الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



كتاب المدرسة الفقهية المالكية بتونس لمحمد العزيز الساحلي

دراسة في تشكّل الهوية الثقافية المستقلة للتونسيين منذ العهد الصنهاجي


يعدّ كتاب «المدرسة الفقهية المالكية بتونس وتطورها من القرن الرابع إلى القرن السادس الهجري» هو الكتاب الثامن للباحث محمد العزيز الساحلي نجل المؤرخ الكبير حمادي الساحلي والذي سار في التأليف العلمي على نهج والده. وتكمن أهمية هذا الكتاب الذي جاء مكثفا باعتبار أنه اشتمل على 126 صفحة فقط من الحجم المتوسط في أنه شكّل دراسة جادة قبضت على اللحظة التاريخية الفارقة خلال العهد الصنهاجي الذي شهد استقلال البلاد التونسية عن مركز الحكم الفاطمي بالقاهرة. وهي المحاولة الثانية في تاريخ استقلال تونس عن نزعات حكمها من الخارج. فالمحاولة الاستقلالية الأولى تمت في عهد الأغالبة، أما المحاولات الثلاث اللاحقة على العهد الصنهاجي فقد سُجلت عند استقلال الحفصيين عن مركز الخلافة الموحدية بمراكش ثم عند استقلال البايات عن الخلافة العثمانية باسطنبول وأخيرا لما استقلت تونس عن الاستعمار الفرنسي.

وما تعنينا الإشارة إليه في معرض مطالعتنا لهذا الكتاب هو الدور الذي اضطلعت به النخب الأدبية والعالمة خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين في تحفيز الطبقة الحاكمة وقتئذ على إنهاء حالة التبعية المطلقة للحكام المشارقة، وذلك بشكل تدريجي انتهاء إلى إعلان حالة القطيعة مع مركز الحكم الفاطمي بالقاهرة، الأمر الذي لم يتقبله أولائك الحكام فعاقبوا بلاد إفريقية التونسية عن طريق تسليط قبائل الأعراب عليه، وهي القبائل التي كانت تعيش على نهب وقطع الطرقات في شبه الجزيرة العربية قبل أن يقع نقلها إلى سينا ثم إلى الصعيد ثم تسريحها لغزو القيروان.

وبصرف النظر عن الخراب الذي لحق البلاد جراء غزوة أولائك الأعراب فإن الحكم الصنهاجي قد حقق للبلاد التونسية ازدهارا وأمنا وخاصة نهضة فكرية وأدبية وفنية مازالت آثارها قائمة إلى اليوم سواء من خلال الآثار أو من خلال المصنفات العلمية والأدبية.

وفي هذا المعنى توقف الباحث محمد العزيز الساحلي في الباب الثاني من كتابه هذا عند الحياة الفكرية والدينية في العصر الصنهاجي الذي لمع فيه الشاعر ابن شرف وابن رشيق القيرواني صاحب كتاب «العمدة» والمؤرخ الشهير الرقيق القيرواني وإبراهيم الحصري صاحب كتاب «زهر الآداب» وعبد الله الشقراطسي صاحب القصيدة الشهيرة الشقراطسية وابن النحوي التوزري صاحب القصيدة الشهيرة «المنفرجية» التي يقول مطلعها «اشتدي أزمة تنفرجي*** قد آذن ليلك بالبلج» إلى جانب أب الصلت أمية بن عبد العزيز وابن أبي الرجال...

وبعد استعراضه مظاهر ازدهار العلوم والفنون رصد المؤلف نتائج الحراك الفكري الديني بالقيروان الذي أدى بعد تحالف الفقه المالكي مع العقيدة الأشعرية إلى خوض حلقات جدال مع خصومهم الشيعة أنهت سلطان الفكري الشيعي بالبلاد التونسية وأعادت البلاد إلى منهجها النقي في التفكير والتدين.

ولم يغفل الباحث أيضا عن دراسة مرحلة تحالف المالكية مع التصوف ومهادنة الإباضية مما حقق للبلاد استقرارا اجتماعيا قبل أن يختم كتابه بباب رابع استعرض فيه إشعاع الفكر القيرواني على العالمين العربي والإسلامي عن طريق شخصيات مجددة على غرار ابن أبي زيد القيرواني وأبي الحسن القابسي والمازري وغيرها كالسيوري.

 

 


ولا شكّ في أن هذا الكتاب يضع في متناول قارئه بسطة وافية حول طبيعة الشخصية التونسية الت