الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



مقاربات أعضاء بيت الحكمة التونسي حول المستجدات الوطنية:

شيء من التفاؤل والقادم أفضل حتما


في سابقة أولى نشر بيت الحكمة بتونس على موقعه الرسمي آراء ومقاربات متعدّدة لعدد من أعضائه حول المستجدات الوطنية بعد قرارات رئيس الدولة التونسية في 25 جويلية 2021.

 

وقد تعدّدت المحامل التي نشر فيها المجمعيون آراءهم من حوارات أو مقالات في الصحف إلى التدوينات على مواقعهم الشخصية على الفايسبوك. في الوثيقة الفرنسية نشر الموقع حوار عياض بن عاشور مع « المانفستو» بتاريخ 27/07/1970 ، والذي اعتبر فيه أن ما حصل انقلابا ، كما نشر مقال الأستاذ محمد كرو المعنون بقيس سعيد أو الانتقام المشروع للدولة والمجتمع المنشور بليدرز بتاريخ 28/07/2021 في طبعتها الفرنسية . وفي الوثيقة المنشورة بالعربية نجد مقال الأستاذ محمد الشرفي « عندما تغيب الثقافة الديمقراطية» المنشور بالمغرب بتاريخ 27/07/2021 ، وتدوينات للأساتذة فتحي التريكي و المنصف عبد الجليل ومحمد محجوب.

فتحي التريكي: انتفاضة شعبية هدفها تصحيح المسار

1 - ما وقع يوم 25 جويلية هو انتفاضة شعبيّة هدفها تصحيح المسار الثوري بعد سنوات الجمر والفقر والمرض والمعاناة. لقد قلتُ المرات العديدة بأنّ الثورة التونسيّة لم تكتمل وبأنّها في كنهها مسار تتحكّم فيه إرادة الشعب. هل نحن ما نزال نعيش فترة انتقال ديمقراطي ؟ نعم ولكنّنا نعيش أكثر فترة انتقال ثوري يجب أن نعطيها حقّ قدرها. فالديمقراطيّة ليست صناديق انتخابات فقط وليست تشاركيّة فقط فقد بيّنتُ أنّها أيضا نشيطة تتطلّب حراكا شعبيّا والشارع هو من معطيات النشاط الديمقراطي.

2 - قرارات رئيس الدولة دستوريّة دون شكّ. لست مختصّا في القانون الدستوري. ولكن من خلال اختصاصي في الفلسفة أستطيع أن أؤكّد أنّ مقاربة قيس سعيّد تعتمد التأويل الذي يضيّق المسافة بين لغة الإفصاح في الدستور والواقع الشارعي الجديد بينما فهم عياض بن عاشور هو تفسير حرفي للدستور دون الغوص في جوهره وعلاقاته المركّبة بالظرف. (وهنا تغلّب المساعد على الأستاذ وهو أمر يقع أحيانا).

3 - حركة النهضة اختارت أن تتعامل مع اللوبيات الفاسدة داخل البرلمان وخارجه وتتعاقد معها عوض أن ترتبط بطموحات الشعب ومطالبه. وكانت تظنّ أنّها بذلك ستحافظ على موقعها في الحكم مستغلّة بذلك قوّة هذه اللوبيات ولكن العكس هو الذي حدث إذ أصبحت النهضة في قبضة لوبيات الفساد ووصلت هذه اللوبيات بواسطتها إلى الحكم بل أصبحت تشرّع وتصدر القوانين لصالحها معتمدة على حركة النهضة. لذلك انتفض الشعب ضدّها وضدّ الفاسدين معها.

4 - هل ستكون هذه القرارات ضامنة للنظام الديمقراطي؟ لست أدري. فقد يؤدّي كلّ ذلك إلى العودة إلى الحكم الدكتاتوري ولكنّ الشعب يناضل باستمرار ومن يفكّر في هذه العودة سينتحر سياسيا. والمهمّ الآن هو أن تفضي استعجاليا هذه القرارات إلى تدمير لوبيات الفساد (وتحرير الأحزاب من مخالبها) ومحاربة المرض والوباء والنضال ضد الفقر. وعلى المدى المتوسّط والطويل إقامة نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي جديد يقوم على التضامن والتآزر والعيش المشترك حسب قاعدة الكرامة.

المنصف بن عبد الجليل : شيء من التفاؤل والقادم أفضل حتما.

« تساءل بعض المثقّفين ومتابعي الشأن العام بتونس: ماذا سيحدث غدا؟ هل الرئيس مقبل بما قرّر على ترسيخ نظام استبدادي فرديّ يعتبر حتما عودة إلى الوراء، ويكون الرئيس من ثمّ جزءا من الثورة المضادّة؟»٫

أعتبر هذه الأسئلة وجيهة ومقبولة. وأعتبر التعبير الصارخ عن التخوّف الشديد جزءا مهمّا من رواسب النزعة الاستبداديّة التي عانى منها التونسيون فترة طويلة من تاريخ الدولة المعاصرة.

ولكنّي أريد أن أنبّه إلى جوانب يمنح التمعّن فيها شيئا من التفاؤل، ويقضي بأنّ القادم أفضل، وستكون تونس في وقت قصير من الدول التي ستستقطب الرأي العام الدولي وتثير إعجابه بما سيسمّى «بالمعجزة الاقتصاديّة».

أوّلا: إنّ في خروج الناس للشارع في 25 جويلية ليس دعوة إلى الملوكيّة كما أوهم السيد نور الدين البحيري اليوم على أمواج شمس اف ام. بل أعتبر ذاك الحدث مثيلا لخروجهم يوم 14 جانفي 2011، وإن اختلف السبب الظاهر. الشبه بين الحدثين مقاومة الظلم، واستبداد الحاكم، والتمييز بين التونسيين، وتقديم «مؤلّفة قلوبهم» ومواطنين حرموا من حق العمل، والصحّة، والمساعدة، واستئثار الطرف الحاكم بكلّ خيرات البلد. قال الخارجون لهؤلاء الحكّام الذين تمكّنوا من مفاصل الدولة: كفى. ووضعوا أمامهم علامة قف الصارمة.

2. إنّ الرئيس بما قرّر كان ومازال صاحب شرعيّة انتخابيّة واسعة، لم يبلغ إليها أعتى حزب يدّعي اليوم الأغلبيّة الشعبيّة. وأعتبر أنّ أبلغ درس من خروج التونسيين غلبة «المواطنة» على التحزّب الديني والتحزّب بالتحيّل على الفقراء والمحتاجين.

3. أعتقد أنّ الرئيس لم يقرّر هذا الذي قرّر ذات ليلة، وإنّما استشار الوطنيين من الداخل، ونال الموافقة من الدول العظمى، ولم يظهر دوليّا أيّ رفض ولا حتى استنكار لما قرّره الرئيس. والمفهوم أنّ الدول المانحة لن تعيق التعاون مع بلادنا وستواصل دعمنا بما أمكن. ولذا فلينم السيد المصمودي مرتاح البال لأنّ الولايات المتّحدة لن تعاقب تونس من أجل إصلاح الفساد السياسي الذي أصاب البلد مدّة السنوات العشر الماضية.

4. إنّ إقرار الرئيس اضطلاعه شخصيّا برئاسة النيابة العموميّة سيخرج السرّ من مكمنه، سيشهد التونسيّون تطبيقا للعدل، وسيمنحهم مزيدا من الإيمان بمبادئ الرئيس الحقوقيّة والإنسانيّة. وإذا تفشّى الإيمان بالعدل واطمأنّت النفوس فسيعود التونسيّ الباذل إلى الإنتاج وتحقيق الازدهار.

5. إنّ توعّد الرئيس بمقاومة الفاسدين مقاومة قضائية عادلة دون تشفّ ولا تنكيل سيحقّق مبدأ العدل والمساواة معا. وهو ما يردّ الحقوق إلى أصحابها. وفي ذلك إصلاح جذري، ولذلك أثر نفسي في كافّة التونسيين.

6. ظهر الأمن التونسي وكذا المؤسّسة العسكريّة مؤسّستين جمهوريّتين رغم محاولة التلويث بالتحزّب والموالاة، وستكون المؤسّستان قادرتين على صيانة قيم الرئيس وجوهرها «المواطنة». والرئيس واع تمام الوعي أنّه لا يمكنه أن يحيد عن الديمقراطيّة لأنّ المجتمع المدني، ولأنّ المنظّمات الكثيرة قد استوعبت الدرس السياسي وبات الأمر محسوما: لا عودة حتما إلى الاستبداد والحكم الفردي. فلتبحث الأحزاب العابثة عن غير هذه الترّهات.

7. اتّضح للجميع أنّ لغو الانقلاب الذي تدّعيه الأحزاب الحاكمة والفاسدة بالاستبداد لا معنى له، لأنّ القانون الدستوري ليس مسطرة تقاس بها الحدود، وإنّما القانون من حياة الناس يرافقها وينفعل بها، ويفعل فيها على نحو من الجدلية البنّاءة. وستدرّس التجربة التونسيّة مرّة أخرة في المعاهد الدوليّة. وظنّي انّ الرئيس قد صنع حدثا لا يختلف نوعيا عن الحدث الثوري الأصلي يوم 14 جانفي.

8. اتّضح لي وللخارجين ليلة 25 جويلية أيضا أنّ كورونا لم تعد تخيف كما يخيف التحايل على الناس بحكم استئثاري استبدادي أغرق البلاد في كثير من المزالق والمطبّات. خرج التونسيّون ولسان حالهم يقول: نقاوم اليوم سياسيينا الفاسدين المستأثرين بخيرات البلاد حتّى يعيش أبناؤنا غدا.

أقول، والحصيلة هذه: لا خوف من غد. ولا استبداد في الأفق، ولا ضيم ولا ظلم. ولا يبقى إلاّ أن يشمّر التونسيّون عن ساعد الكدّ وسينتجون معجزة اقتصاديّة سرعان ما تسدّد بها الإعانات المنهوبة والمهرّبة.

ولم يبق إلاّ أن يردّ الشطّار والعيّارون ما نهبوا وما سرقوا وما حازوا دون وجه حقّ.... وما بقي إلاّ أن تراجع الوظائف التي سلّمت لغير أهلها ودون وجه حقّ... ولم يبق إلاّ أن يعاقب من ظنّ الولاء الحزبي يحصّنهم من المحاكمة والمقاضاة... وإنّ غدا لناظره قريب. تونس بخير».

 

 


ك.هلالي