الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



في عرضه ما قبل الأوّل:

فيلم «الواحة» لنواة:اسم جمنة ينتشر في الأرض



يكشف فيلم «الواحة» عن تجربة تونسيّة «عجيبة» ، نجحت بإعجاز ولا تزال مهدّدة وتلك مفارقة تونسيّة أيضا ،في الإقتصاد التضامني الإجتماعي التشاركي. وهي تجربة ملهمة جلبت إليها الأنظار من كلّ اصقاع العالم. استقبلنا صحفيين وباحثين وناشطين اجتماعيين من أربع بقاع العالم باستثناء قارة استراليا ، يقول الطاهر الطاهري رئيس جمعية حماية واحات جمنة :«استقبلنا ضيوفا من المانيا ، اسبانيا ، البرازيل والمغرب...».

ينفتح الفيلم على مشاهد قامات النخيل الشامخة وعلى صوت الطاهر الطاهري وهو يروي قصّة الواحتين ، إحداهما بمساحة 111 هكتار والأخرى بمساحة 74 هكتارا. في بداية القرن الفائت استولى عليهما المعمّر وقام بزراعتهما. بعد الإستقلال أصبحتا أراض دولية، حاول الأهالي استرجاعهما بالتظلّم لدى المحاكم أو لدى السلطة التونسية(في 1964و1965). الواحتان كانتا تسوّغان للخواص. في 12 جانفي2011 استرجعهما الأهالي ، قبل فرار الرئيس السابق بيومين. وعلى هذا النحو تنشأ بإعجاز تجربة تونسية في الاقتصاد التضامني، وحيدة،لأنّ التجارب الأخرى فشلت وتلك قصّة أخرى .

عرض الفيلم بفضاء مدار قرطاج مساء الخميس 7 جوان 2018 وكانت كارثة قرقنة لا تزال تلقي بظلالها الدامية على التونسيين . في النقاش الذي أعقب العرض سألت إحدى الحاضرات ، هل هناك شبّان من جمنة كانوا يرغبون في «الحرقان» على المركب الذي غرق ؟ : « يجيب الطاهر الطاهري بطمأنينة الزارع لفكرة عظيمة في أرض تضيق بالأفكار العظيمة : «لم «يحرق» أيّ شاب من جمنة».

من ضمن الشهادات في الفيلم، يقول أحدهم أنّ سياسة دولة الاستقلال الاقتصادية هي رأسمالية لذلك تقاوم بشراسة أيّة تجربة في الاقتصاد التضامني التشاركي . ولن تحلّ المسألة إلاّ بقرار سياسي بقبول التجربة أو بقرار ثوري يفرضها .

عيون الأهالي التي صوّرها صحفيو نواة ، الذين تابعوا اطوار التجربة والمعركة مع بيروقراطية دولة ، لا تعرف ما جنسها : هل هي دولة راعية أم دولة رأسمال هجين وقامع ، تقول الكثير. ثمّة توجّس يرتسم على الوجوه المشعّة . وجوه «أهلنا في جنوب الماء » ، ولعلّ وهج هذه التجربة من وهج تلك الأرض .

سألنا السيّد الطاهر الطاهري كيف نشأت التجربة وكيف قبل الأهالي أن تكون الواحتان ملكا مشتركا للجميع تصرف مداخيلهما في الشأن العام دون أن تدّعي عروش أو أفراد أحقيتها بالملكيّة ؟ فأجاب أنّهم وجدوا انفسهم في هذه « الهلّما» ولم يكن واضحا منذ البداية ماسيؤول إليه الأمروهكذا ولدت التجربة بشكل عفويّ .

استرجع الأهالي الواحتين وكوّنوا جمعية حماية واحات جمنة . وببساطة يقول الطاهر الطاهري :« درّستهم لمدّة اثنتين وثلاثين سنة ، لذلك كان طبيعيا أن يقع الإختيار عليّ». ويضيف «أنا حامل للفكر اليساري الإجتماعي ومثلي اشتراكيّة». بهذه الخلفيّة لعرّابها نجحت الجمعية في إدارة الواحتين . تمّ تعهّدهما والعناية بهما . العمال الذين يشتغلون بهما ، مع النظّار والحرّاس( عددهم قبل 2011 ، 20 عاملا، ثمّ 40 عاملا في 2011 ،ثمّ 133 عامل قارّ و134 عامل عرضي في 2016) هم أجراء حقوقهم الإجتماعية محفوظة. هم ليسوا شركاء ولا يتعلّق الأمر بتعاضدية . يقول أحدهم في الفيلم : «كان هنشيرا منسيّا والآن استعدنا ملكيته، والدي كان يشتغل هنا ،الحمد لله من مداخيل الهنشير أقمنا مدارس وملاعب ،والحال جيدة :شاقي ولا محتاج». الواحتان ومداخيلهما ملك عام للجميع . غلّة ما يقارب مليونا وثمانية نخلة ، بسعر افتتاحي لا يقلّ عن مليار وخمسمائة دينار، عاد ريعها على ما تحتاجه جمنة ، في ظلّ الغياب المريب لدولة الإستقلال.

اشترت الجمعية سيّارة إسعاف للمستشـفى وقــامت بإضافة بنايات وإعادة تهيئة مدرسة جمنة الكبــرى ومــدرسة النجاح . كــما قامت بتهيئة سوق التمور والدواب ببناء فضاءات مغطّاة تقي من الشمس والأمطـار. وأعــادت تهيئة المقبرة وتحسين مسجدين وبناء قاعة رياضية مغطّاة وشراء سيّارة إسعاف والمساهمة في شراء آلة للكشف عن سرطان الثدي..

كما تعين الجمعية الجمعيات الثقافية والاجتماعية بالمنطقة، هيّأت مثلا مقرّ الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ، وكما الحال مع مركز الشرطة إذ وهبته أجهزة كمبيوتر.. وتنظر الجمعية أيضا في الحالات الإنسانية وتقوم بدراسة الملفات بهدف تقديم العون للمحتاجين من الأهالي.

نقل إلينا صحفيو نواة، المنحازون عاطفيا وايديولوجيا للتجربة ، مشاهد من البتّة العمومية لبيع غلّة الواحتين . أهالي جمنة مجتمعون في حلقة حول الطاولة التي يجلس عليها الطاهر الطاهري مع أعضاء الجمعية ونوّاب الجهة وسياسيين وناشطين اجتماعيين قدموا للمعاضدة . قامات النخل تبدو في الصورة مائلة كما لو أنّها تحدودب عليهم . وحين تمّ التبتيت قام الجميع بعناق الطاهر الطاهري الذي لم يكن يقدر على حبس دموعه المنهمرة.

كان هناك صراع حقيقي مع الدولة التي لم تقبل بالتجربة . حجز الحساب البنكي للجمعية . وقام السيّد مبروك كورشيد وزير أملاك الدولة بمنعهم من جني الصابة وإقامة البتّة ، وتعطّلت سقاية الواحتين بالماء لمدّة أربعة أشهر. وانتهى الأمر عقب اجتماعات عديدة مع الوزارات المعنية ( أملاك الدولة والفلاحة ) ومع رئاسة الحكومة بتعهّد وزارة الفلاحة بالملفّ وبتكوين تعاضدية فلاحية تشرف على تسييرها جمعية حماية واحات جمنة .

الحالة الآن جامدة تراوح مكانها، يقول الطاهر الطاهري ،مضيفا أنّه لم يقع التقدم خطوة واحدة. عرضنا على الدولة كراء الواحتين كما يحصل عادة مع المتسوّغين الآخرين .لكنهم رفضوا . قالت لهم القاضية كلثوم كنّو أنّ من حقّهم ذلك ، قياسا على جمعية القضاة التي تسوّغت أرضا فلاحية بسكرة تتصرّف فيها إلى اليوم . كما لاحظ الطاهري أنّ وزارة أملاك الدولة ووزيرها مبروك كورشيد قاما بتسويغ ضيعة قريبة لأحد الخواص ....

لماذا نجحت التجربة في جمنة فقط ؟ عن ذلك يجيب الطاهر الطاهري بأنّ محاولات الأهالي في القصرين ومناطق أخرى في الجمهورية في استرجاع ضيعات فلاحية دولية ، أخفقت لأنّهم غير مدرّبين على النضال الإجتماعي وتنقصهم التربية عليه .

بلغ مدخول الواحتين في 2016 ،من البتّة العمومية التي أقيمت بحماية من الأهالي ونواب وناشطين سياسيين واجتماعيين بسبب استصدار وزارة أملاك الدولة لأمر الزامي بعدم تصرّف الجمعية فيهما ،1.7 مليون دينار تونسي. وبحسب موقع نواة فإنّ مقارنة هذا الدخل بالدخل السابق المتأتي من تسويغها للخواص يكشف حجم الضيم المسلط على الجهة ويطرح أسئلة عن سوء التصرف في الملك العمومي : سوّغت الواحتان بمبلغ 14 الف دينار(9 آلاف دينار نظير 111 هكتار و5 آلاف دينار نظير 74 هكتارا ). ويضيف الموقع : «عملية حسابية بسيطة، تكشف حجم الاستغلال الفاحش للملك العمومي، إذ تمّ التفريط في 10800 نخلة منذ سنة 2002 إلى حدود سنة 2011 بقيمة إجمالية لا تتجاوز 800 ملّيم للنخلة الواحدة التي يتراوح مردودها السنوي من التمور بين 150 دينار و200 دينار. أي أنّ الدولة لم تكن تنتفع بأكثر من 14 ألف دينار سنويّا طيلة 9 سنوات، ولم يكن هنشير جمنة يعود على المجموعة الوطنية ومن ضمنهم أهالي البلدة سوى بـ 800 مليم سنويا للنخلة الواحدة».

هذه إذا تجربة تونسية، عجيبة وغريبة ناجحة ومهدّدة بالوأد، في الإقتصاد الاجتماعي التضامني التشاركي ، الذي يلهج الجميع في مديحه العالي دون أن يضعوا خميرة واحدة في طين أرض تحتاجه حتّى تتحوّل الكرامة من شعار إلى قيمة تنفع الناس.

 

 


كمال الهلالي