الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



أمام الاعتداءات المتكررة للعديد من المواقع الأثرية

تاريخ حضاريّ مستباح


تطالعنا الصور من حين لآخر عبر مواقع التواصل الاجتماعي توثق ما يتعرض إليه تاريخ البلاد المجسد في المواقع الأثرية والمعالم الأثرية من اعتداء تأتيه أيادي المواطنين غير العابئين بهذا الإرث الحضاري إذ أن تراث الأمم يعتبر ركيزة أساسية من ركائز هويتها الثقافية وعنوان اعتزازها بذاتيتها الحضارية في تاريخها وحاضرها .

 

فلا يعتبر التراث مجرد موروث جامد عبارة عن مبان أثرية أو تحف فنية قديمة أو حتى ما هو ممثل في كل ما هو غير مادي من شعر ونصوص وغيرها بل هو من أهم المصادر الناقلة لفكر وثقافات الشعوب السابقة فهو بمثابة آلة زمن ترحل بنا عبر مختلف العصور والحضارات إلا أن التراخي في عدم صون ذلك التاريخ وتلك الحضارة يؤدي الى طمس معالمه واندثاره شيئا فشيئا عن طريق الزحف العمراني وانتهاك واستباحة البناء في مواقع أثرية في تحد صارخ للهياكل الراجعة لها بالنظر تلك المواقع أو عبر سوء تصرف لمستغليها كما هو الحال في معلم «الاكروبوليوم» بقرطاج بعد أن تمكنت وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية من استرداده بالقوة مؤخرا أو تحويلها الى أماكن لجلسات خمرية كما جرى في موقع «بير النحال» بقليبية قبل أن تتعهد بلدية المكان بتسييجه بعد نداءات استغاثة أطلقتها جمعيات وممثلون عن المجتمع المدني بالجهة وغيرها من الأفعال والاعتداءات التي يأتيها البعض في حق ذلك التاريخ. آخر الصور التي تناقلتها العديد من المواقع الالكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تعود الى خبر وإن مضى عليه زمن غير بعيد إلا أنه الصور ظهرت للعلن خلال الأيام القليلة الماضية والتي تثبت اعتداءات على معلم «داموس الكريطة» و المصنف ضمن لائحة «اليونسكو» و يفترض أن يكون الموقع محميا خاصة وانه على بعد أمتار قليلة من متحف «قرطاج» و قصر الرئاسة وقد لاقت الصور انتقادات عديدة من الغيورين على الإرث الحضاري من أبناء المعهد الوطني للتراث غير أن تلك الصور لن تكون الأخيرة على ما يبدو فالاعتداءات وفق توفيق عمري كاتب عام مساعد النقابة الأساسية لسلك محافظي التراث أكد في تصريح لـ «الصحافة اليوم» أنها تكاد تكون بشكل يومي غير أن الصور الأخيرة لاقت استهجان الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي فواقع التراث اعتبره الكاتب العام خطيرا على اعتبار عجز السلط المعنية عن احتواء الاعتداءات بسبب تشتت مهام المؤسسات التي تعنى بالتراث وتداخل المهام في ما بينها علاوة على تراخي السلط الجهوية والمحلية في التعامل مع المواقع الأثرية ( برج قليبية مثالا) حيث تعتبر النقابة أن قطاع التراث قطاع يعاني من إهمال وحالة بؤس ورداءة ونقص في الموارد البشرية خاصة على مستوى أعوان الحراسة

نداءات متكررة

وفي الحقيقة فإن الاعتداءات ليست وليدة اللحظة بل هي تعود الى الثمانينات والتسعينات وتواصلت إلى يومنا هذا عن قصد ودون قصد غير أن النتيجة واحدة وهي تشويه الإرث الحضاري والتراثي الذي يعود إلى سنوات غابرة في التاريخ وإهمال مواقع أثرية والتفريط فيها للخواص وصار البعض منها مقطعا للحجارة ومصبا للفضلات (المقبرة البونية بقليبية) وتحول البعض الآخر إلى ملعب يؤمه الأطفال الصغار للعب كرة القدم ونتيجة للاعتداءات المتكررة على منطقة «قرطاج» بالتحديد فقد تتالت نداءات الاستغاثة من طرف العديد من نشطاء المجتمع المدني والتي نددت بتلك الاعتداءات خصوصا بالمنطقة المصنفة صفراء والتي يمنع البناء عليها غير أن المنطقة شهدت العديد من الانتهاكات والبناءات الفوضوية التي صدرت في حقها قرارات هدم غير أن كاتب عام النقابة الأساسية لسلك محافظي التراث اعتبر أن قرارات الهدم نفذت في حق مواطنين دون غيرهم من مرتكبي الاعتداءات ما يعني أن هناك مواطنين متنفذين يحولون دون تنفيذ قرارات الهدم وفق تعبيره بل ويفيد أن لدى النقابة شكوكا بخصوص حصول مواطنين على رخص بناء دون الرجوع بالنظر الى استشارة المعهد الوطني للتراث ليس في منطقة قرطاج فحسب وإنما في اغلب المناطق بالجمهورية وأضاف العمري أن «الإشكال يتمثل في عدم تحديد الأراضي التي تعود إلى ملك الخواص وتلك التي تعود إلى الملك العمومي وبالتالي يصعب التفريق بين الأماكن التي يمنع فيها البناء لاسيما بالمناطق الصفراء والتي يبدي فيها وجوبا المعهد موقفه من عملية البناء إما بالرفض أو القبول مع تقديم احتراز بعدم الحفر عميقا أو بالتزام صاحب الرخصة بإخبار المعهد في حال اكتشاف أي نوع من الآثار التي تكون مهمة.

تكرر مثل هذه الاعتداءات على التراث بكل ما في الكلمة من مفاهيم وعادات وتقاليد قديمة يعكس بما لا يدع مجالا للشك الفقر المعرفي والثقافي لجل الحكومات المتعاقبة بقيمة القطاع وموقعه في الخارطة الثقافية ودوره في حفظ الذات والذاكرة الوطنية، وفي خصوص التسمية الجديدة لوزارة الشؤون الثقافية وتثمين التراث والتي ما يزال ينتظر الوزير المرتقب أداء اليمين الدستورية في خضم الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد حاليا بين رأسي السلطة التنفيذية والرئاسية أجاب توفيق عمري أن الخطوة تعتبر ايجابية وهي من مطالب النقابة التي كانت قد طالبت بها سابقا مع وزير سابق للشؤون الثقافية غير أن التسمية اعتبر فيها مغالطة بما أن «تثمين التراث» يعتبر جزءا من جملة من التدابير للمحافظة على التراث من صيانة ومحافظة ثم التثمين عبر استغلاله عن طريق التسويق والترويج . ومن أجل الهدف الأسمى ألا وهو المحافظة على التراث بقسميه المادي واللامادي فإنه يتوجب الترفيع في ميزانية المعهد الوطني للتراث وإعادة هيكلته مع كل المؤسسات المعنية بالتراث في اتجاه توحيد الرؤى والأهداف والاستراتيجيات على المدى القصير والمتوسط والبعيد بخصوص التراث والتسريع بتنقيح مجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية التي تعود صياغتها الى الثمانينات فيما يعود تاريخ إصدارها الى سنة 1994مما يجعلها غير مواكبة لجملة من الإجراءات في مجال حماية التراث اللامادي وغياب تجريم الاعتداءات التي تعني هذا التراث على اعتبار أن الدولة التونسية وقّعت على اتفاقية دولية للأمم المتحدة لصون التراث اللامادي منذ 2005 .

قد لا نستغرب من تلك الاعتداءات بقدر ما يثير استغرابنا غياب إستراتيجية موحدة تجمع بين الهياكل العمومية المعنية بصون التراث وبعدم التسريع في تحديث التشريعات ويبدو أننا نسير خارج الزمن في التعامل مع الإرث الحضاري التي تزخر به البلاد والمهدد بالاندثار والتلاشي إن نحن قصرنا في عملية المحافظة عليه وصونه باعتباره جزءا هاما من مقومات الهوية والشخصية الوطنية وحلقة مهمة من تاريخ الشعوب فالتراث هو القيم والمفاهيم والعادات والتقاليد القديمة والحرف اليدوية والمواهب وغيرها من المفاهيم التي خلفها الأجداد للأجيال من بعدهم لذلك تولي الشعوب في وقتنا الحالي اهتمامًا للتاريخ والثقافة عبر صون التراث العمراني والثقافي والطبيعي واللامادي من خطر الاضمحلال والتلاشي.

 


جيهان بن عزيزة