الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



في رمضان هذا العام:

كوميديا... خالية من الضحك



بقلم : منيرة رزقي

ليس في الأمر تلاعب بالكلمات أو محاولة ليّ عنق الحقيقة فقد بتنا حقا في حاجة إلى ضحكة صافية مدوية تخرجنا من غياهب الإحباط التي تردينا فيها شعبا بأكمله باستثناء قطعا من صنع كآبتنا. ولكن هذه الضحكة غائبة خاصة مع غياب صناعها من المبتكرين والمجددين القادرين على توظيف مفارقات الواقع وسوداويته إلى كوميديا ضاجة بالضحك وإثارة البهجة وذلك هو سحر الكوميديا واهم دور لها.

ورغم قرب انقضاء شهر رمضان الذي قدمت على مائدته جملة من الأطباق الموسومة بالكوميدية ورغم انه اكثر الشهور التي يفر فيها المشاهد الى التلفزيون ويبحث عن مادة ترفيهية مسلية الا ان الرهان على الضحك يبدو كالمراهنة على خروج بلدنا من عنق الزجاجة الذي تستقر فيه منذ سنوات.

وها أن من يسمون أنفسهم صناع الكوميديا في بلادنا من مختلف أجيالهم ومدارسهم وثقافتهم قد فشلوا جميعا في تقديم ما يسلينا او يسري عنا ولقائل ان يقول لعلنا لم نعد قادرين على الضحك ولعلنا ظلمنا القوم الذين اعدوا عدتهم وعتادهم وأمطرونا بما جادت به قرائحهم وهدفهم الأسمى إضحاكنا ولكن لأصحاب هذا الرأي نقول أن هؤلاء يتسارعون من اجل الفوز في «ميسرة رمضان» ولو على حساب المشاهد وذوقه واعصابه احيانا وانهم استسهلوا الكوميديا التي هي أصعب الفنون على الإطلاق كما يقول رموزها وفرسانها في العالم بأسره.

وليس هذا فحسب بل إنه ثمة ما يمكن ان نسميه بالضحك على الذقون من خلال إيهامنا بأن بعض الأعمال تنتمي الى صنف الكوميديا ولكنها في الحقيقة موغلة في تراجيديتها من فرط السذاجة، رغم العدد الكبير للأعمال الموضوعة تحت لائحة الكوميديا هذه السنة والتي تسابق أصحابها في إنتاجها على حساب الدراما الاجتماعية لأسباب معلومة وهي تحقيق نسب مشاهدة عالية وبأقل التكاليف.

ومن الأعمال الكوميدية التي قدمت هذه السنة نذكر «مروبين» و«بندقيات» و«سبعة صبايا» و«دنيا أخرى» و«اللي ليك ليك» و«لافاج» و«نسيبتي العزيزة» و«الكاميرا الخفية» وغيرها.

وفي هذا الصدد نتوقف عند تصريحات وسيم ميغالو المعروف بموهبته الكوميدية التي لا يشق لها غبار في الراديو بكونه فشل فشلا ذريعا في سلسلة «دنيا أخرى» وهذا التصريح الذكي يكشف لنا خفايا كثيرة عن مطبخ صناعة الأعمال الكوميدية التي تعد على عجل ودونما جهد ولا اجتهاد تحت شعار «كعور» دون ذكر بقية المثل التي لا تنطبق على الجمهور القادر على التمييز بين الغث والسمين الذي حتى وإن كان يقبل على هذه الأعمال فهو يدرك في قرارة نفسه تفاهتها.

وبالعودة الى السلسلة التي شهد شاهد من أهلها بفشلها وهي حقا من افشل الأعمال فقد راهن أصحابها على ما يسمى بالفرنسية المنطقة المريحة التي نجحوا فيها فلم يجتهدوا وكان نصيبهم فشلا ذريعا يتقاسمه كل صناع هذه السلسلة الخالية من الضحك والضاجة بالتفاهة.

وفي السياق ذاته يمكن تصنيف السلسلة التي انتهت صلاحيتها منذ سنوات ولكن صناعها مصرون على تقديمها غير عابئين بخطورتها على صحة المشاهد ولا بتحذيرات منظمة الدفاع عن المستهلك وهم منغمسون في عوالمهم يكتبون ويمثلون ويضحكون بمفردهم وذلك بإيجاز حال السلسلة الفاشلة «نسيبتي العزيزة».

أما «بندقيات» لطفي بندقة فهي تؤكد مرة أخرى ان هناك بعض الممثلين لازالوا قابعين داخل آلة الزمن التي توقفت بهم في تسعينات القرن الماضي ولم يستطيعوا فكاكا من تجاربهم الماضية وأساليبهم القديمة التي انتهت وولى زمنها.

وعلى طرفي نقيض من هذه التجربة الفاشلة تستوقفنا تجربة لا تقل عنها فشلا وهي تجربة «مروبين» وان كانت تنهل من سياق آخر وتعبر عن جيل آخر وهم قوم اليوتيوب القادمون على عجل من امرهم والذين يضربون عرض الحائط بالعمل والاجتهاد ويتصورون ان بضع نكات و«جامات» على مواقع التواصل الاجتماعي من شأنها ان تصنع كوميديا.

وفي سياق الاستسهال والسرعة وغياب النص يمكن ان ندرج سلسلة «اللي ليك ليك» التي حشر أصحابها مجموعة من نجوم الكوميديا كلمين النهدي وجعفر القاسمي ولطفي بندقة وغيرهم إلى جانب ثلة من الشبان ولكن خانهم النص فبدا العمل اقرب الى التهريج والسطحية أكثر من القدرة على الإضحاك.

وهذا التوصيف ينطبق في جزء ما على سلسلة «سبعة صبايا» الذي عاد به عبد الحميد قياس إلى الشاشة الصغيرة مع مجموعة أخرى ورغم طرافة الفكرة إلا أن الكتابة خانت العمل أيضا ولكنه يظل أفضل من سابقيه وهو شأن سلسلة «لافاج» التي قدمتها سوسن معالج وريم بن مسعود ومرام بن عزيزة فطرافة الفكرة واختلاف الطرح شفعا لهذا العمل الذي نأى قليلا عن سابقيه ولكنه لم يرق الى المأمول وسقط كغيره في فخ النص.

ويبدو أن الكتابة هي علة الكوميديا عندنا فبقدر ما لدينا طوابير من الذين يصفون أنفسهم بالمضحكين بقدر ما تغيب النصوص المتينة التي تصاغ من رحم متناقضات المجتمع والتحولات السياسية والثقافية التي يعيشها التونسي والتي يمكن أن تكون مادة ثرية للضحك الحقيقي وليس للتهريج والإسفاف.