الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



الاربعاء الادبي

الكتابة لا تقاوم الموت بل تؤاخيه


بقلم : حافظ محفوظ

يتولّد فعل الكتابة من رغبة جامحة للخروج من نفق التشابه الذي يحوّل الذات المبدعة إلى مرجل لعواطف متنافرة قد تستحيل إذا ما لم تجد طريقها للتمظهر عبر شكل من أشكال الإبداع الفني إلى نزعة عدوانية أو انزوائية، يكون ذلك في البدايات، زمن البحث عن سبيلٍ للخروج من أزمة الحيرة. وإذا ما توفر ذلك تشرع الذات الكاتبة في استكشاف مناطق الخصوبة فيها وإلى حدود هذه المرحلة لا يمكن الحديث بعد عن الكتابة بوصفها النشاط الأرقى المبحوث عنه. ثمّ تفتح علبة بندورا في وجه الكاتب وتنطلق منها جميع الهواجس فجأة ليجد نفسه وجها لوجه أمام هذه الإمرأة اللعوب رسولة زيوس إليه وهي تمسك بصندوقها العجيب حيث تختبئ شرور عديدة ولذائذ شتّى. إنّها لحظة القطيعة مع حالة الاطمئنان التي كان عليها الشخص، هذا الشخص الذي سيواجه الأمر بكثير من اللذة في البداية لما تضيفه الكتابة إليه من موقع جديد داخل نسيج المجتمع الذي يعيش فيه ويبدأ الكائن الإبداعي في التشكل والارتجاج معا وتتشكل في وعيه أمور كثيرة، رؤى، أبنية، معان، أساليب، مواقف إلخ كما ترتج داخله بداهات وصروف حياتية كانت لوقت قريب ثابتة مطمئنة.

ومن أجل إعادة التوازن وامتلاك أقصى ما يمكن من ضوء وخيالات ينخرط الكاتب في عمل متواصل لا يكاد يتوقف إلا لينطلق من جديد. وهكذا يدمن اللعبة وينطبق عليه الفخّ المنصوب بعناية وتنفتح العلبة بكاملها وتخرج «بندورا» كل أسلحتها وتضيف إليها أفانين من الإغواء لا تتقنها إلا الكتابة، هذه السيدة ذات الطقوس الغريبة وذات الشبق الأسطوري. قيل قديما «ما يزال الرجل في راحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يكتب كتابا» وقد يكون هذا المعنى، معنى أن تكتب هو أن تظل مشدودا بخيوط سحرية إلى قدر مخاتل متغير يأخذك عن ذاتك كوجود فعلي داخل أطر ومؤسّسات وهياكل وقوانين ودساتير ونظم وغيرها من مقتضيات العيش ضمن المجموعة إلى فضاء أرحب بل فضاءات موجودة بالتخيل والانفعال الإبداعي. تكفّ الكتابة عن أن تكون فعلا ثانويا إذا ما ادّعت لنفسها جوهرا موضوعيّا يتخذ شرعيته من تأثيرك المكتوب على الآخرين وبالتالي امتلاك سلطة تتدرّج شيئا فشيئا إلى أن تصبح «ديكتاتورية» يمارس في ظلها ضرب من الأنانية والصّلف وربما التهميش والدعارة. لقد طرحت على نفسي هذا السؤال آلاف المرات «لماذا أكتب؟» وفي كل مرة أجد إجابة مختلفة عن الأخرى.

في البدايات كانت صورتي في مجلة حذو قصيدة أو قصة لي يذكّي غروري ويمنحني شعورا بالتعالي ثم انقشع هذا الشعور ليحل محله إحساس بوظيفة ما أكتب ودوره في بلورة منظومة فكرية أو سياسية أو اجتماعية وابتدأت المرارة والإحساس بالعبثية ولا جدوى الكتابة (الراهن العربي يزرع العبثية في أكثر النفوس إيمانا وأملا) أسئلة محرقة ينسل بعضها من بعض إضافة إلى الهمّ الجمالي الصرف الذي يفضي بالكاتب إلى جملة من الطروحات الفكرية ويخلخل لديه أشد القناعات تمسّكا به فلسفية كانت أو عقائدية أو حتى في تشكل النص لديه وها أنا بعد عشرين كتابا ومئات المقالات واللقاءات ما أزال أطرح السؤال نفسه: «لماذا أكتب؟». أحيانا أذهب إلى قولة جورج باتاي «أكتب لكي لا أصاب بالجنون» وأجد فيها متنفسا لكنّ نفسي الأمّارة بالتجاوز تقول لي كن أنت وأحاول فلا أكون. الكتابة لا تقاوم الموت بل تؤاخيه، كذبة هي تلك الإشاعات التي يطلقها كتّاب بلا موهبة في شأن الكتابة من قبيل أنها وسيلة للإصلاح والنضال والمقاومة وما شاكل هذه الكلمات الكبيرة خاصة في الراهن العربي. الكتابة في أقصى حالاتها وسيلة للوجود المضيء وبرهان خلاص من التشابه. وهي في نظر الأكثر حكمة حرفة قديمة ابتدعها الإنسان العاقل للمحافظة على توازنه الذاتي. قد يكون ما قلته تجريدا شاعريا وإجابة من ضمن آلاف الإجابات الأخرى التي تطرح نفسها الآن بالذات عليّ لأكتبها وهذا ما يجعل من الكتابة فعلا قادرا على نقد نفسه بنفسه وهدم كل ما من شأنه أن تبنيه الذات الإنسانية. ثمة كتاب كبار قادتهم بندورا «الكتابة» إلى الجنون وإلى الانتحار وإلى السجون وإلى النفي وإلى العزلة وإلى الموت وإلى ما أشدّ قسوة ممّا ذكرت لكن في مقابل ذلك يظلّ الكاتب العميق مستعدّا للتنازل عن كلّ شيء إلاّ عن هذه السيدة الرائعة الكتابة. أحتاج لغة جديدة لأكتب. أحتاج جمالا أكثر تألقا وصدقا لأكتب. أحتاج حبا عاصفا وحبيبا صادقا لأكتب. أحتاج خوفا لا قدرة لي على تحمّله لأكتب. أحتاج ليلا أرحب من حلمي وحكايات كاذبة لأكتب. أحتاج سفرا داخليا لا ينتهي ومجازات لم يبلغها أحد لأكتب. أحتاج موتا مؤجّلا وقلما جسورا وأمطارا ذات أصابع لأكتب. أحتاج ذكرياتي كلها تلك المظلمة كرحم فراشة وتلك المضيئة كقبر فراشة لأكتب. أحتاج قائمة في أسماء الطيور التي لم يذكرها شاعر لأخصها بالمدح وموسيقى. أحتاج كلمات صغيرات لأغري بها أوراقي الصامتة ونقاطا سوداء لأوقف الكلام عمّن أحب. أحتاج شتاء أبديّا لأعيش أكثر ممّا رسمت لي المشيئة. أحتاج امرأة واحدة، واحدة فقط بإمكانها أن تفتح جناحيها متى عصفت بنا ريح وأن تطير معي كقصيدة. هل كان مالك حدّاد وهو يحاول كتابة الفصل الأخير من روايته (سأهبك غزالة) في مقهى صغير من حي «سانت جونوفيات» يفكر في ما يحتاجه كاتب عربي من شمال إفريقيا ليكون نصّه جميلا وحرّا كغزالة ترتع في حضن الصحراء؟ أم تراه كان يفكّر في طفولته القصيرة وأمطار باريس وفي طعم «الروزي» آخر الليل. أم تراه كان يفكر في موسيقى الهرمونيكا وأطفال حديقة اللكسنبورغ وهم يحاولون إيقاف الظلمة عن زحفها ليتواصل اللعب؟ قد يكون فكّر في كل هذا معا وهو يعبر «سان جرمان» في اتجاه بيته الصامت هناك حيث تنام مخطوطة غير مكتملة وحيث تتجوّل رائحة غريبة تسربت من فتحة صغيرة... من علبة بندورا..