الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



مسرحية: «دون كيشوت في المدينة»

ضرورة الحلم...الفارس المضاد الذي أجهز على الزيف



ببادرة من بيت الرواية وبمشاركة بقيّة الأقطاب افتتحت ابتداء من الثانية ما بعد الزوال من يوم الإربعاء 10/10/2018 تظاهرة «دون كيشوت في المدينة: ضرورة الحلم». لماذا دون كيشوت؟ عن هذا السؤال يجيب فريق بيت الرواية (كمال الرياحي، محمد لحباشة، نبيل درغوث، حاتم التليلي) بالقول: «لم تعد «دون كيشوت» مجرّد رواية ساهمت في التأسيس للحداثة فحسب، إنّما تعدّت ذلك لتصبح ميراثا إنسانيّا ثقافيّا تعدّى الأدب إلى الفلسفة وكلّ الفنون . وتحوّلت الـ«دونكيشوتية» الى نسق تفكير ضدّ السائد والمكرّس والنمطي والسلطوي».

ابتدأت التظاهرة بزيارة مكتبة خريف وتعريف الضيوف بترجمات ونسخ من الرواية ثمّ صاحب الضيوف الفنان التشكيلي حليم قارة بيبان لتقديم معرضه الفوتغرافي الذي تناول فيه موضوع دون كيشوف بشاكلة أخرى. عوض أن يمتشق دون كيشوت قارة بيبان سيفه، هو لا يملك سوى طنجرة قابلة للإنفجار وليست له من مهمة نبيلة سوى حماية متحف الفن المعاصر بتونس (وهو متحف غير موجود) وكوّن للغرض لجنة حماية للمتحف تماما كغيره من التونسيين الذين كونوا لجانا شعبية للحماية في خضمّ الفوضى التي أعقبت 14 جانفي.. وتلك طريقته للدفع باتجاه تحقيق حلم يراود التشكلييين بتونس بإقامة متحف يحفظ آثارهم.

في بهو المكتبة السينمائية تجوّل الضيوف لمشاهدة معرضين للقصص المصوّرة من إنجاز فنّانين إسبانيين استلهما فيهما الرواية وشخصياتها وبرمجت المكتبة أفلاما استلهمت رائعة سرفنتاس. كما شارك قطب الموسيقى وقطب المسرح والرقص بتقديم عروض في علاقة بالرواية.

وفي الكلمات الإفتتاحية للندوة الفكرية والتي نشّطها حاتم التليلي، تحدّث الدكتور عبد الحليم المسعودي المستشار المكلفّ بمهمة لدى السيد وزير الشؤون الثقافية قائلا أنّ سرفنتاس وأدبه جزء من خيالنا نحن وأنّ التظاهرة التي شاركت فيها أقطاب المدينة هي من صميم السياسة التي تعمل عليها الوزارة، أي جعل المدينة قطب الرحى الذي تدور حوله الأنشطة الثقافية بما يتواءم مع الحق في الثقافة وتشجيع الإبداع وحمايته وتأصيل الثقافة الوطنية وانفتاحها ودفاعا عن قيم التسامح ونبذ العنف والتطرف كما وردت في الدستور.

في كلمته طرح مدير بيت الرواية كمال الرياحي السؤال التالي: ماذا لو دخل المدينة شخوص الروايات التي أحببناها (زوربا، دراغولا، سي السيّد، برق الليل..) وماذا لو دخل المدينة أحد هولاء (ماركيز، فكنر، دوستوفسكي..)، أين وكيف سنستقبلهم؟

وأضاف الرياحي أن استقبال «دون كيشوت» هو استقبال للفارس المضاد الذي أجهز على الزيف، ولا يعنينا مصير الشخصية في الرواية بل تعنينا القيم التي دافع عنها، فلننتصر له في المدينة بعد أن انهزم في الرواية .

بعدها قرأ آدم فتحي قصيدة «رحلة دون كيشوت الأخيرة» للشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان.

وتناولت الجلسة الأولى موضوع «دون كيشوت والحداثة الروائية» ونشطّها الروائي محمد لحباشة وتضمّنت أربع مداخلات.

المداخلة الأولى أمّنها الكاتب والروائي حسونة المصباحي وحملت عنوان «عن بورخس وسرفنتاس». وتحدّث فيها عن بورخس الذي كان يقول أنّ الروايات غالبا ما تصيب القارئ بالملل بسبب طولها وتشعّب أحداثها وكثرة شخصياتها باستثناء عملين اثنين هما «ألف ليلة وليلة» و«دون كيخوتي» لسرفنتاس ولعلّ ذلك يعود بالنسبة إليه إلى كثرة وتداخل القصص فيهما . وأشار المصباحي إلى حضور سرفنتاس وعمله «دون كيخوتي» في العديد من المقالات التي كتبها بورخس، كما يحضر في أشعاره وفي قصّة حملت عنوان «بيارمينار، مؤلّف دون كيخوتي». وتعكس القصة (تخيّل فيها بورخس كاتبا فرنسيا من بداية القرن العشرين يقوم بإعادة كتابة بعض الفصول من «دون كيخوتي» ليتفوّق على كاتبها الأصلي لغويا وفلسفيا وأسلوبيا) تلك الفكرة التي طالما عبّر عنها بورخس قائلا: «القراء الجيدون طيور نادرة وأكثر فرادة وسرية من المؤلفين الجيدين».

المداخلة الثانية حملت عنوان «دون كيشوت والرواية الضديدة» وأمّنها الدكتور محمد القاضي. وانطلق فيها من ملاحظة أنّ مصطلح الرواية الضديدة ظهر أوّل مرّة سنة 1633 في عنوان كتاب «شارل سورال» «الرواية الضديدة أو الراعي الغريب». و قد قامت رواية سرفنتاس على محاكاة ساخرة/ باروديا تخييلية للمثل الأعلى للفروسية ولأخلاق القرون الوسطى، من خلال إنشاء عالم ممكن يوجّه سهام النقد إلى القيم السائدة ولا يتردّد في السخرية منها، من خلال بطل مقلوب يثير الضحك والإشفاق أكثر ممّا يثيرالرهبة والإعجاب، بما يمكن معه أن يوصف بأنّه بطل ضديد لرواية ضديدة.

وحملت مداخلة الروائي والجامعي واسيني الأعرج عنوان «المفارقة والسخرية لتدمير اليقين الوهمي». وفيها يرى أنّ دون كيخوتي دي لامانشا هو نصّ المفارقات الكبرى بين عالم انسحب بقيمه الكبرى ومنها الفروسية، وعالم هو في طور التكوين، بلا قيم واضحة. وانبنت حداثة النصّ على المفارقة الكبرى التي تعني زمنا يتغيّر استطاع سيرفنتاس أن يلقي القبض على نبضه وتجسّد ذلك من خلال: أوّلا فعل السخرية. رجل يحارب طواحين الهواء وينتهي إلى حالة تراجيدية. لكنه يخوض حربه ضدّ الشياطين وهو مؤمن حتى النهاية بما يقوم به. نبل الفكرة ليس الإنتصار ولكن خوض الحرب حتى عندما تكون الأسلحة غير متكافئة. ثانيا : الحب كقيمة انسانية (دولثيني الفلاحة هي بالنسبة إلى دون كيخوتي قيمة سامية). ثالثا: كتب سرفنتاس باللغة الشعبية معبرا عن العمق الإسباني والإنساني الخالد. ترجمت الرواية إلى الفرنسية من خلال لغة عالمة (ترجمة فيادرو) وكان يجب انتظار ترجمة ألين شولمان التي ترجمتها ترجمة شعبية سلسة وجميلة في قطيعة مع الترجمات السابقة لتبرز أنّ الفعل اللغوي لسرفنتاس كان ثورة في عالم الكتابة.

وقدّم الشاعر والروائي المنصف الوهايبي مداخلة بعنوان «دون كيشوت: رواية ذاتيّة». وقال فيها أنّ «دون كيشوت» تفيض على الرواية والسيرة الذاتية معا، وهو «الرواية الذاتية». وهو ليس من أدب التراجم ولا الإعترافات، وإنّما هو من «الأجناس التخيليية»، أو هو قصّة وتخييل، أو هو ملتقى الفنّ والحياة أو «الحق» الفنّي و«الحقّ» التاريخي. وبالنسبة الى الوهايبي فإنّ نصّ سرفنتاس يلتبس فيه التاريخ بالواقع والسيرة والرحلة أو السفر. وأهمّ ما يميّزه أنّ الشخصية الرئيسية متطابقة في الهوية مع المؤلف غير أنّ ما تعيشه في القصة من أحداث وما تتّخذه من مواقف بعيدان عن سيرة المؤلف وما عاشه في الواقع المرجعي.

 

 


كمال الهلالي