الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


نـقـاط وحروف
عرض دولي ضخم لنقل 22 مومياء:

الحفل في مصر والسجال في تونس


بقلم كمال الشيحاوي

نجح الحفل الاستعراضي لموكب نقل 22 مومياء ملكية من المتحف المصري إلى المتحف القومي للحضارات، جنوبي القاهرة في غروب يوم السبت الفارط في إثارة دهشة كلّ من شاهده من أي مكان في العالم. و لم ينشأ الإعجاب من مكوّنات العرض السينوغرافية والسينمائية التي قدّمت بأفضل التقنيات وأكثرها تطوّرا اليوم فقط وإنما من مضمون العمل ودلالاته الانسانية حيث يجسّد العرض قيمة التواصل الحضاري للإنسانية في مختلف حقبها ويكرّس مبدأ الاحترام لكلّ الثقافات والتجارب والمعتقدات التي مرّت بها منذ آلاف السنين إلى اليوم. وان اتجه جزء كبير من التفاعل في وسائل الاعلام وعلى منصّات التواصل الاجتماعي إلى إبراز دور هذا العرض في استعادة مصر لحركيتها الدّولية وقدرتها على جذب السّياح بعد جائحة «الكورونا» فإن جزءا آخر من المحلّليين والمثقّفين والسياسيين انقسموا في التوظيف السياسي لهذا العرض بين من اعتبره احد الاحتفالات الكبرى لمصر الجديدة بعد القضاء على «وباء الإخوان» وبين من قدّمه على أنّه أحد الأشكال القديمة/الجديدة للأنظمة العسكرية الفاشية التي تصرف أموال ضخمة من دافعي الضرائب للمصريين المفقّرين من أجل الدّعاية لنظام «السيسي» الذي لم يزد المصريين بسياساته اللاّوطنية سوى مزيد من الفقر والتهميش.

 

ومع أنّنا نجد صدى لهذا السجال في بلدان عديدة بما في ذلك مصر نفسها إلا أنّ له في بلادنا سياق ومذاق خاصّين. فموضوعيا كان للسيناريو المصري في تنحية «مرسي» ومحاكمات قيادات الإخوان ورموزهم بعد فض اعتصام رابعة بالقوّة تأثير قوي في إضعاف حركة «النهضة» وقبولها الحوار الوطني في 2013 والتنازل عن السلطة والمضي في تسويات وتنازلات عديدة أثارت غضب جزء كبير من أنصارها . وما يزال التأثير الإقليمي والدّولي للمصالحة السعودية القطرية والمصرية التركية مستمرّا في إضعاف «النهضة» وانقسامها وإرباك قياداتها في إدارة الأزمة السياسية التي تمرّ بها البلاد خلال هذه الأيام.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الورقة هو هل يمكن التعامل مع هذا العرض المصري الضخم والاحتفاء به مع تخليصه من أي توظيف سياسي؟ وهل من البراءة والسذّاجة أن نعتبر هذا العرض لصالح مصر والمصريين بقطع النظر عن النظام الحاكم ؟

من نافل القول أن الشعوب والأوطان أبقى من أنظمتها وأكبر ولكن ذلك لا يمنع النقد والتعليق في جميع الاتجاهات ولعلّ الأمانة والموضوعية تنقذنا ولو قليلا من مخالب التجاذبات الإيديولوجية حين نقول أوّلا أن الوقائع التّاريخية تؤكّد مدى شغف الأنظمة المتسلّطة على اختلاف هيئاتها بالاستعراضات والأعمال الضخمة والاحتفالات المهيبة التي تكرّس من خلالها حضورها وسطوتها وتبث عبرها الخوف في نفوس معارضيها وأعدائها وتعيد إنتاج التراتبية السائدة. ويكفي أن نتذكّر ما قامت به فاشيات عديدة لتأكيد هذا المعطى ومن ذلك الحفل الضخم والاستثنائي الذي أقامه شاه إيران لإحياء ذكرى مرور 2500 سنة على قيام مملكة فارس في مدينة «برسيبوليس» وذلك قبل خمس سنوات عن ثورة شعبية عصفت بنظامه وأتت ب»الخميني» وأنصاره الذين استحوذوا على السلطة في سنة 1979.

و الخلاف الفكري والسياسي مع الإخوان والاسلام السياسي (الذي نعتبره خطرا حقيقيا على أتباعه وعلى البلدان التي ينشط بها) لا يمنعنا موضوعيا من التحذير من التوظيف السياسي لنظام «السيسي» لهكذا احتفالات ضخمة للتغطية عن تخلف وبؤس اقتصادي واجتماعي وحوادث قاتلة يومية ومستويات غير مسبوقة في الفقر والبطالة. وهذا النقد لا نخصّ به نظام «السيسي» فقط بل أي نظام سياسي عربي يلجأ إلى ذات الأساليب والسياسات الاستعراضية الكاذبة .

لقد صار من الضروري اليوم التأكيد على أن كرامة الإنسان العربي، مصريا كان أو تونسيا أو خليجيا هي مدار أي سياسة وغايتها الجوهرية. و(وهو الدرس الحضاري الكبير الذي استوعبته المجتمعات المتقدّمة) وفي بلادنا لم نعتبر صعود بعض الشباب على تمثال ابن خلدون وكتابة بعض الشعارات الغاضبة إهانة لهذا الرّمز بل تأكيد على أن الشباب المحتج هم الورثة و الأحفاد الحقيقيون لابن خلدون الذي يعتبر العدل أساس العمران وأن الظلم مؤذن بخرابه.