الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



نقــــــاط وحـــروف

فنّ صناعة الأزمات وإدارتها


بقلم : كمال الشيحاوي

عرفت تونس خلال تاريخها الحديث العديد من الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلاّ أنه بإمكاننا القول دون مبالغة أنها تعيش خلال هذه الفترة إحدى أسوإ أزماتها وأكثرها تعقيدا سواء من الناحية السياسية والدستورية أو من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والصحية على اعتبار المشاكل التي تعمّقت مع وباء «كورونا».

ورغم كلّ أساليب التخويف والترهيب أحيانا التي يتم استعمالها لأجل دفع المحتجّين والغاضبين في مختلف القطاعات الى التخلي عن مطالبهم أو إرجائها بحجّة عجز المالية العمومية عن تحمّل مزيد النفقات واحتمال إعلان إفلاس الدّولة إلا أن ما حدث من أشكال تفاوض وحلول واتفاقات مع القضاة والقيّمين وتنسيقية «الكامور» والعاملين بالقطاع الصحي وعملة وموظّفي الشركة التونسية للنقل الجوي مؤخّرا وبقطع النظر عن مضمونها وتفاصيلها يدلّ على أمرين لا ثالث لهما إمّا أن الماسكين بالسلطة اليوم يسعون لإطفاء هذه الحرائق بوعود والتزامات غير قادرين على الإيفاء بها في المستقبل أو أنّ لديهم حلولا في الأفق القريب لتنشيط الاقتصاد الوطني وضخ أموال هامة للميزانية العمومية من خلال التفويت أو بيع عدد من المؤسسات العمومية الهامة على غرار معمل التبغ والوقيد أو فتح باب الشراكة مع مؤسسات اقتصادية دولية كبيرة في رأسمال عدد من المؤسسات مثل فسفاط قفصة وشركة الخطوط التونسية «الغزالة» أو التخفيف في عدد الموظّفين والعملة عبر تسريحهم ودفعهم إلى التقاعد المبكّر ببعض المؤسسات التي تشكومن نسبة تشغيلية أعلى من المقاييس العالمية.

إنّ ما يتمّ اليوم في بلادنا وفي عديد البلدان التي اختارت أو أجبرت على الاندراج في النسق الرأسمالي المعولم ليس بحثا عن حل للأزمة كما يتمّ الترويج لذلك في الخطاب الرّسمي وإنما هو في العمق تأزيم للأزمة ذاتها إذا جازت العبارة في بعض القطاعات والمؤسسات ودفعها إلى أقصى مدى ممكن بما في ذلك تعطّل المرفق ذاته أو تردّي خدماته وانخفاض مردوديته الاقتصادية وفساد مناخ العمل فيه بحيث يتمّ إجبار الاطراف المعنية به وخصوصا العملة والموظّفين وهياكلهم النقابية إلى تنازلات موجعة ما كانوا ليقبلوا بها في بداية الأزمة أو في أطوارها الأولى. والأمثلة على هذه السياسة «الخبيثة» عديدة جدّا ويكفي أن نقارن بين الخطاب الرّسمي الذي صدّع رؤوسنا بحرصه على المدرسة والصحة والنقل العمومي وما يصيب هذه القطاعات الاستراتيجية يوميا من تردّ في الخدمات المقدّمة لم تكن له سوى نتيجة مباشرة وهي دفع من هو قادر إلى القطاع الخاص وتحمّل كلفته الباهظة . وها أن السياسة ذاتها يتمّ تنفيذها وعلى اختلاف الحكومات (قبل حدث الثورة وما بعدها ) عبر مزيد تأزيم وضعية المؤسسات العمومية بإغراقها بالموظفّين والعملة بمنطق ربح الاستقرار الاجتماعي وتجنّب عواقب الصدام والعنف مع عدم وضع خطط استراتيجية حقيقية لحوكمتها والنهوض بها وتعصيرها وهو ما تسبّب في شلّ قدرتها التنافسية و في خسارة شركائها وزبائنها في العالم.

قد لا يسمح المجال بالتوسّع في تفكيك هذه السياسة التي اقترنت تاريخيا بالرأسمالية وهي النظام الذي يحلّ المشاكل التي تناسبه ولكنّه يستثمر في المشاكل ويتسبّب في الأزمات التي تحقّق له الأرباح ويصل به الأمر إلى حدّ صناعة الفتن والانقلابات والحروب أيضا التي تفتح سوق إعادة البناء والاستثمار في ثروات البلدان الخارجة من الحرب والأمثلة على ذلك كثيرة. وضمن هذه الرؤية فإنه لا يمكن استبعاد تورّط الحكام على اختلاف منابتهم الإيديولوجية في تنفيذ التوجّه اللّيبرالي الذي يهدف على المدى البعيد إلى الخوصصة الشاملة باستثناء ما يتصل بالأمن والدّفاع والتفويت تدريجيا في المؤسسات العمومية والتراجع عن عديد المكاسب الاجتماعية التي ارتبطت بمنوال اقتصادي وسياسي يعتبر تقليديا ومنتهي الصلاحية في نظر اللّيبراليين الجدد. وهو ما يتم خطوة وخطوة ودون ضجيج وبشكل غير معلن ولكن الجميع يعاين نتائجه وآثاره في معيشه اليومي.

لقد ظهر فنّ إدارة الأزمات أو علم إدارة الأزمات في ستينات القرن الماضي وله مدارس وتوجّهات عديدة في العالم ويمكن تتبّع بعض آثار هذه الصناعة الجديدة في بلادنا عبر التمعّن في الطرق والأشكال التي تمّ اتباعها من قبل الحكام في إدارة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي نشأت عن حدث الثورة بالتنسيق مع خبراء المؤسسات الرأسمالية العالمية مثل البنك الدولي وغيره. وما حدث باختصار شديد أن هذه المؤسسات الدولية للرأسمال العالمي قد روّجت اعلاميا لمصطلح الثورة ورحّبت به طالما أنّ مضمونه سياسي وحقوقي وأنّه خال تماما من أي توجّه معاد للمنوال الليبرالي وقد باركت سياسة الحكومات في امتصاص المطلبية الاجتماعية بمزيد إغراق المؤسسات العمومية بالانتدابات والشركات الوهمية بهدف ربح الاستقرار الاجتماعي الآني والتعجيل بالإجهاز على آخر ما تبقى من مكوّنات المنوال التنموي والاقتصادي التقليدي العمومي تدريجيا.

وها أن هذه السياسة في إدارة الأزمة تعطي نتائجها مع وجود اتفاق يكاد يتحوّل إلى عقيدة عامة لدى مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وهي أن المنوال الاقتصادي للدولة الرّاعية والمؤسسات العمومية والقطاع العام كلّ ذلك انتهى فعليا وأصبح جزءا من الماضي. وكلّ ما يحدث الآن هي أشكال في التفاوض والمساومات والاتفاقات في هذا الطريق.