الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



عودة إلى كتاب تونس في 2040:

فيم تتمثّل الحداثة التونسيّة؟ وما هو مستقبل تونس في أفق 2040؟


في سنة 2012 وبمناسبة مرور سنة على الثورة التونسية أصدر مركز محمد علي للبحوث والدّراسات والتكوين وجمعية نادي محمد علي للثقافة العمّاليّة وبدعم أمريكي وأوروبي مؤلّفا جماعيا حمل عنوانا مثيرا هو« تونس 2040: مساهمة في تجديد المشروع الحداثي التونسي».

والمثير أنّ هذا المشروع الاستشرافي قد بدأ العمل فيه انطلاقا من جانفي 2009، وببلوغ سنة 2010 تمّ تقديم الجزء الاستشرافي الذي داهمته «الثورة» التونسيّة لتغيّر السياق العام للعمل كلّه، لكن الحدث حسب الأستاذ أحمد ونيس (ديبلوماسي سابق وأحد المساهمين في العمل) كما كتب في مقدمته للكتاب لم يؤثّر في روح المشروع، بل لعلّه اختبر وجاهة المبادئ التي وضعت وأكّدها في وجود المأزق والشعور بالخيبة وانعدام المنظور، حسب عبارته.

محاور الكتاب، مشاغله وأسئلته

يتضمن كتاب «تونس 2040: مساهمة في تجديد المشروع الحداثي التونسي» تسعة محاور؛ تناول عبد القادر الزغل في المحور الأوّل موضوع «النظر في المشروع الحداثي التونسي» من خلال معالجة الديناميات السوسيو تاريخيّة التي أفرزت الحداثة التونسيّة وتمييزها على الحداثات الغربيّة. و تطرّق الطاهر بن قيزة في المحور الثاني إلى «الحداثة التونسيّة: من ماضي البناء إلى مستقبل الإبداع». وعالج عبد المجيد المشرفي في المحور الثالث إشكاليّة «التقييم النقدي للثقافة التونسيّة واستشراف آفاقها».أمّا المحور الرابع، فقد حلّل فيه محمد بن رمضان «التنمية بما هي عمليّة إرساء للمؤسسات». وفي المحور الخامس سعى عمر بالهادي لتفسير «الحركة الحداثيّة والمسألة المجاليّة». أما الثلاثي كريم بن مصطفى، ومصطفى الحداد، وسمير المدّب، فقد عالجوا في المحور السادس «التنمية المستدامة: مقاربة بيئيّة».وكان للعلاقات الدوليّة التونسيّة حضور في الكتاب من خلال تحليل أحمد ونيس في المحور السابع لـ «العلاقات الدوليّة وإشكاليّة الأمن». أمّا المحور الثامن، فكان متعلقا بالإعلام من خلال تطرّق الأستاذ عبد الكريم الحيزاوي لـ «دور وسائل الإعلام في تجديد المشروع الحداثي». وفي المحور التاسع تناول المنجي طرشونة «تحديث نظام العلاقات المهنيّة». وإضافة إلى المحاور، فإنّ الكتاب يتضمن في الأخير ثلاثة ملاحق أنجزها كل من عبد الحميد هنية، وفاطمة بن سليمان، وهشام عبد الصمد تناولت موضوع «الديني والسياسي في المشروع الحداثي التونسي: علاقات الديني بالسياسي»..

لقد تحكّمت ثلاث مراحل تاريخية في هذا العمل الاستشرافي:المرحلة الأولى: هاجس التحديث وروح الإصلاح الراسخين في المجتمع ترسّخا عميقا واللذين حظيا بمساندة من النخبة التونسيّة منذ منتصف القرن التاسع عشر. فقد تحقّق التحديث في تلك الفترة بفعل: تحرير العبيد (1846)، وعهد الأمان (1857)، وأوّل دستور تونس (1861)، وتأسيس المعهد الصادقي (1875).وبرزت المرحلة الثانية في ظهور روح التحديث والإصلاح في عشريّات الاستقلال الأولى (1956)، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تونس في مقدّمة البلدان التي تدعى في «طريق النمو» لأجل نظامها التربوي وتحريرها للمرأة ومراقبة الولادات وسياسة التخطيط والنمو الشاملين، والأهمّيّة الموكولة إلى المعرفة والتكنولوجيا وروح الانفتاح والتسامح.وحسب رأي الأستاذ «الطاهر بن قيزة» فقد نجحت تونس منذ القرن السابع عشر في الارتقاء إلى حداثة خاصة بها سمحت لها أن تمنع التداخل بين الديني والسياسي. ولإدراك معقوليّة السمات المميّزة للمشروع الحداثي التونسي كان من الضروري تحديده، باعتباره امتداداً لسيرورة تكوين الحداثات الرائدة التاريخيّة، مع التمييز في ذلك بين النموذج المثالي، وهو نموذج بناه الباحثون، وتنوّع المؤسّساتيّة السوسيو تاريخيّة الخاصة بهذا النموذج المثالي المميّز. وبهذا المعنى ركّز «الطاهر بن قيزة» على تبنّي التونسيّين لما يمكن اعتباره نموذجا مثاليّا للحداثة؛ أي مبدأ الوحدة الذي تمّ تطبيقه على الإدارة والسلطة القضائيّة والتعليم والاقتصاد، وقد يسّر ذلك تحقيق إنجازات مهمّة أخرى مميّزة للحداثة بصفة عامة.هذا وقد تميّزت المرحلة الثالثة للأسف بتقهقر المشروع الحداثي الذي وافق تردّي الثقافة واختلالات التوازن الحالية.

في سبل تجديد روح المشروع الحداثي التونسي

لقد جاءت فكرة تجديد المشروع الحداثي التونسي وإعادة الروح إليه عبر هذا الكتاب في رأي «الحبيب قيزة» بناء على معاينة بداية تقهقر المشروع الحداثي التونسي منذ السبعينيات، وذلك من خلال رفض الخيار الديمقراطي وإعلان بورقيبة رئيسا مدى الحياة سنة 1975. وقد استمر التقهقر مع نظام زين العابدين بن علي الذي دعم الخيار السلطوي من خلال وضع يده على جميع موارد البلاد، فأصبحت الرقابة والفساد وتفكيك المؤسّسات أسلوب نظام فتعطّلت أفكاره وضاع مساره، لانعدام أيّة نظرة مستقبليّة.

وفي المحور الثاني المخصّص لتونس في أفق 2040، رأى الأستاذ الطاهر بن قيزة أنّ بلادنا يمكنها أن تتطوّر حسب سيناريوهين ممكنين وقابلين للتصوّر: سيناريو «متفائل» مؤسّس على تغيّر يسمح بتحويل تونس إلى مجتمع مؤسّسات ومعرفة ومبدع ومتسامح. وسيناريو «سلبي» مؤسّس على تكريس النزعات التي تدعم ثقافة الانفعال والتبعيّة، حيث تتضخم الفوارق بين الجهات.

وبين هذين السيناريوهين ما تزال تونس تراوح مكانها في متغيّرات وطنية و اقلميمية ودولية عاصفة قد تغيّر الكثير من صورتها عن نفسها ومن مستقبلها أيضا. ومع ذلك فإنّ أغلب معطيات الكتاب ورؤاه ما تزال صالحة إلى اليوم برغم كلّ ما جرى في النهر كما يقال خلال هذه السنوات العشر الأخيرة.

 

 


كمال الشيحاوي