنوب. بعد النقاش في المعاصي والذنوب واتفاق، النقاش الذي لا يطيقه الإسلام السياسي، أبدا. فالإسلام السياسي يرغب، فقط، في الأتباع والإتباع وموت النقاش والإبداع.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يدافع عن الدول التي تدّعي الإسلام، ويهمل الدفاع عن أرض بلاده التي يحمل جنسيتها، ولا يغار على دولته ومصالحها المخصوصة. يقف مع إيران أو مع تركيا أو مع السعودية أو مع إخوان مصر في المعارك على السلطة والخلافة وسفك الدماء بإسم المذاهب الدينية والأحزاب العقائدية، ولا يحترم الإسلام في بلاده وما أبدعه تاريخه من إيمان بالله يتجاوز السياسة ويقترب من السماحة، سماحة الدّين السماوي، ورحمة السماء التي كلّما اشتدّ ضيق الأرض وضاقت الدنيا بما رحبت على الكائن البشري الهشّ، كانت السماء رجاءه إذا تطلّع لها وهو يؤمن برسالتها الهادية .

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يدور في فلك المخططات الدولية للبلدان الاستعمارية ولا فلك له ولا سفينة ولا بوصلة ترشده لما ينفع الناس، كل الناس، بما أن الدين الإسلامي دين لكل الناس، صالح لكل زمان ومكان وإنسان، لأنه يدعو للتوحيد وعدم الشرك بالله وعبادة الأصنام والأوثان من الحجر أو من البشر، الأحياء منهم والأموات، في الداخل والخارج؟

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي دمّر سماحة الدين الإسلامي وجعله ألعوبة في أيدي المتوحشين العابرين للقارات لاستعماله في الحروب والقتل والتدمير، بالوكالة عن لعبة الأمم الكبيرة، بإسم الإسلام وتحت راياته السوداء والبيضاء والخضراء والقزوردية وأصوات التكبير، عند القيام بالفظاعات، وما لا يطاق، وتهديم ذاكرة التاريخ وأصنام الحضارات وآثارها.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يحرّم الخمر دينيا ويسمح بشربه وصناعته والمتاجرة فيه دنيويا بلا سند شرعي ولا عقلي، ولا يهتمّ كثيرا ولا قليلا بتجديد فقهه وتجديد الذهنيات في مثل هذه المواضيع التي تدور حول الحرام في النصوص، الحلال في الممارسة والدولة والإدارة، بما يدمّر المنطق لدى الشعب.

ـ «الإسلام السياسي» هو الممارسة التي تعاني ازدواجية قاتلة بين الأقوال والأفعال، وانفصاما خطيرا بين العقيدة والعقد النفسيّة التاريخية. ممارسة في الحضيض وهي تحلم بالنهضة واستعادة الأمجاد، في قفزة واحدة على السلطة السياسية، لتحكم رعيّة من الأنعام؟؟؟

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يعتبر نفسه على الصراط المستقيم، وغيره من المسلمين وغير المسلمين على باطل، ويحقّ له إكراههم على إسلامه السياسي، بكل الوسائل الخفيفة والعنيفة والقاتلة.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي رفع ويرفع شعار «الإسلام هو الحلّ»، وحين تولّى السلطة لم يقدم حلاّ من الحلول السياسة أو الحضارية، سوى الفتن المتتالية والانهيار المتتابع وإلحاق الأذى بالدين الإسلامي.

 

ـ «الإسلام السياسي» هو الذي يعتقد اعتقادا جازما أنه إسلام الأسلاف لا إسلام الأخلاف. وهو الذي أهان الإسلام وأهان السياسية، وأمامه فرصة نادرة في تونس ليبرهن أنه ليس من قوى الاستعمار بإسم الإسلام، ويساعد على إنقاذ هذه البلاد الحائرة بين دينها ودنياها، بقول يصدّقه العمل. لتصبح التجربة التونسية تصلح للاقتداء في التعايش السلمي المشترك بوعي حضاري يؤمن بأن الإنسان الفرد مدار كل الخلافة، خلافة الله على الأرض من أجل عَمَارها لا تخريبها. فالناس كلهم خلفاء لله في أرضه، لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.

 

تلك رؤوس أقلام في هذه المساحة الصحفية، نهديها للسيّدة سميّة الغنوشي، ويمكن البناء عليها لفهم معنى «الإسلام السياسي»، نسوقها دون نوايا استئصالية ولا مزايدات سياسية ولا تشهير، وإنما برغبة عارمة للمساعدة في خروج بلادنا من المأزق الكبير التي هي فيه، وينذر بكل الأهوال، والرهان يظل دائما على تحويل حركة النهضة، إسلام سياسي، إلى حزب مدني يفصل بين السياسي والدعوي دون أن ينسلخ من الدين الإسلامي ورسالته الخالدة في الحريّة العقائدية والإنعتاق، وقيمه السمحاء وكفره بالطغيان والظلم والعدوان والبهتان وتكريمه للإنسان، هذا إذا جَنَحَتْ حركة النهضة للسلم والمصارحة والنقد الذاتي لطيّ صفحة الماضي، ربّما بذلك تكون تونس في طريقها نحو الخروج مما تردّت فيه بعد الثورة التي صار يدّعيها «الإسلام السياسي» لذات نفسه، وحده، فكرّه فيها التونسيين، ودمّرها وفرّط في مطالبها وشعاراتها ومعناه، مع أنه لم يكن مشاركا على الميدان فيها خلال حدوثها، وصار يعتبر عودته من المهجر للبلاد، فتحا كفتح مكّة، ويصف خصومه بـ «الطلقاء»، والطلقاء هو تعبير للقيادي النهضوي العجمي الوريمي.

أما الدّين الإسلامي المقدّس، قوّة البلاد الروحية، فلا خوف عليه من التدنيس، سواء من المؤمنين أو الكافرين به، في تونس أو في غيرها من البلدان، قبل الإسلام السياسي وحركة النهضة وبعد حركة النهضة، إذ «للدّين ربّ يحميه» إلى قيام السّاعة. ومن آياته: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ»، قرآن كريم، وليس من أدبيات «الإسلام السياسي».