الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



الفيلم الجديد «مكتوب، حبّي، النشيد الأول» لعبد اللطيف كشيش

في مديح الجسد والنور ونثر الحياة البهيج



سبقت الفيلم الجديد لعبد اللطيف كشيش ضجّة كبرى بعد أن عمد المخرج إلى عرض السعفة الذهبية لمهرجان كان ـ تحصلّ عليها عن فيلم «قصة آدال» سنة 2013 ـ للبيع ، بعد خلافات مع الجهات المنتجة. سبب الخلاف أنّ المخرج تعاقد معهم على إخراج فيلم ولكنّه أثناء التصوير وجد أنّه بصدد إنجاز فيلمين اثنين.

وبالفعل نجد أنّ عنوان الشريط: «مكتوب، حبّى، النشيد الأوّل»، يكشف أنّنا بصدد ثلاثية. ثلاث ساعات بالضبط هي مدّة الفيلم المكتوب بطريقة جديدة. نجد نفس الإيقاع ( المشاهد الطويلة ) ونفس الروح التي عرف بها كشيش ولكن دون أحداث كبرى. كأننا ونحن نتابع الشاب أمين، البطل الحامل للشريط، وهو يقضي عطلته بين المطعم الذي يملكه والداه ذوي الأصول التونسية وبين الحانات والشاطئ رفقة قريبه توني وأصدقاء وصديقات قدامى أو جدد، في الإيقاع الطبيعي والحقيقي للحياة بثرثرتها ومللها ومباهجها، حتّى أنّه قد يخيّل لدينا أنّنا لسنا بصدد مشاهدة فيلم سينمائي. المبالغات والتكثيف (تكثيف إيقاع الأحداث بالمونتاج) وألعاب السرد غائبة. ما يحضر في كتابة هذا الفيلم الجديد هو الرؤية إلى الحياة وإلى ايقاعها الرتيب والأهم هو فكرة أساسيّة يبدو أنّ الفيلم يتبناها ويرسلها إلى المتفرج: الحياة نور وتعدنا بمباهج كثيرة حدّ الإرتباك.

ينفتح الفيلم على مشهد أمين، وهو يقود دراجته الهوائيّة، باتجاه منزل صديقة طفولته أوفيلي. نقرأ على يمين الشاشة مقولتين في مديح النور: «الله نور العالم» للقدّيس جون، و«نور على نور يهدي الله نوره من يشاء» (من الآية 35 من سورة النور). أشعة الشمس تخفي قليلا ملامحه التي سرعان ما تبين. نحن منذ البداية في قلب النور المتاح للجميع. يقترب أمين من بيت أوفيلي، يكتشف أنّ هناك دراجة نارية، ممّا يعني أنّ لديها ضيفا. يذهب إلى الفناء ليطلّ من النافذة على مشهد أوفيلي وقريبه توني وهما بصدد ممارسة الحب بشكل محموم. صوّر المشهد بحسيّة عالية تذكّر بحسيّة فيلم كشيش « قصّة آديل». من الشدّة إلى السكينة ومن التلهّف الحار إلى الآخر إلى الشعور بالسعادة والإكتفاء الباديين على ملامح أوفيلي، ربّما تقول لنا فاتحة الفيلم هذه أنّ الإيقاع الذي يجدر أن يحكم الحياة هو الحب. ولكنّ الحب في حالة أمين، يظلّ وعدا. وطيلة الفيلم نراه، بسبب طبعه الخجول، وربّما برغبة منه، هو المغروم بالتقاط الصور الفوتغرافية،في مراقبة مايحدث واتخاذ مسافة التأمّل اللازمة، على عتبات علاقات ممكنة يقاوم نداء الحب، على عكس قريبه توني الذي ينتقل من فتاة إلى أخرى.

نحن في صيف 1994، في قرية سات الواقعة في وسط فرنسا. أمين يحلم بكتابة سيناريوهات وأن يقتات منها في المستقبل ولا يفعل شيئا سوى الإلتقاء بأصدقائه، قدامى وجدد، والذهاب معهم إلى الحانات وإلى الشاطئ. لا شيء يحدث سوى الثرثرة الجميلة والبحث عن الحب أو تجاوز خيباته. وسط هذا الإيقاع «الطبيعي» لنهر الحياة الطويل الهادئ، ثمة فورة الشباب الباحثة عن التحقق ولا شيء جدير بالمديح سوى الجسد والنور وتفاصيل الحياة الصغيرة : مشهد محاولات الإغواء، حمّى الرقص، مشهد أمّ تقوم بإرضاع طفلها في الفندق الذي يذهب إليه أمين للإلتقاء بآنّا التي تحاول صديقتها إغواءه ولكنّه ينسحب بهدوء ناسك إلى الشاطئ.

في ضوء الغسق يواصل أمين تيهه المترّدد على الشاطئ. يلتقي بشارلوت التي تعرّف عليها وعلى صديقتها مع توني. قام توني بإغوائها، وهي الآن وحيدة مع خيبتها من الحبّ وفي نظرتها إصرار من أنضجته الحياة باكرا ولا تزال الحياة تعده بمباهجها. يتبادلان حديثا عاديا جدا ويقترح عليها أمين الذهاب معه إلى بيت والديه. وعلى مشهديهما وهما يبتعدان ينتهي الفيلم، المربك في ايقاعه الذي حاول فيه كشيش الإقتراب من إيقاع الحياة الطبيعي، والمدهش في احتفائه بالجسد الأنثوي وتشكيلاته المبهجة وأوّلا وآخرا في احتفائه بالنور.

في مقطع من الفيلم يقترح أمين على صديقة طفولته أوفيلي أن يقوم بتصويرها عارية. تضحك وتقول له: أنت تريد أن تراني كذلك. يحاول اقناعها بحجج بسيطة ( الصور ستحفظ ذكرى جسدها) فترفض بهدوء. يرافقها إلى الإسطبل حيث تقوم بحلب النعاج. نتوقعّ أنّها ستقبل ولكنّها تغيب وتخرج من الكادر تماما، ولا يبقى سوى أمين وهو يقوم بتصوير نعجة تلد توأمين يجهدان في التماسك. وربّما يكشف هذا المشهد عن روحية الفيلم. نتوقعّ شيئا فنجد أنفسنا بمحضر شيء آخر أو تفصيل من تفاصيل الحياة يسرق انتباهنا ويحملنا إلى منظور آخر نرى به الحياة.

ولعلّ كشيش أراد أن يعود بنا إلى الحياة في ايقاعها الرتيب المبهج دون حكايا كبرى، بحثا عن فنّ ممكن دون مبالغات أو آلام ومحن كبرى، دون استعارات غير ضروريّة.

 

 


كمال الهلالي