الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


نقاط و حروف:
عودة إلى الرّواية الفائزة بالكومار الذهبي:

مومياء التطرّف العائدة


بقلم كمال الشيحاوي

سبق للكاتب «الهادي التيمومي» أن نشر رواية «يسقط الشاه» وهي من بداياته الأدبية ثمّ كانت روايته الثانية «ملح قرطاج، حكاية من العالم السفلي» التي كان لها حظّ الصدور ضمن سلسلة عيون المعاصرة التي تصدرها دار الجنوب ثمّ كانت روايته الرّابعة «الطاووس والغربان».

وفي رواية «قيامة الحشّاشين» المتوّجة مؤخّرا بالكومار الذهبي وعلى امتداد الأربع مائة صفحة تقريبا يورّط السارد القارئ في مغامرة رهيبة، ترغمه على أن يحبس أنفاسه وهو يتابع بخوف ما جرى له أي السارد وهو أستاذ تاريخ يكتشف عند حفر أساس في منزله صدفة قبرا قديما يحتوي على أوراق خطتّها إحدى أخطر شخصيات العصور الوسطى وأكثرها إثارة للرّعب وهو«الحسن الصباح» صاحب الدعوة النزارية ومؤسس إحدى أخطر الفرق وأشدها غموضا وهي فرقة الحشاشين التي نسجت حولها الأساطير وبسطت نفوذها ولم يتمكن من كسر شوكتها سوى هولاكو على رأس جيش المغول الجرار بعد حصار طويل لقلعة آلموت الرهيبة.

وباعتبار تخصّصه في التّاريخ يحرص السارد على الحفاظ على هذه الأمانة العلمية والحضارية الكبيرة ويستغلّ فرصة حضوره ندوة علمية باليمن للقاء أحد شيوخ الباطنية وفهم ما استغلق عليه من هذه المزامير التي أخذ بعض نسخ منها. ولم يكن يتصوّر أن أبواب جهنم سوف تفتح في وجهه وأنّه سيواجه خطرا مزدوجا من قبل فرقتين متناحرتين منذ زمن طويل: فرقة تود تدمير الوثائق، وأخرى تزعم أنّها من أتباع «الحسن الصّباح» وتسعى لاسترجاعها منه بأي ثمن. وبدل أن يكون السارد باحثا يتحوّل إلى طريد وأسير تتهدّده وعائلته مخاطر لم تخطر له على بال من قبل أشخاص غريبي الأطوار.

لرواية «قيامة الحشاشين» متن وهامش. متن معاصر يسرد وقائع المطاردة التي عاشها السارد ومختلف الأطوار التي مرّ بها في محاولته إنقاذ المزامير المنسوبة للصباح وأتباعه وهامش يعود لحكايات وقصص وأخبار ممّا تناقله الرّواة عن تلك الفترة التي ظهر فيها «حسن الصباح» وجماعته.

لا شكّ أن عين «الهادي التيمومي» خلال كتابة هذه الرّواية كانت مليئة بصور العمليات الارهابية الفظيعة التي تورّط فيها عناصر تنظيم الدّولة «داعش» في العراق وسوريا وليبيا ومصر ونبشه في أرشيف طائفة «الحشاشين» الرهيبة يكشف الكثير من عناصر التشابه والترابط بينها و«الدواعش» في طريقة تنظّمهم وفي زعمهم امتلاك الحقيقة والفهم الباطني الحقيقي والوحيد للنص القرآني وفي نزوعهم لاستعمال العنف والقتل في مواجهة مخالفيهم الذين يعتبرونهم كفّارا بالضرورة. وتقديرنا أنّ «التيمومي» بهذه الرّواية إنما يتوسّط بجنس الرّواية للمساهمة عبر الأدب السردي في تفكيك التراث العربي/الاسلامي الذي ما يزال يحمل في تاريخه وأدبياته وتياراته الإيديولوجية ما يشكّل خزّانا حيا لعودة التطرّف والتشدّد.

نجد في رواية «قيامة الحشّاشين» مكوّنات الرّواية التاريخية في بعدها الفانتازي حيث تتجاور الوقائع المثبتة تاريخيا بالقصص والحكايات العجيبة والأسطورية وقد نجح الكاتب في شدّ القارئ لأحداثها ومدوّنتها التراثية بتوظيفه لعناصر الرّواية البوليسية بما فيها من مطاردة وتشويق وحضور لعناصر الشرطة والتحقيق وزاد في مضاعفة عناصر الرّعب والهلع بما استقدمه من قصص السحر الأسود والطلاسم والرموز ، كلّ ذلك في لغة عربية جميلة بمعجمها وتراكيبها الأصيلة وقوية الدّلالة.

ويمكن اعتبار هذا العمل الجديد من أكثر نصوص «التيمومي» نضجا فكريا وجماليا. ويتجلّى هذا النضج في تطوّر مقاربته ورؤيته لمتطلّبات ورهانات الرّواية التّاريخية التي يكتبها ما يجعل هذا الأثر على مستوى نصوص كبيرة في الرواية التاريخية العربية على غرار «الزيني بركات» لجمال الغيطاني و«عزازيل» ليوسف زيدان ، فضلا عن أعمال الكاتب الفذّ «أمين معلوف»».