الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



على هامش مهرجان الموسيقى التونسية:

حتّى لا تتحوّل جوائز المهرجان إلى قبور للنسيان


بقلم كمال الشيحاوي

ثمّة الكثير من المبالغة في ما يقال عن الدّور الذي يمكن أن يقوم به «مهرجان الموسيقى التونسية» في اعادة مجد الأغنية في بلادنا. وهذه الملاحظة تنطبق على جميع المهرجانات والتظاهرات الأدبية والمسرحية والسينمائية والتشكيلية وغيرها باعتبارها مجرّد طرق تنظيمية واتصالية واحتفالية توفّر فرص لقاء وتنافس بين الفنّانين الذين يملكون وحدهم القدرة على تقديم الإضافة الابداعية.

ونزعم أنّ من بين مشاكل مهرجان الموسيقى التونسية( مهرجان الأغنية كما كان يسمّى سابقا ) المقاييس التي تضعها اللّجان في اختيار أفضل أغنية وأفضل موسيقى وأفضل عمل في هذا الصنف أو ذاك (رغم أهمية انفتاحه على تعبيرات موسيقية مغايرة وتنظيم مسابقات لها ). ويبدو أن المقاييس الأكاديمية التي سيطرت خلال دورات المهرجان السابقة قبل توقّفه منذ 12 سنة تقريبا والتي وجّهت المتقدّمين لمسابقاته وجعلتهم يبحثون عن إرضاء مقاييس اللّجان هي السبب في قبر هذه الأعمال وبقائها في أرشيف المهرجان إلا بعض الاستثناءات القليلة جدّا التي نجحت في تحقيق معادلة إقناع اللّجان والجمهور في الوقت نفسه.

من صفحات تاريخ الأغنية التونسية

ومن يعود لتاريخ الموسيقى والأغنية التونسية يعاين أمورا مثيرة في علاقتها بالمجتمع التونسي وحراكه التّاريخي والاجتماعي، فقد حافظت الأغنية الشعبية (المزود والموسيقى الفلكلورية ذات الطابع الجهوي) على حضورها وإشعاعها خلال كلّ الأطوار والمراحل وكانت قادرة باستمرار على ملئ أفراح التونسيين ومناسباتهم بالجديد من أعمالها بقطع النظر عن تقييم النقاد ولجان وزارة الثقافة الرّسمية. ولعلّ مردّ ذلك عفويتها وصدقها وتحرّرها الكامل من كلّ المقاييس والشروط الصارمة التي تواجه أنماط الأغنية الأخرى. ويؤكّد العارفون بهذا النمط الموسيقى أهمية الأدوار الاجتماعية والسياسية والنفسية التي قامت بها هذه الأغنية في التعبير عن أحوال التونسيين وآلامهم وحقيقة أوضاعهم ما جعلها تتعرّض للمنع والتهميش من السلط الثقافية التي ابتكرت مقاييس أخلاقية و»فنّية» مغلوطة لتبرير اقصائها (وصم منتجيها بالانحراف الأخلاقي). ولعلّه من المناسب تذكّر السياق السوسيولوجي والنفسي الذي فسّر النجاح الباهر لعروض النوبة والحضرة في بداية تسعينات القرن الماضي بعد حقب من المنع. وقد شكّل نجاح هذه العروض منعرجا للانفتاح على مختلف أنماط الأغنية التونسية ولكنّه انفتاح سرعان ما أخذ صبغة تجارية ابتذلت هذه العروض في نسخ رديئة ما تزال تعمل حتّى اليوم.

ولقد أثبتت الموسيقى الطربية الوترية بمختلف أصنافها التقليدية (الكلاسيكية، المالوف والموشحات) والعصرية في محطات توهّجها الابداعي (ثلاثينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي) مدى حاجتها الجوهرية لتوفّر أفق ثقافي وحضاري وسياسي لتعبّر عمّا يهفوا إليه التونسيون من تحرّر من الاستعمار في ثلاثينات القرن الماضي ومن التسلّط الذي مارسه نظام الدّولة الوطنية في السنوات الأخيرة من حكم بورقيبة وفي بدايات حكم بن علي. وقد عبّرت عن ذلك فنّيا وجماليا في مساحات الإبداع المتوهجة فيها. ولعلّ من أسباب انتكاستها وجمودها طبيعة نظام الحكم خلال سنوات بن علي التي سعى فيها لتدجين الثقافة والمبدعين عبر إرغامهم على المسالك الرسمية ومراقبتهم وحبس أنفاسهم خصوصا في مجال الأغنية التي تتجه لجمهور عريض وتقدّم في المنابر الرسمية المراقبة وأمام لجان يطغى على اختياراتهم الطابع الرسمي والمحافظ.

الثورة من فرصة إلى خيبة

لقد بقيت الأغنية التونسية الطربية بشقيها الكلاسيكي والمعاصر مأزومة خلال عشريات متتالية دون أن يمنع ذلك بروز بعض الأغاني الناجحة وكثيرا ما ردّد الفنّانون أن الأمر يعود إلى غياب سوق وصناعة موسيقية في بلادنا كما هو الحال في لبنان ومصر خاصة. وعلى أهمية هذا المعطى فإنه غير كاف لتبرير هذه الأزمة التي تحتاج إلى مزيد التفكير فيها. ولعلّ في تواصل نجاح الأغنية الشعبية وقدرة فنون الشارع وخاصة موسيقى الرّاب وأغانيه التي تكتسح الساحة الفنّية التونسية وتلتحم بأذواق الشباب وتستجيب لاحتياجاتهم على اختلاف مستوياته ما يؤكّد أن أزمة الأغنية التونسية ربّما في عجزها عن التحرّر من ضوابط ومقاييس الأكاديميين الذين يسيطرون على مسالك دعمها من قبل وزارة الشؤون الثقافية وتردّدها ولنقل تأخرها في التفاعل مع موروثها الغنائي وتأخرها في التفاعل مع الأغنية الشعبية و فنون الشارع و متابعة ما طرأ من تطوّر في منصات التواصل وخصوصا على اليوتوب.

لقد كان للثورة وما عرف بالرّبيع التونسي اصطلاحا دور لا شكّ في مزيد تأزيم وضع الأغنية التونسية التي اتهمت خطأ بأنها «رسمية» من قبل فنّانين ادعوا الالتزام وطالبوا بإبعاد عدد من أسمائها وترك المجال لهم في تظاهرات الدّولة الرّسمية وقد خاب أملهم واتضح حجم ادعائهم مع بروز فنّاني الرّاب الذين شكّلوا ضربا من الالتزام الحرّ والمنفلت وغير المؤدلج إذا جازت العبارة وكان لهم وما يزال الحضور الأبرز في ذائقة الشباب اليوم .

على سبيل الخاتمة

ولعلّ أهم ما يمكن أن نختم به هذه الورقة هو أن مستقبل الأغنية التونسية الطربية بأنواعها مرتبط أكثر بكل رهان على التحرّر من الضوابط والمقاييس والشروط الكلاسيكية والأكاديمية (على أهمية استلهامها دون استنساخها لإرضاء لجان التحكيم) وعلى أكبر قدر من الجرأة والمخاطرة في ارتياد أكثر أماكن التعبير فرادة وتوهّجا و «شعبية» بالمعنى العميق للـ«شعبي». فالأغنية لا يمكن أن تكون إلا شعبية، وهي في أرقى مستوياتها تصل إلى كلّ فئات الشعب ومن يظهر بمناسبة المهرجان لإرضاء مقاييس اللّجان الرسمية فربّما يفوز بجوائزها وشهاداتها التكريمية ولكنّها ستكون بمثابة الأكفان والقبور التي تدفن داخلها.