الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



كتاب في «صناعة النقود بأفريقية خلال العهد الزيري» للدكتور محمد الغضبان:

دراسة مكتملة لـ «كنزين»بالمتحف الوطني للفن الاسلامي برقادة



صدر في الفترة الأخيرة كتاب جديد للدكتور محمد الغضبان عنوانه «صناعة النقود بأفريقية خلال العهد الزيري: معطيات » . هذا الكتاب الذي نشره مجمع الأطرش للكتاب المختص بتونس في طبعة أنيقة قد اشتمل على 277 صفحة تعمق الباحث بقسميها الكبيرين في دراسة كنزين من أرباع الدنانير (مائة وستة عشر قطعة) ومن الدراهم (ستة وثمانون قطعة).

وما يهمّنا استحضاره في هذا الصدد هو الربط بين مظاهر الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها بلادنا اليوم وثقافة إدارة الأزمات النقدية في تاريخ الشعب التونسي، وبمعنى أدق ثقافة المغالبة.

كما أنه ما أحوج النخب التونسية اليوم إلى الوعي بتاريخها المستخلص من مصادره الجديدة كالمسكوكات والنوازل والفتاوى وكتب اللغة والمناقب والتراجم وبعض المواد الأثرية حتى تسهم من موقعها في التنبيه إلى طرق التفاعل الحكيم مع إكراهات الواقع، بما يساعد على تجاوز مشاكل كل عصر وصياغة الحلول الأكثر عملية في تفادي تداعيات إكراهات كل واقع جديد.

وهذا الكتاب هو بلا شك إسهام حيّ في بلورة ثقافة تاريخية تكرس بشكل أو بآخر روح الاستقلالية لدى الشعب التونسي الذي يأبى التبعية والخضوع طويلا للمستعمر الأجنبي.

لقد توسّل الدكتور محمد الغضبان الباحث المختص في علم وتاريخ النقود الإسلامية بكل المناهج العلمية المتاحة في دراسته لهذين الكنزين، حتى يتمكن من استخلاص قراءات غير مسبوقة في فهم الحالة التي كانت عليها العملات النقدية الأثرية الراجعة إلى العهد الزيري (القرنان 4 و5 للهجرة). خاصة أن «النقود (تُعد) وثائق تاريخية ذات فائدة عظيمة للمؤرخ والأثري على حدّ السواء نظرا لما تتميز به معطياتها من دقة ومصداقية. تلك المعطيات تكون إما منقوشة في شكل نصوص أو متعلقة بالقيمة أو مرتبطة بنشاط السك داخل دار الضرب ووظائفه».

وما يُلاحظ أن العهد الزيري الذي ازدهرت فيه الحياة الأدبية والفنية والفكرية بشكل لافت، ونقبض على مظاهر ذلك في العمارة الزيرية وفي التحف والمصنفات الراجعة إلى تلك الفترة التاريخية، قد ظهرت فيه عملات نقدية مفتقدة «للمهارة المطلوبة... على المستوى القيمي والجمالي للقطع المطبوعة والمروجة في البلاد». ويفسّر الدكتور محمد الغضبان ذلك بعد دراسته العلمية لقياسات وأوزان ونقائش وتركيبات القطع النقدية الزيرية المحفوظة بمتحف الفن الإسلامي برقادة، وأخذا بعين الاعتبار الأزمة التي كانت تعيشها البلاد عصرئذ وهي تنازع من أجل استقلالها عن الفاطميين بمصر، وكذلك ضد قبائل الأعراب (بنو هلال وبنو سليم) الغازية بأن النقود الزيرية المدروسة هنا ليست نتاج صناعة الدولة للنقود وإنما هي وليدة المجتمع الأفريقي المتعامل بها.

إن المعاملات اليومية بالقطع النقدية أدت وفي ظرف الأزمة والحروب خلال العهد الزيري بالبلاد التونسية إلى تفشي ثقافة مالية جديدة في المجتمع، عبرت عن نفسها في شكل ظاهرتين هما: «عمليات القرض والقطع والتعامل بأجزاء الدراهم التي لم تكن تصدرها دار الضرب».

وهنا تكمن إبداعية الدكتور محمد الغضبان في استنطاق التاريخ الصامت الحافّ بالحالة غير الجمالية للقطع النقدية الزيرية التي درسها وأخضعها للمقارنات والمقارعات مع النصوص التاريخية والأدبية والدينية التي توفرت له، وكذلك في كشفه في نهاية المطاف عن أسرار الكنزين اللذين تفرد بإخضاعهما للبحث العلمي، وانتهى إلى النتائج التي ذكرناها في الفقرة السابقة، وبأكثر دقة إلى أن قرض القطع النقدية ورغم منع السلطة «كانت الغاية منه سرقة بعض الوزن من كل قطعة قد تصل إلى وزن شعيرة مثلا لا يتفطن إليها عامة الناس. أما القطع فالغاية منه هو إيجاد أوزان أخرى تتناسب نظريا وعمليا مع أجزاء الدرهم وبالتالي تسهّل على الناس معاملاتهم اليومية من بيع وشراء وصرف».

لا شك أن مثل هذا الكتاب يفتح الباب واسعا أمام ثقافة الاستنباط والتأويل لآثار البلاد التونسية لكن على أسس المناهج العلمية الدقيقة من أجل الوصول إلى حقائق تتخطى في الواقع الحقل الذي تنتمي إليه القطع الأثرية إلى ثقافة مجتمعية وليدة ظروفها المتحركة، تتسم بالروح البراغماتية وتنتعش خارج إرادة السلطة السياسية الحاكمة.

 

 


منصور