الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



«الكركارة» لجمعية أرتيموس للمسرح :

حكاية خبز معجون بالدم البشري



يحدث للجمعيات المسرحية الهاوية أن تنتج عملا ينافس مجال الاحتراف وقد يتفوّق عليه رغم قلة الإمكانيات وعدم تفرّغ هواة رابع الفنون لمعانقة الخشبة كلما عنّ لهم ذلك، فهم عادة اختاروا هذا السبيل مدفوعين بالحب فقط ويمضون لكسب قوتهم في أماكن أخرى وأحيانا أو غالبا ينفقون على المسرح من أموالهم الخاصة لأن وزارة الإشراف ومؤسساتها الثقافية لا تهتم بدعمهم ماديا ولا توفر لهم مستلزمات العمل ومع ذلك يظلّون صامدين حبّا في أبي الفنون والمواجهة المباشرة مع عشاقه ورصد تفاعلهم...

جمعية «أرتيموس» للمسرح بسكرة واحدة من هذه الجمعيّات وهي وإن كانت شابة (تأسست سنة 2012) فقد استطاعت أن تلفت إليها أنظار الجمهور وبعض نقاد المسرح لجديتها في انتقاء نصوص تفجّرها على الخشبة وتثير حولها الجدل... أحدث انتاجات هذه الجمعية كان مسرحية «الكركارة» التي عرضت في غضون هذا العام في الكثير من التظاهرات المسرحية وتحصلت على جوائز كثيرة من بينها جائزة أحسن عمل متكامل بمهرجان المسرح العربي واد الليل وأفضل سينوغرافيا بمهرجان عبد العزيز العقربي وأحسن عمل متكامل في المهرجان الوطني لمسرح الهواة بقصور الساف...

«الكركارة» التي شاهدنا عرضها الأول تدور أحداثها في ميناء لإصلاح السفن حيث تدخل الشخصيات تباعا في وقت متقدم من الليل لتحكي صراعا بين أخوين بعد رحيل الأب، صراع يكشف عمق الاختلاف بينهما حسن وحسين، الأول بحّار ماهر في عقده الثالث فقد زوجته خديجة وابنه يحيى في حادث غرق فانصرف لحياة المجون والخمر يعيش على ذكراهما، والثاني في الأربعين من عمره بحّار لكنه يكره البحر ويخشاه، يعاني من عجز جنسي ويحاول إخفاء هذا النقص بالتقوى الزائفة... أما الأم عزيزة فهي امرأة حزينة مصدومة بوفاة زوجها وفقدان حفيدها يحيى ومع ذلك تحاول الإمساك بزمام العائلة وتوجيهها نحو الأفضل لإعادة التوازن المفقود بعد رحيل كبيرها... يشتد الصراع بين الأخوين بقدوم ابنة الخال زهرة فتاة مسكينة (أو هي كذلك في الظاهر) طردتها زوجة أبيها من المنزل فاضطرت إلى العمل في كابريه قبل أن ينتهي بها المطاف في بيت الخالة عزيزة. يقع الشقيقان في حب زهرة أو هكذا هيّئ لهما فحسن وجد فيها بلسما لجراح الوحدة وتعويضا لفقدان الزوجة والإبن وحسين استعاد معها رجولته الضائعة... تحدث مواجهة بينهما لا تكون زهرة محورها بل السبب الذي يكشف عمق الاختلاف والخلاف ويعري ضعف الأخوين واهتزازهما.

أما الأم الحائرة بينهما فقد بذلت محاولات جاهدة للإمساك بزمام العائلة المتصدعة وتوجيهها نحو الأفضل لإعادة التوازن المفقود بعد رحيل كبيرها...

«الكركـارة» حكايـة اجتماعيـة إنسانية تكشف صراعا بين التقوى والدين المزيف، بين الخوف والشجاعة المحسوبة، حكاية خبز يومي معجون باللحم والدم البشري... حكاية بحر تتكشف مخاطره وعيوبه عندما يكون هو السبيل الوحيد أمام الشباب لتحقيق الأحلام... وهي أيضا أو بالأساس حكاية مجتمع غارق في البؤس ومحاصر بالموت يمارس هواية الهرب إلى الأمام أو المجهول الذي يبتلعه إما بالموت أو بتغييب الإحساس فيستحيل عدما لا يعبأ به أحد...

يقول مخرجها نزار الكشـو: مسرحية «الكركارة» هي محاولة لمحــاورة الأضــداد ومقاربـــة الثنائيات،هي وجهان لعملة واحدة، الوجـه الأول «الرجــل» والوجـه الثاني المرأة أما العملة الواحدة فهي «الإنسان»... أما «الكركارة» فهي المد والجزر، الكر والفر، الوجود والعدم، الموجود والمفقود، الراهن والمنشود... «الكركارة» مواجهة بين فكرتين: الموت والحياة، تنبش ظلها في الحكاية وترصد تفاصيلها وتأخذها إلى الركح حيث الشخصيات مأزومة ومستعدة للموت إما قاتلا أو مقتولا...

من الناحية الفنية لاحظنا تجسّد عدة مدارس في هذا العمل سواء على مستوى الإخراج أو التمثيل فالأداء كان عنصرا أساسيا في اللعبة المسرحية حيث تنقّل بين الشخص وأدواته إلى الشخصية وأدائها. ففي فضاءات اللعب يكون الممثل كائنا ممكنا متمكنا من مفاتيح الشخصية وعارفا بقواعد اللعبة الدرامية... فهذا العمل لقاء بين «الهو» و «الهو» وبين «الهي» و«الهي» وخاصة بين «الهو» و«الهي» وفي هذه اللقاءات تتقاطع مع «الآخر» في تفاصيله ومقاصده ونبل معانيه...

مسرحية «الكركارة» كتبت بأسلوب شاعري توفّر على أبعاد جمالية رغم درامية الطرح كما جاء خطابها مبطنا بالمعاني ملغوما بالدلالات على ألسنة شخصيات لم تسقط كل أقنعتها وإنما مارست غواية الخفاء والتجلّي لتأخذ المتلقي تدريجيّا إلى المغزى الحقيقي والرسالة التي من أجلها قُدّ هذا العمل المتميّز...

بقي أن نضيـف أن مسرحيـة «الكركـارة» كتب نصــها رياض الزواوي درامـاتورجيا وإخـراج نزار الكشو، سينوغرافيا إبراهيم الشيحي وقدّم أدوارها كل من محمد علي كشطان وزينب ستالة وكلثوم الوسلاتي وإبراهيم الشيحي ورياض الزواوي.

 


ناجية السميري