الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


الدكتور حاتم زير يكتب عن:
السياسات الثقافية في البلاد التونسية

البناء.. التطور.. الاشكاليات


الصحافة اليوم: مراد علالة

تتفاقم صعوبات البحث والكتابة عندما تتداخل الذات مع الموضوع ويكون الباحث أو الكاتب طرفا في الإجابة عن الإشكالية التي هو حائر أمامها إن لم يكن جزءا من تمظهراتها وصورها، وهذا تقريبا ما لمسناه في الكتاب المرجعي الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه للجامعي والمثقف والناشط المدني والرياضي حاتم زير بعنوان «السياسات الثقافية في البلاد التونسية: البناء.. التطور.. الاشكاليات».

 

ويحسب لمؤلف الكتاب تحلّيه بالموضوعية التي فرضتها في تقديرنا الإكراهات العلمية والأكاديمية، فالأمر يتعلق ببحث نوقش أمام الراحل المنصف وناس والأساتذة رمضان البرهومي والمنجي الزيدي ورضا التليلي في رحاب الجامعة التونسية التي تزخر بمثل هذه الاصدارات القيمة التي لا ندري أسباب عدم إعتمادها والإستفادة منها من لدن الساهرين على شؤون البلاد والعباد..

ولعل هذه النقطة بالذات هي التي تمحور حولها الكتاب الذي نجد فيه محاولة للإجابة عن سؤال ما هي حدود فاعلية الدولة في بناء المشهد الثقافي وأي علاقة لها بالتشريعات والمؤسسات في المجال الثقافي؟ هل أن الدولة سعت إلى بناء علاقة براغماتية مع الثقافة لتصبح آلية من آليات فرض هيمنتها على المجتمع أم أنها تبنت رؤية أوسع للمسألة الثقافية؟

هكذا كانت حيرة الكاتب الذي يقول في مقدمة كتابه «ان الحركة الثقافية في تونس تحتاج لمن يفكك مفاصل علاقتها بالسياسة العامة للدولة وحاجيات المجتمع الثقافية».

ويؤكد أن «الثقافة لم تعد قطاعا كماليا يمكن الاستغناء عنه بل أضحت مجالا حيويا يتمتع بأجهزة وآليات وفاعلين وأطراف متدخلة ويعمل وفق مخططات وطنية وبرامج واتفاقيات دولية» لكن ما لاحظه الدكتور حاتم زير هو ان القطاع الثقافي بعد 2011 شهد «نوعا من الركود والفراغ» وهذا تحدي امام الفاعلين في هذا القطاع.

أن نقطة قوة الكتاب هي العودة الى تاريخية السياسة الثقافية في تونس من خلال تحليل تجاربها السابقة والراهنة كما يقول المؤلف منذ أكثر من ستين سنة أي في الفترة الممتدة من 1956 الى 2018.

أما نقاط القوة الفرعية إن جاز القول فهي بطبيعة الحال هذا البعد في ضبط المفاهيم في الفصل الاول من الكتاب بالخصوص وفيه عودة على تعريف الدولة والسياسة العامة وتصنيف لنماذج الدول انطلاقا من علاقة تسييرها للشأن الثقافي فنكتشف وجود الدولة المهندسة والدولة الراعية والدولة المسيرة وهي نماذج عرفتها بلادنا على مر العقود.

وفي الفصل الثاني والثالث، جهد توثيقي وتأريخي ووصفي لمراحل السياسة الثقافية في تونس بعد الاستقلال، مكوناتها وضوابطها الدستورية والتشريعية ليخلص المؤلف في الفصل الرابع الى هيكلة مؤسسات الدولة وسياساتها الثقافية بين 1956 و2018.

ويظل الفصلان الخامس والسادس من الكتاب على درجة كبيرة من الأهمية لأنهما يتضمنان استخلاصات واستنتاجات الباحث في علاقة بتاريخية إشكاليات السياسة الثقافية وراهنها وعلاقة الأطراف الفاعلة في الثقافة والفنون بالمبادرة الخاصة وهنا يذكرنا الدكتور حاتم زير بأن «أبرز ما جاءت به قريحة الحكام والمفكرين على مستوى عال في الدولة في فترة ما بعد الاستقلال مباشرة من أمثال بورقيبة والمزالي والفيلالي.... هو السعي الى بناء استراتيجية يتداخل فيها المشروع السياسي مع الممارسة الثقافية بجميع تجلياتها وهو ما أثر بصفة مباشرة على الواقع الاجتماعي والثقافي وتحديدا على برامج المؤسسات الثقافية ومخططاتها».

وبين كشف الدور المحوري للدولة والتنويه بأهمية المبادرة الخاصة يضع لنا الكاتب ما يمكن اعتباره دليلا إرشاديا لا يتضمن حلولا قطعية أو جاهزة لأزمة الثقافة ببلادنا بقدر ما يعري نقائص السيرورة التاريخية ويسجل نقاط القوة والوهن فيها وهو ما يساعد في نظرنا على معالجة واقع الثقافة الذي هو ليس على ما يرام فلا أصحاب مقولة ثورة 14 جانفي 2011 حسموا أمرهم وقالوا أننا أنجزنا او نحن مطالبون باستكمال الثورة بإنجاز الثورة الثقافية ولا المحافظون او المعارضون لما حصل في 2011 قدموا تصورا متكاملا للمسألة الثقافية تعالج العقم والتداخل والتوظيف والفشل.

أن اهمية اي بحث علمي كما يقول سبينوزا هي امكانية الاستفادة منه وكتاب الدكتور حاتم زير لا يخرج عن هذا الاطار مثله مثل عديد الاصدارات لخريجي الجامعة التونسية التي بقيت للأسف حبيسة الرفوف ولا تفتح الافاق لاصحابها ولا لمن شملهم البحث ولا لأركان الدولة وسياستها العامة والعمومية.