الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



قراءة في «مرآة الخاسر» للروائي شكري المبخوت:

حين تكون المرآة أداة للمكاشفة والاعتراف


«مرآة الخاسر» هي واحدة من ثلاثية الروائي التونسي شكري المبخوت الطلياني2014، باغندا 2016 ومرآة الخاسر. ولعل هذه الأخيرة لم تحظ بالاهتمام ذاته الذي حظيت به شقيقتاها.

لذلك وقع عليها اختيارنا اليوم لتقديم قراءتنا لها ضمن سلسلة «تونس تقرأ» للتعريف بالكتاب التونسي وتثمين إبداعاتنا الأدبية الوطنية، سواء في الاعلام السمعي براديو مرايا الثقافي أو في الصحافة المكتوبة.

مرآة الخاسر أو (خيبة عبد الناصر الثانية) رواية صدرت حديثا سنة 2019 في طبعتها الاولى عن دار التنوير للطباعة والنشر.

في قراءتنا للرواية نقف على وجود صورتين أساسيتين إحداهما من منظور مجتمعي تعبر عن النجاح والشهرة والمستوى الاجتماعي المرموق وأخرى تمثل نوعا من الانعكاس للذات التي ترى نفسها من الداخل حيث الخيبة والانكسار والخسارة...ما يجعلنا أمام الثنائية المحركة للسرد وهي ثنائية الظاهر والخفي أو السطح والعمق. فما يعاينه الآخر هو ذلك الوجه المشرق والجذاب من صورة بطلي الرواية وهما عبد الناصر وزليخة.

فالأول هو صحافي ناجح ومعروف يعمل بإحدى الصحف الدولية والثانية طالبة متفوقة ثم طبيبة أسنان ماهرة ومشهورة. وكلاهما يبدو بالمقاييس الاجتماعية علامة للنجاح الاجتماعي. وقد مكنتهما هذه الصورة اللامعة من تكوين شبكة واسعة من العلاقات في الأوساط الاجتماعية الثرية والمتنفذة، فغنما ما غنما منها من المصالح والمنافع. وقد استهوت هذه الصورة البطلين فانغمسا في اللعبة وخبرا قوانينها. وهو أمر تقر به زليخة محركة قوانين تلك اللعبة من خلال اعتبار نفسها كاتبة لسناريو المسرحية التي يعيشها ابطال حكاياتها ومغامراتها، دون أن تنتبه الى كونها هي ذاتها ليست سوى ممثلة جيدة ضمن ذلك العمل الدرامي.

وعلى الرغم من حالة الانفصال الظاهري بين مساري الشخصيتين الرئيسيتين في بداية العرض إلا أن كلاهما كان يؤدي دوره بنجاح على مسرح الحياة. لكن بعودتهما الى المرآة يكتشفان صورة أخرى مهشمة منكسرة دون أن يعلما سر هذه المرآة الخبيثة وما تبثه فيهما من رعب وبشاعة. وكان اتصالهما في حبل الزمن عاملا للبحث في أسباب تلك الصورة ونزع القناع الذي ظل يرتديانه لمدة طويلة. فبدأت فصول المسرحية التي يعيشانها تتهاوى ويفر الممثلون وتتداعى اركان المسرح ليواجها حقيقة نفسيهما العارية. ولم يكن الاتصال بينهما وحده كافيا لاحداث الصدمة بل وقوع حادث آخر في الرواية شكل نقطة البداية للمكاشفة ألا وهو موت الأبوين. قد يصور لنا السارد أن الحدث كان عاديا وغير ذي بال في مستوى وقعه النفسي على بطلي الرواية. فالموت الرمزي كان سابقا للموت المادي. ونعني بذلك أنه بالنسبة الى كل من عبد الناصر وزليخة فإن محل الأب كان شاغرا منذ زمن بعيد. فعبد الناصر عاش طفولة معذبة مع أب قاس ومتسلط وعنيف وزليخة بدورها عاشت في ظل اب متخلّ خائن سيء العشرة... ما يجعل صورة الأب لدى كل منهما كانت مهتزة بل ومشوهة. أو ليس الاب هو النموذج الأول الذي يقابله الطفل فيتشبه به ويقتدي به ويستبطن من خلاله وظيفة الأبوة والرمز. لكنهما للاسف في هذه المرحلة الحساسة من تكوّن الشخصية وبناء الثوابت والقيم يجد البطلان نفسيهما يعيشان في مستنقع العنف والخيانة وغياب الأمان. فيتحولا الى ضحيتين يرافقهما حرمانهما الوجداني طيلة الحياة. حرمان لم تستطع الثروة أو النجاح العلمي او المهني ملؤه. فتلبست صورة الذات كلما نظرا في المرآة بالخيبة والخسارة والتصدع...

لقد شكّل موت الاب بمفهومه الرمزي منعرجا لطفولة بائسة حزينة القت بظلالها على شخصية البطلين ولم ينقذهما السارد إلا «بقتل» الأب من خلال الموت المادي ليكون ذلك مناسبة للمواجهة والمكاشفة والجلوس على كرسي الاعتراف امام المرآة. فيرممان ما امكن من صدوع ويعالجا ما استطاعا من جروح الماضي البعيد.

ان الاتصال الحقيقي بين الشخصيتين سبق اتصالهما المادي في مسرح الحياة، فهو قد حدث في البدايات في مرحلة مبكرة من نشأتهما غير السوية، فارتوى كل منهما من الالم حتى الثمالة وعبّا من العنف الكثير...ولم تستطع لعبة الحياة والنجاح والشهرة ان تداوي ندوب ذلك الماضي العميق او ليس الطفل اب الكهل كما يقال دوما؟

وفي سياق الثأر للبطلين ظاهريا وللضحيتين في الحقيقة عمد السارد الى «قتل الأب» ليهدم من خلاله النموذج البطريركي للسلطة الابوية الذي جعل الأم تعيش فيه مطحونة مكلومة مضامة وكأننا به اي السارد ينتصب حكما يقضي بإعدام النموذج ونصيرا لحق المرأة والطفولة في العيش بأمن وكرامة. لذلك نراه يبيح لزليخة ما لم يبحه لوالدتها لتنتقم وتثأر لوالدتها ممن قابلتهم من الذكور ومن تلك الفحولة الوهمية الزائفة.

«مرآة الخاسر» كانت محاكمة للأنموذج الابوي والفكر الذكوري وانحيازا لقيم العدل وحماية حق كل طفل في طفولة سعيدة تقيه من الانكسار لاحقا وتصالحه مع ذاته. مرآة يتساوى فيها الظاهر بالباطن، المنظور بالمستور...تجد فيها الذات توازنها بعيدا عن كل اشكال التسلط والاستغلال والعنف.

لقد تمرد المبخوت في نصه الروائي على ادوات التحليل النفسي وآليات تفسيره التقليدية كعقد الكترا وعقدة اوديب وغيرها لينحو الى معالجة ظاهرة العنف والاستغلال بكل أشكاله الرمزي المادي وإبراز أثره السلبي على النفس على المدى الطويل، ما يجعل مستقبل الإنسان رهينا لماضيه، لذلك استعان الروائي بالمرآة ليضعنا جميعا عراة أمامها حتى نكتشف عوراتنا ونواجه حقيقتنا المرة فنعالج جراحاتنا ونصلح اعوجاجنا ونصالح أنفسنا. وتكون المرآة أداة للمكاشفة والاعتراف والاصلاح لأنها صادقة وأمينة ولا تخادع. وتصبح لها الكلمة الفصل في كسر الثنائية التي شكلت محرك الاحداث في الرواية وتؤسس للمصالحة مع الذات وتنهي بذلك فصول المسرحية وتعلن نهاية تعدد الأدوار.

 


بقلم د.نورة يوسفي