الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



الفيلم الوثائقي «بن غداهم ، باي الشعب»

أنصفه التاريخ وظلمته النهاية


احتضنت مدينة الثقافة بالعاصمة أول أمس الاثنين 11 من جانفي 2021 العرض الأول للفيلم الوثائقي التونسي «باي الشعب » للمخرجين التونسيين الشابين سماح الماجري وأمان الغربي ، تجربة واعدة للوثائقيات التاريخية التونسية من المنتظر عرضها في غضون أيام قليلة على شاشة الجزيرة الوثائقية التي انتجت بدورها هذا الوثائقي المرموق بالشراكة مع «فولك ستوريز » للإنتاج السمعي البصري.

ظرفية زمنية رمزية و متميزة إختارها صناع هذا الوثائقي لعرضه أمام الجمهور قبل أيام معدودة تفصلنا عن مرور عقد كامل على ثورة الـ14 جانفي ، واقعة خالدة في تاريخ الدولة التونسية العريقة شأنها في ذلك شأن ثورة 1864 بقيادة علي بن محمد غذاهم ، والتي ستبقى بدورها خالدة في تاريخ الأمة. في الأثناء ، نلمح في فيلم «باي الشعب » ومضة تاريخية قيمة للثورة الشعبية العارمة التي اندلعت سنة 1864 ضد نظام محمد الصادق باي ، ملمح تاريخي خالد يذكّرنا بويلات المجتمع التونسي في تلك الحقبة التاريخية الخاصة أي قبل بضع عقود من الإستعمار الفرنسي وتزامنا مع إنشاء عهد الأمان و كتابة دستور 1861 .

ولئن رصد «باي الشعب» في بدايته الأسباب المباشرة لاندلاع شرارة ثورة 1864 على غرار مبالغة مضاعفة الدولة لضريبة الإعانة على الرعية، و تنامي النفوذ الأجنبي في البلاد على حساب السيادة الداخلية للايالة التونسية ، فقد صور في البقية إمتداد الثورة على مساحة واسعة من بلادنا جمعت السواحل بالدواخل والقبائل بالمدن . كما عاين الفيلم عن كثب قضايا المجتمع التونسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على غرار العروشية و استفحال المديونية و تزعزع السيادة الداخلية مقابل كثرة تدخلات الأطراف الأجنبية في الشأن التونسي . من جهة أخرى تطرق «باي الشعب » إلى سلطة مشايخ الطرق الصوفية و«الزوايا» على المجتمع التونسي راصد على حد سواء دورهم البارز في تغيير مسار ثورة علي بن غذاهم .

هذا الأخير كان في تلك الأشهر القليلة بايا موازيا لمحمد الصادق باي ، رجلا فريدا من نوعه ، نجح في ما عجز عنه الجميع ، وحد العروش المتناحرة والقرى الساحلية تحت راية ومصلحة واحدة ، فنصبته قائدا بإجماعها ليمارس سياسة ليّ الأذرع مع سلطة الباي لشهور وليزعزع عرشه بل ليكاد أن يسقطه.

وقد عرض الفيلم في دقائقه الأخيرة نهاية تراجيدية للقائد موثقا اعتقال علي بن غذاهم في فيفري 1866و موته بسجن حلق الوادي في 10 أكتوبر 1867 ملمحا على حد سواء بأن نجاح ثورة بن غذاهم كانت لتغير واقع المنطقة بأسرها وأن يؤثر بشدة على مستقبل الأمة التونسية وشقيقاتها .

جدير بالذكر بأن الإذاعة الوطنية كانت سباقة بتجربة مماثلة حملت نفس المسمى اذ بثت خلال شهر رمضان الماضي مسلسلًا إذاعيا يحمل عنوان «باي الشعب» من تأليف جلال بن ميلود التليلي وإخراج محمد علي بلحارث. وهو من إنتاج فرقة الإذاعة للتمثيل وقد تطرق إلى ذات الحقبة التاريخية مركزا بالخصوص على فساد الطبقة الحاكمة واستفحال الغضب والحقد الاجتماعي على الراعي إضافة إلى ظروف إندلاع ثورة 1864.

«باي الشعب» ومضة تاريخية خالدة ولمحة أخرى عن أيام عسيرة عاشتها الأمة منذ ما يقارب القرنين ، ويلات المجتمع في تلك الحقبة تذكّرنا لوهلة بما تعيشه بلادنا في هذه الفترة ، رغم ذلك فهو دليل آخر على عراقة وأصالة نزعة شعبنا إلى قيم الثورة و الحرية ومحاربته للإستبداد إضافة إلى كونه شاهدا تاريخيا على بقاء هذه الأمة رغم كل الأزمات.

 

 


وديع النجار (صحفي متربص)